عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 13-03-2020, 01:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (1)

التربية الاجتماعية للأطفال في ضوء الكتاب والسنة (4)
تعامل الطفل مع النقود




عصام حسانين

في هذا المقال نتناول أساساً مهماً يربط الطفل بالمجتمع الذي حوله، ألا وهو: تعامله مع النقود، فلا يخفى على كل إنسان أن النقود قوام الحياة؛ فبها يتحصل الإنسان علي حاجاته، ولابد أن يكون اكتسابها من حلال، وإنفاقها باعتدال في حلال؛ ولهذه الأهمية لابد أن يتربى الطفل التربية الصحيحة للتعامل المعتدل مع النقود اكتساباً وإنفاقاً، وهذا يحتاج إلى جهد من الوالدين عظيم، ولا يُستكثر ذلك في الطريق إلى الولد الصالح؛ لأن من عرف شرف ما يطلب؛ هان عليه ما يبذل.

يتعرف الطفل على النقود في سن مبكرة - الرابعةِ مثلاً -، عندما يرى أمه تشتري السلع والحاجيات من السوق بالنقود، وأبوه يتحدث مع أمه عن النقود التي تخصص لميزانية البيت، وأخوه الأكبر - مثلاً - يُوَجَّه في شراء حاجياتٍ للبيت بالنقود ونحو ذلك؛ فالنقود مقابل عمل، والنقود لقضاء أغراض خاصة، لذلك ينبغي أن يعطى من المال - بقدر محدد -ما يُشترى له ما يحبه، وأن يعوّد أن يطلب المال بإذن، وأن يكون في حدود المتاح.

ألا يأخذ نقودًا من أحد

كما يعوّد ألا يأخذ نقودًا من أحد إلا بموافقة أبيه أو أمه، وما يعطاه من جَد، أوعمّ، أو قريب، ينبغي أن ينفق عليه، والأنسب في ذلك أن يُعلّم الادخار لشراء شيء محبب له بتخصيص (حصَّالة) يُودِع فيها ما يُعْطاه من النقود التي تزيد على حاجته.

استثمار المدَّخرات

كما ينبغي للطفل أن يعوَّد على استثمار المدَّخرات بالطرائق السليمة، كنفقة على حاجاته، وصدقة على الفقراء والمساكين، ويقوم بإعطائها لهم بنفسه، وهذا يجعل في قلبه الرحمة والشفقة على ضعفاء المسلمين.

الاستخدام الصحيح للنقود

وينبغي له أن يُعوّد الاستخدام الصحيح للنقود في حدود إمكانات الأسرة، وأن يحمد الله دائماً على نعمه، وأن ينظر في أمور الدنيا إلى الأقل منه، وأن يرى بعينيه مَن لا مأوى له، ومن يسكن الأكواخ، ونحو ذلك، ويجعله يتصدق عليهم، بذلك يقوى عنده خلق القناعة بما آتاهم الله من فضله، وينمو عنده خلق الرحمة والشفقة على ضعفاء المسلمين.

ألا يأخذ نقوداً يجدها في المنزل

وأن يُعلّم - بالممارسة - ألا يأخذ نقوداً يجدها في المنزل؛ لأنها ليست من حقِّه، ولأنها مخصصة لأغراض أخرى، وأن يقول: وجدت هذا، ويكافأ على ذلك ويُشجع، مع الإشباع في حدود المستطاع، وأن تكون النقود في متناول اليد، ويقال له: إن احتجت شيئاً؛ فقل: إنى أريد كذا، وقد يُختبر بإلقاء نقود في طريقه؛ ليُنظر ماذا يفعل ؟ ولو أتى بها كوفئ على ذلك مكافأة عظيمة، ويقال له: لأنك أمين !، خذها لك، وإن لم يأتِ بها نُبّه، وعُلّم أنه إذا وجد نقوداً في البيت أتى بها لأبيه أو أمه، وهو بذلك يكون أمينا يحبه الله -تعالى-، وسيُكافأ على ذلك مكافأة كبيرة ( شيء يحبه).

تعويده الشراء

ويُعوّد إذا بلغ سناً يعي فيه معنى الشراء أن يشتري ما يريده لنفسه من حلواء ونحوه، وما يريده البيت أيضاً، ويُستحب أن يكون هذا بالمران والتدريب من أبيه أو أخيه الكبير يُريه كيف يشتري ما ينفعه، وكيف لا يُغبن في شرائه، وحتى يكتسب الثقة والجرأة في التعامل الاجتماعي بعيداً عن الانطوائية، ويتعلم تحمُّل مسؤولية السعي على رزقه فيما بعد.

التعامل مع المجتمع

وليعلم الأبوان أن ابنهما هذا سيتعامل مع المجتمع شاءا أم أبيا؛ فلا داعي للخوف الزائد، وهذا نأخذه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ فعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ -وَالتَّصْغِيرُ لِلتَّدْلِيلِ- أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟!». قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟! رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

تعويد الطفل خدمة نفسه

وينبغي للوالدين تعويد الطفل خدمة نفسه وخدمة والديه؛ بأن يعوّد تنظيم غرفته وفراشه، وإتيانه بكوب الماء لنفسه مثلاً إن احتاج، ونحو ذلك مما يُكسبه النشاط والبذل، وخدمة نفسه، وألا يكون عالة على غيره، وإن نجح الوالدان في تعويد ولدهما على ذلك؛ فقد أسسا فيه أسساً اجتماعية مهمة تنفعه فيما بعد، ولا يخفى ما في إهمال ذلك بالتدليل الزائد من مفاسد هي ضد منافع اعتماده على نفسه، وينبغي أن يكون أسلوب هذا التعويد هو بالحزم والرفق مع المتابعة، وهذا أيضاً نأخذه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ فعندما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم- إلي المدينة جاءت أم سليم - رضي الله عنها- بابنها أنس - وهو ابن عشر سنين- قالت: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته». رواه مسلم، وقال أنس - رضي الله عنه -: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين «والله ما قال لي: أفّا قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟» زاد أبو الربيع: «ليس مما يصنعه الخادم». رواه مسلم.

مرحلة الروضة

فإن ذهب الطفل إلى الروضة، ووجد أطفالاً ينفقون أموالاً على حاجاتهم أكثر منه، فلا يجد غضاضة في نفسه من ذلك، ولابد وأن يكون معه نقود - بقدر محدد - ينفق منها باعتدال على حاجته، وبذلك نَقيه من الانحراف المالي والنفسي؛ ومن الأهمية التربوية بمكان: المتابعة لما يأتي به من الروضة أو المدرسة بالنظر في حقيبته، وإذا وُجد شيء ليس من حاجياته سُئل: من أين؟ إن قال: وجدته في الفصل.

قيل له: أعطه لمدرس الفصل لينظر مالكه.

وإن قال: وجدتها في فناء المدرسة، يؤمر بإعطائه لمدير المدرسة أو الأخصائى الاجتماعي.

وإن قال: أعطانيه زميل لي.

يقال له: لا تقبل من أحد شيئاً إلا إذا كنت في حاجة له؛ فتستعمله ثم ترده، وكذلك إذا طلب زميلك إليك شيئاً ليس معه فأعطه، حتى يتعلم أن يُعطي كما يحتاج أن يأخذ، وهذا كله صيانة للطفل من الانحراف المالي.

و أذكر حديثاً دار بين مجموعة من المثقفين حول الفرْق بين التربية قديماً وحديثاً؛ فقال أحدهم - رحمه الله -: كانت أمهاتنا لا يعرفن القراءة والكتابة، وخرّجن مدرسين وأطباء ومهندسين، والآن الأمهات خريجات الجامعات، لكن فشلت منهن الكثيرات فيما نجحت فيه الأُوليات.

كانت أمي إذا رجعتُ من المدرسة تُمسك بالحقيبة وتُخرج ما فيها جميعا؛ فإن وجدت شيئاً ليس لي، قالت: من أين ؟.

وتنظر في الكراسات: فإن وجدت علامة (x) تقول: لماذا هذا خطأ ؟، نعم، إنها المتابعة الدقيقة التي تؤصل عند الطفل قواعد الأمانة، والقناعة، وعدم التعرض لممتلكات الآخرين، والأخذ بأسباب التفوق الدراسي، والحرص على ما ينفعه.

علمي طفلك أساسيات التعامل بالنقود بأساليب مفيدة

يشكو الكثير من الآباء والأمهات من عدم إدراك أبنائهم لقيمة النقود، ولا يدركون أن الوعي المالي من الأمور التي تنمو مع الإنسان منذ الصغر.

علّميه التفرقة بين ما يحتاجه وما يريده

يعاني الكبار أحيانًا من الارتباك في اتخاذ القرارات المادية لعدم قدرتهم على التفرقة بين الضرورات أو ما يحتاجونه والرفاهيات أو ما يريدونه، فما بالنا بالأطفال الصغار؟ وهنا تأتي ضرورة تعليمه الفرق بين ما يحتاجه وما يريده لينجح في السيطرة على ميزانيته ويتعوّد على الادّخار.

كوني قدوة حسنة له

شاركي طفلك دائمًا أسباب اتخاذ قرارات مادية بعينها دون غيرها، وأسباب شرائك لبعض الحاجات وتأجيلك لبعضها الآخر، وتصرفي بحكمة دائمًا؛ فالأطفال أذكياء، ويتعلمون بالمراقبة أكثر من الكلام المباشر.

امنحيه الفرصة لكسب بعض النقود

يحتاج الطفل لتعلم ربط اكتساب النقود ببذل الوقت والجهد بوصفه تمهيدا لفكرة العمل؛ فامنحيه بعض المهام البسيطة بمقابل مادي بسيط بعيدًا عن المهام اليومية المخصصة له من أعمال المنزل، ويختلف الأمر بالطبع بحسب المراحل العمرية المختلفة للطفل؛ حيث يختلف إدراكه بحسب طبيعة سنة.

التعذر بالقيم بدل الكذب

عندما يطلب الطفل الحصول على شيء لا ترغب بشرائه له؛ اربط السبب بالقيم بدلاً من استخدام الكذبة التقليدية المعهودة «لا نملك المال الكافي الآن«، أو: «لا أستطيع شراءها لك»؛ لأنه عندما يراك تشتري أي شيء بعد هذا الموقف، سيفقد الثقة بك، ولن يصدق هذا المسوّغ مرة أخرى!، بدلاً من ذلك، اربط قرارات الصرف بقيمك وأولوياتك، فمثلاً، قل لطفلك: «لا أعتقد أن هذه الحلوى المليئة بالسكر تستحق أن ندفع عليها هذا المبلغ من المال، كما أن طبيب الأسنان نصحنا بتجنب هذا النوع من الحلويات السكرية؛ لأنه يؤذي أسناننا».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.71%)]