عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 16-03-2020, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,745
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أبو إسحاق الإلبيري.. حارس على حدود الشريعة



ذلك كان شعور جميع المسلمين يومئذٍ في غرناطة تجاه ذلك الوزير اليهودي، وأبو إسحاق الإلبيري يومئذٍ واحد من المسلمين، يسوءه ما يسوءهم، ويحزِنُه ما يحزنهم، وفوق ذلك هو شاعر مرهف الحسِّ يجد في الشيء الخفيف الوطءِ على غيره ثقلًا، ثم هو رجل زاهِدٌ واعظ، وحكيمٌ ناصح، وهو بهذا من مقدَّمي المسلمين بلا شك؛ ولهذا كلِّه نهض رحمه الله يدافِعُ عن حقِّ الإسلام، ويبيِّن غَضْبةَ علمائه، ويعلن استنكارَ أبنائه لما يقع، وقد عبَّر عن ذلك بطريقته البيانيَّة العالية، في قصيدةٍ شعرية مشهورة، أنكر فيها ذلك الأمر وبيَّن خلالها مساويه، وتكلَّم فيها بالحقِّ غير هيَّاب، يقول فيها مطلعها:





ألا قُل لصنهاجةٍ أجمعين

بدور النَّديِّ وأُسْدُ العرينْ




لقد زلَّ سيِّدُكم زلَّةً

تقرُّ بها أعينُ الشامتينْ




تخيَّر كاتبَه كافرًا

ولو شاء كان مِن المسلِمينْ




فعزَّ اليهودُ به وانْتخوا

وتاهوا وكانوا مِن الأرذلِينْ




ونالوا مُناهم وجازوا المدى

فحان الهلاكُ وما يَشعرونْ









وهو يرى في المسلمين غُنية عن هذا اليهودي الكافِر الذي خدَم أبناءَ دينه على حساب المسلمين؛ وهذا حقٌّ، فكم في المسلمين من كفاءات عليا! يُؤثِرُ عليها الحكَّامُ مَن هم أدنى منهم فيها، ويهضمونهم حقوقهم، بل واللهِ ولو كانوا أقلَّ منهم كفاءة وكان مثل هذا الموضع، ما صحَّ أن يُقدَّم غيرُ المسلم على المسلم ويوضع فوق رأسه؛ فلا الدِّين يقول بهذا ولا العقل!



ولله درُّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ بلغه مثلُ ذلك عن بعض وُلاته، فما كان مِن عمر إلا أن أمره بنَقض ذلك ورد الأمر إلى نصابه.







يروي نظام الملك الطوسي في كتابه "سياست نامه" أو سير الملوك، وهو كتاب متخصص في نُصح الحكَّام والساسة - أنَّ والي العراق في خِلافة عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص قد أقدم على تعيين يهوديٍّ مسؤولًا عن جباية الأموال في سواد بغداد وواسط والأنبار وتلك النَّواحي إلى تخوم خوزستان والبصرة، وأنَّ هذا المسؤول اليهودي قد تطاول على المسلمين وأساء معاملتهم، فكتبوا إلى الخليفة عمر يشكونه، ويطالبون بعَزْله، وتعيينِ رجل من المسلمين، ولما قرأ أميرُ المؤمنين الرسالة قال: أَيَتسنَّى ليهوديٍّ يعيش على وجه الأرض سالمًا أن يشعر بالتفوُّق والفضل على المسلمين؟! وأمر بأن يُكتب إلى سعد بن أبي وقاص: اعزِلْ ذلك اليهودي، وولِّ عملَه مسلمًا.







ولما قرأ سعد الرسالةَ، بحث بين المسلمين عربًا وعجمًا، فلم يجِد فيهم من هو بكفاءة اليهودي وخبرتِه، فاضطر إلى إبقائه على رأس عمله، وكتب إلى عمر يقول: "لقد امتثلتُ أمرَ أمير المؤمنين، فأحضرتُ اليهوديَّ، وعقدتُ مجلسًا جمعتُ فيه كلَّ العمَّال والمتصرفين في ديار العرب والعجم، فلم يكن في العرب مَن له دراية بأحوال العجم وشؤونهم، أمَّا عمَّال العجم، فتبيَّن لي بعد استقراء أنْ ليس فيهم مَن له كفاية اليهودي ومهارته في المعاملة، وحُسن تصرُّفه وإدارته ومعرفته الناس، لقد اضطررتُ إلى إبقائه في عمله؛ حتى لا يتسرَّب الخلَل إلى شتَّى أنواع المعاملات، ولكي يستمرَّ تحصيلُ الأموال، وإنِّي في انتظار أمر أمير المؤمنين"، فلمَّا وصلتِ الرسالةُ إلى عمر وقرأها، تملَّكه العجب، فقال: يا للعجب! يختار غيرَ ما اخترتُ، ويرى غير ما رأيتُ! وتناول القلمَ وكتب في أعلى الرِّسالة نفسها: "مات اليهودي!"، ثمَّ أعادها إليه، ولما تسلَّم سعد الرسالة، وقرأ توقيعَ عمر في أعلاها، عزل اليهوديَّ فورًا، وعيَّن مسلمًا مكانه، وتسلَّم المسلم عمله، فتبيَّن بعد سنة أنَّ ما أُنجز على يد العامل المسلم أفضل بكثير مما أُنجز على يد اليهودي، وأنَّ شؤون العمران قد نمَتْ وازدهرَتْ، حينئذٍ قال سعد بن أبي وقاص لأمراء العرب: أنعِم بأمير المؤمنين عمر رجلًا عظيمًا، فقد كتبتُ في أمر ذلك اليهودي وشؤون الولاية رسالةً طويلة، لكنَّه أجابني بكلمتين، فكان الأمرُ كما قال، لا كما كنتُ أعتقد، ونجَّانا مما كنا فيه.







لقد تأمَّل نظام الملك هذه الحادثة، وعلَّق عليها مخاطبًا حكَّامَ زمانه والحكامَ في كلِّ عصر، فقال: "إنَّ ما عناه عمر بقوله: ماتَ اليهودي، هو هَبْ أنَّ اليهودي قد مات، وكلُّ نفس ذائقةُ الموت، فالموت بمثابة العَزْل عن العمل، واعلم أنَّ العمل يجب ألَّا يتوقَّف بموت أيِّ عامل أو عزلِه، بل ينبغي ندب رجلٍ آخر له، فَلِمَ تظل عاجزًا؟!".







وقال: "إنَّ الملك زينته العمَّال، عمَّال الخراج، وكبار الجيش، وإن على رأس كلِّ العمال والمتصرفين وزيرًا، فحين يكون الوزير سيِّئًا خائنًا، ظالمًا متطاولًا، يكون العمَّال جميعهم كذلك، بل أسوَأ، وأكثر خروجًا على القواعد والأصول المرعيَّة، وإذا ما وُجد ثمَّة عامِلٌ بارع في إدارة دفَّة الأمور، أو كاتبٌ أو مستوفٍ أو خبيرٌ في أنواع المعاملات، ممَّن لا نظير له في المملكة، من ذَوي المذاهب السيِّئة والعقائد الفاسدة؛ من مثل اليهود والنَّصارى والمجوس، وآذى المسلمين واستخفَّ بهم، لحجةٍ في العمل أو الحساب، فتجب تنحيتُه ومعاقبتُه إذا ما تظلَّموا منه واشتكوا، ولا يغرنَّك قولُ شفعائه: إنَّه لا يوجد في المملكة كلِّها كاتبٌ أو محاسب أو عامِل مثله، إن يُنَحَّ عن عمله فإنَّ أضرارًا بالغة ستلحق بالمعاملات جميعها، ولا يستطيع أحد أن يقوم بهذه المهمَّة بعده! إنَّهم يَكذبون، وينبغي ألَّا يُصغى إلى كلامهم، بل يجب استبدالُ ذلك الشخص بآخر، مثلما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.







وقد ورَد مثل هذا في كتاب عمر لأبي موسى رضي الله عنهما بشأن كاتبه النَّصراني؛ إذ كتب إليه يقول: "لا تكرِموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمَنوهم إذ خوَّنهم الله، ولا تُدنوهم إذ أقصاهم الله"، فلمَّا قال له أبو موسى: لا قوام للبَصرة إلا به!



قال عمر: "مات النَّصرانيُّ والسَّلام!"؛ يعني: هَبْ أنَّه قد مات، فما كنتَ صانعًا حينئذٍ فاصنعه الساعةَ واستعِنْ عنه بغيره"[6]، وقد ذكر أبو يعلى أنَّ الإمام أحمد سئل: أيُستعمل اليهوديُّ والنَّصراني في أعمال المسلمين مثل الخَرَاج؟ فقال: لا يُستعان بهم في شيء[7].







وهذه النصوص تؤكِّد على أنَّه يُشترطُ فيمن يمارِس الرقابةَ الماليَّة أن يكون مسلمًا؛ لأنَّها سُلطة وولاية، وليس لغير المسلم ولايةٌ على المسلم، خاصَّة وأنَّ الرقابةَ قد تصِل إلى وليِّ الأمر في الدَّولة الإسلاميَّة، فكيف نسوغ لغير المسلم مثل هذه السلطة والولاية[8]؟!



وأيضًا لأنَّ مِن شروطها الأمانة، وغير المسلم ليس بأمين[9].







لقد أكَّد نظام الملك أنَّ قول عمر: "مات اليهودي" سيظلُّ مَضرب المثَل في العرب والعجم إلى يوم الدِّين، "فأنَّى وُجد عامِلٌ يجيد مهنةَ الكتابة، وله مَهارة وخبرة في إدارة الأمور وتصريفها، لكنَّه متطاولٌ ظالمٌ خبيثُ المذهب، وأريد لهذا تنحيته، فيتصدَّى شفعاؤه ومَن يحدبون عليه قائلين: يجب ألَّا يُعزل؛ فهو كاتبٌ ممتاز، وعامِل جَلْدٌ، وليس ثمَّة مَن هو أفضل منه هو في عمله، وأمثال هذا الكلام، فما على الحاكِم إلَّا أن يقول: "مات اليهوديُّ"، فبهاتين الكلمتين تُردُّ أقوالهم كلها وتبطل، ويُعزل ذلك العامل"[10].

إنَّ كفاءة اليهودي لا تَعني إطلاقًا أن يُرفع فوق رؤوس المسلمين، وأن تكون له الولاية عليهم، وأن يَستذِلَّ صالحيهم، ويبعد أكْفاءهم، ويحقر كبراءَهم، ويستأثر هو وآلُه بخيرات المسلمين دونهم، وذلك كله قد حدَث، وأبو إسحاق يعبِّر عن ذلك في قصيدته فيقول:





فكم مسلمٍ فاضِلٍ قانتٍ

لأرذلِ قردٍ مِن المشركينْ




وما كان ذلك مِن سَعْيِهم

ولكنَّ منَّا يقومُ المُعينْ




فهلَّا اقتدى فيهمُ بالأُلى

مِن القادةِ الخِيرَةِ المتَّقينْ




وأنزلهم حيثُ يستأْهِلون

وردَّهمُ أسفلَ السَّافلينْ




وطافوا لَدينا بأَخْراجِهم

عليهم صَغارٌ وذلٌّ وهُونْ




وقَمُّوا المزابلَ عن خِرقةٍ

ملوَّنة لدِثارِ الدفينْ




ولم يَستخِفُّوا بأعلامِنا

ولم يَستطِيلوا على الصَّالحينْ














إنَّه لا ينبغي أن يَغيب عن العاقل النَّابِه حجمُ الخطَر البعيد، ولا رؤية المتخفِّي منه، ولا ألاعيب الماكِر به، إنَّه يجب أن يَنظر إلى ما وراء ذلك: ماذا بعد أن يمكَّن ليهوديٍّ في أرض؟ ثم إنَّه مَكَّن لأقربائه وأهل ملَّتِه، ثم إنَّه أذلَّ المسلمين واستأثر دونهم بكلِّ نفيس، ماذا يكون بعد؟!



ذلك كله بأموال المسلمين وخيراتهم، لم يأتِ ذلك اليهوديُّ ولا آله بشيء من عندهم أو بجهدهم!
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.73 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]