عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 15-03-2020, 04:48 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مراعاة أحوال المدعوين النفسية (جوانب نفسية في الدعوة)

مراعاة أحوال المدعوين النفسية (جوانب نفسية في الدعوة)



د. هند بنت مصطفى شريفي




فيعرف غريزة الفخر عند أبي سفيان رضي الله عنه، فيقول: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)[28].



ويلاحظ غريزة حب المال، فيشبعها بالعطاء الجزيل، ثم يعمل على توجيهها فيقول لحكيم بن حزام رضي الله عنه لما أكثر سؤاله، وأعطاه مرة بعد المرة( يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى))[29].




ويرى من عبد الرحمن بن سَمُرة رضي الله عنه - وهو من مسلمة الفتح- رغبة في تولي الإمارة، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فبين له تكاليفها، وبين له السر في التوفيق والنجاح فيها فقال( يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أعطيت من غير مسألة أعنت عليها))[30].



كما يقدر النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحابه بشر تعتريهم أحوال ضعف، وتطوف بعقولهم أهواء، وتحوم حول نفوسهم شهوات، فيأخذهم بالرفق[31]، ويتفهم دوافعهم، التي أوقعتهم في المزالق والأخطاء، كموقفه من حاطب رضي الله عنه، وتجاوزه عن خالد بن الوليد رضي الله عنه مع التبرؤ من خطأه ودفع الدية.



والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا التعامل يلاحظ الغرائز كلها، فلا يهمشها أو يهملها بل يرعاها، فلا يوصم من تلبس بشيء منها بالعيب والنقص والتجريح، بل يهذبها ويوجهها للخير، لأن نفوس الناس مفطورة على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، وهذا باب واسع من الأبواب التي يلج منها الدعاة إلى قلوب المدعوين.



6-رعاية المشاعر والأحاسيس الإنسانية والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى جرحها أو إثارتها، خاصة عند أصحاب النفوس الموتورة، فالداعية قد يترك أمرا لا ضرر في تركه ولا إثم، محافظة على سلامة مشاعر المدعوين، واتقاءً للفتنة، وذلك حين يجد قوما استقر مجتمعهم وعاداتهم على أمور لا تخالف الإسلام، ولكن فعل غير هذه الأمور أفضل، فيترك فعل الأفضل إذا علم أن ذلك قد يؤدي إلى فتنة.



وخير شاهد على ذلك إبقاء الكعبة على بنائها الذي كانت عليه، مع رغبته صلى الله عليه وسلم في إكمال ما نقص من بنائها، وذلك اجتنابا لفتنة قوم كانوا حديثي عهد بجاهلية[32]، فقد روي في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها( لولا حداثة قومك بالكفر، لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإن قريشا استقصرت بناءه، وجعلت له خَلْفاً[33]))[34]، وفي رواية(( ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض)). وبزيادة عند الإمام مسلم(( ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض، شرقياً وغربياً، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟)) قالت: لا. قال: (( تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها، يدعونه يرتقي، حتى إذا كان أن يدخل دفعوه فسقط)).



فمراعاته صلى الله عليه وسلم هذا الجانب المهم في نفوس القوم، كان حقيقاً أن يؤدي إلى مصلحة عظيمة، لا تقارن بالمفسدة المرتقبة حال قيامه بتعديل بناء الكعبة[35].



ويظهر كذلك حرصه على مشاعر أهل مكة، بالإبقاء على كنز الكعبة مكانه رغم حاجته إلى إنفاقه[36]، فقد روى الإمام مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال( لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية- أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة[37] في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض))[38].



وهذا ما نصح به شيبة العبدري عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقد روى شيبة محدثاً أحد الصحابة قال: جلس إلي عمر مجلسك هذا، فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء[39] إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هما المرآن يقتدى بهما)[40].




[1] سنن أبي داود كتاب الأدب باب في شكر المعروف 4/ 255 ح 4811، وسنن الترمذي كتاب البر والصلة باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك 4/ 339 ح 1954، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والأدب المفرد: الإمام البخاري باب من لم يشكر الناس رقم 218.
[2]سبق تخريجه ص 109، والرواية في صحيح البخاري كتاب المغازي باب فضل من شهد بدرا 5/ 10.
[3] سبق تخريجه ص 139.
[4] بتصرف، حكم وأحكام من السيرة النبوية ص 168. وانظر القيم الخلقية في غزوات لنبي صلى الله عليه وسلم ص 179.
[5] سبق تخريجه 125.
[6]صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان 5/ 104.
[7] سورة التوبة آية 6.
[8] بتصرف، تفسير الكشاف 2/ 175.
[9] بتصرف، د. حسن جاد: (البلاغة النبوية وأثرها في النفوس)، ص 158 بحث ضم بحوث مجلة البحوث الإسلامية رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد العدد الأول 1400هـ.
[10] بتصرف، الآثار التشريعية في فتح مكة 2/ 547.
[11] انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/ 22.
[12] سبق تخريجه ص 143.
[13] سبق تخريجه ص 139.
[14] انظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: ابن هشام 4/ 38.
[15] بتصرف، علم نفس الدعوة: د. محمد زين هادي ص 275.
[16] بتصرف من المرجع السابق ص 280.
[17] سبق تخريجه ص 138.
[18] سورة التوبة الآيتان 14-15.
[19] بتصرف، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 10/ 90، وروى الحافظ ابن أبي شيبة في مصنفه أن نزول هذه الآية كان يوم الفتح 14/ 485 ح 18748.
[20] هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي، حافظ عالم باللغة والسير، ولد في مالقة سنة 508هـ، وعمي وعمره 17 سنة، ونبغ فاتصل به صاحب مراكش فطلبه وأكرمه، فأقام يصنف بها كتبه إلى أن توفي بها رحمه الله سنة 581هـ، وهو صاحب الروض الأنف في السيرة. بتصرف، تذكرة الحفاظ 4/ 1348، و الأعلام 3/ 313.
[21] التعريف والإعلام فيما أبهم من الأسماء والعلام في القرآن الكريم: الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي ص 69، تحقيق: عبد. أ. مهنا، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط:1، 1407هـ 1987م.
[22] سبق تخريجه ص 146.
[23] سبق تخريجه ص 211، و ص 547.
[24] بتصرف، منهاج السنة النبوية 2/ 280.
[25] الإصابة 3/ 558.
[26] سبق تخريجه ص 312.
[27] بتصرف، الدعوة الإسلامية، أصولها ووسائلها ص 428.
[28] سبق تخريجه ص 117.
[29] سبق تخريجه ص 306، واللفظ عند الإمام مسلم كتاب الزكاة باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة 2/ 717.
[30] سبق تخريجه ص 386.
[31] بتصرف، الدعوة إلى الله تعالى على ضوء الكتاب والسنة: حسن مسعود طوير، ص 145، دار قتيبة للطباعة والنشر، بيروت - دمشق، ط:1، 1413هـ 1992م.
[32] بتصرف، مقومات الداعية الناجح ص 78-79.
[33] يعني: (باباً آخر من خلف يقابل الباب المقدم). فتح الباري 3/ 444 ح 1585.
[34] صحيح البخاري كتاب الحج باب فضل الكعبة وبنيانها 2/ 156 واللفظ له، وصحيح مسلم كتاب الحج باب نقض الكعبة وبناءها 2/ 972- 973 ح 1333، وموطأ الإمام مالك باب ما جاء في بناء الكعبة- تنوير الحوالك- 1/ 332.
[35] وقد ذكر الحافظ ابن حجر عددا من الفوائد في شرحه للحديث منها: ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس-وهذا من تراجم الإمام البخاري في كتاب العلم-، وفيه اجتناب ولي الأمر ما يسرع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع مفسدة وجلب مصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة، وغير ذلك. بتصرف، فتح الباري 3/ 448 ح 1583.
[36] ويدل على ذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه: أن شيبة قال لعمر رضي الله عنهما: ( لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه) كتاب المناسك باب في مال الكعبة 2/ 215 ح 2031، قال ابن بطال: أراد عمر لكثرته إنفاقه في منافع المسلمين، ثم لما ذكر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض له أمسك، وإنما تركا ذلك -والله أعلم- لأن ما جعل في الكعبة وسُبِّل لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم الإسلام وترهيب العدو. وعقب على قول ابن بطال العلامة محمد العظيم آبادي: بأن هذا التعليل ليس بظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تركه صلى الله عليه وسلم لذلك رعاية لقلوب قريش، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ويؤيده ما وقع عند مسلم. انظر الحديث التالي. بتصرف، عون المعبود 6/ 10.
[37] أراد الكنز الذي بها وليس حليتها، وكنزها هو ما كان يهدى إليها، فيدخر ما يزيد عن الحاجة. انظر فتح الباري 3/ 456 ح 1594.
[38] سبق تخريجه ص 285، واللفظ عند الإمام مسلم.
[39] أي الذهب والفضة، فتح الباري 3/ 456 ح 1594.
[40] صحيح البخاري كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم 8/ 139.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.71 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.14%)]