عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 13-03-2020, 05:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,806
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الترخُّص بمسائل الخلاف، ضوابطه وأقوال العلماء فيه

الترخُّص بمسائل الخلاف، ضوابطه وأقوال العلماء فيه
د. خالد العروسي

المبحث السابع: قاعدة مراعاة الخلاف
وتسمى أيضاً قاعدة: "الخروج من الخلاف" وصلتها بهذا البحث ما ذكره الشاطبي، أن هذه القاعدة أشكلت على طائفة من المالكية، منهم ابن عبد البرِّ، وذلك لأن قولنا: "الخلاف لا يكون حجة" يتناقض مع هذه القاعدة، لأن دليلي القولين لابد أن يكونا متعارضين، كل واحد منهما نقيض ما يقتضيه الآخر. ومراعاة الخلاف، يعني إعطاء كل واحد منهما ما يقتضيه الآخر، أو بعض ما يقتضيه، وهذا تناقض(123).

وهذا الإشكال وقع فيه بعض الأئمة من غير المالكية كابن أبي هريرة من الشافعية، وبعض الحنابلة(124)، وسببه أنهم أطلقوا هذه القاعدة من عقالها، وطردوها في كل خلاف، بحيث إذا وقع خلاف فالخروج منه أفضل من التورط فيه مطلقاً.

وليس الأمر كذلك، فالقاعدة لها ضابط، وهو أن يكون دليل المخالف قوياً بحيث لا يبعد قوله كل البعد فحينئذ يستحب الخروج من الخلاف، حذراً من كون الصواب مع الخصم، لاسيما إذا قلنا بأن مدعى الإصابة لا يقطع بخطأ مخالفه، ومثاله: المضمضة والاستنشاق، فهما فرضان عند الحنفية والحنابلة(125)، والتسمية في الوضوء، واجبة عند الحنابلة(126)، فينبغي الخروج من الخلاف بفعلها.

أما إذا كان مأخذ المخالف واهناً، بعيداً عن الصواب، فلا ينظر إليه، ولا يعوَّل عليه، ومثاله ما ذكره ابن رجب: "فيما ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة ليس لها معارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تيقن الطهارة، وشك في الحديث، فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً"(127) ولاسيما إن كان شكه في الصلاة، فإنه لا يجوز له قطعها لصحة النهي عنه"(128).

وهذا التفصيل المذكور هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره فإنه قال: "يحدُّ من شرب النبيذ متأولاً، ولو رفع إلى الإمام من طلّق البتة، ثم راجعها متأولاً أن طلاق البتة واحدة، والإمام يرى أنها ثلاث لا تفرق بينهما، وقال: هذا غير ذاك، أمره بيِّن في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ش، ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيح، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر حرام"(129) فهذا بيِّن وطلاق البتة إنما هو شيء اختلف الناس فيه"(130).

ونصّ الشافعي في "سير الواقدي" - وهو من كتب "الأم" -: "فإذا قُدِّم المرتد ليُقتل، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقتله بعض الولاة، فالذين لا يرون أن يستتاب المرتد فعلى قاتله الكفارة والدية، ولولا الشبهة لكان عليه القود وقد خالفنا في هذا بعض الناس"(131).

والرافعي(132) رحمه الله ردّ على من اعترض على إيجاب الحدِّ على شارب النبيذ وهو مختلف عليه وعدم إيجابه على من وطئ امرأة في النكاح بلا ولي لشبهة الاختلاف فقال: "أدلة تحريم النبيذ أظهر وأيضاً فإن الطبع يدعو إليه، فيحتاج إلى الزجر، ولهذا نوجبه على من يعتقد إباحته أيضاً، وهنا بخلافه"(133).

أما ما ذكره الشاطبي من استشكال المالكية. فقد رد عليهم القرطبي المالكي(134) قائلاً: "لذلك راعى مالك الخلاف، وتوهم بعض أصحابه أنه يراعي صورة الخلاف، وهو جهل، أو عدم إنصاف. وكيف هذا وهو لم يراع كل خلاف وإنما راعى خلافاً لشدة قوته"(135).

المبحث الثامن: ضوابط العمل بمسائل الخلاف
من تصدّى للإفتاء فليعلم أن الله تعالى أمره أن يحكم بما أنزل من الحق فيجتهد في طلبه، ونهاه عن أن يخالفه وينحرف عنه {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] فهو مخبر عن الله تعالى، ناقل عنه حكمة ولهذا جعل العلماء للإفتاء والعمل بمسائل الخلاف ضوابط شرعية حتى يكون سائغاً، وهذه الضوابط بعضها ينتهي إلى الوجوب والفرض، وأخرى تعود لدين العالم وإنصافه، ولا تعدوا أن تكون آداباً يتحلى بها المفتي في مواضع النزاع. وفي هذا المبحث جمعت ما استطعت جمعه من هذه الضوابط، إما من صريح أقوال الأئمة، أو من لوازمها، أو آداباً ذكروها في مسالة "آداب المفتي"، لكني أحسبها نافعة كل النفع في ضبط العمل بمسائل الخلاف، وإليكها بالتفصيل:

أولاً: وزن كل مسألة شرعية خلافية بميزان الشريعة، وردها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، امتثالاً لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ذلك خير وأحسن تأويلاً} [النساء: 59] والمعنى: رد النزاع والخصام إلى الكتاب والسنة، وهو قول جمهور لمفسرين(136)، ولو كان لأحد من الأئمة العصمة لأوجب رد ما تنازعوا فيه إليه، كما أوجب طاعتهم في صد الآية في قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].

واعلم علم اليقين أن هذا الضابط لا يخفى على مبتدئ في الطلب، فضلاً عن العلماء، ولكني أذكره تذكيراً لأن الالتزام به عسير إلا لمن يسره الله تعالى عليه، فنوازع النفوس، وحب الغلبة والظهور، والتعصب للآراء والمذاهب، كلها أدواء تجعل بينها وبين الحق حاجزاً، ورحم الله الشافعي إذ يقول: "ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته"(137).

ثانياً: أن لا يخالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض، فلا يجوز الإفتاء به، ولا نقله للناس بل لو قضى القاضي على خلاف هذه المسائل الأربعة لجاز نقضه فإذا كنا لا نقر حكماً قضى به القاضي، فمن باب أولى أن لا نقره إذا لم يقض به. ولا يعرى مذهب من المذاهب عن هذه المخالفة لكنه قد يقل ويكثر، والأئمة معذورون، مغفور لهم خطؤهم(138).

فإذا لم نُجز نقل أقوالهم والإفتاء بها مع علو مكانتهم وسعة علمهم، فمَن دونهم أولى بالتحريم، وأحرى بالإنكار، لاسيما بعد أن دونت المذاهب، وانتشرت الأقوال، وضبطت الأدلة.

وهذا الضابط هو أكثر الضوابط التي يقع فيها الخُلْف من بعض العلماء والدعاة، فكم من مسألة استقرّ العمل بها واستبان الحق فيها، بل وأجمعت الأمة عليها، ثم يغالطون هذا كله بالمخالفة بحجة أن الخلاف لا إنكار فيه.

لا. بل الإنكار هو المتعين، وبيان الحق هو الواجب وتختلف درجات الإنكار باختلاف الأشخاص والأحوال، فإهمال هذا الضابط يفضي إلى تمييع النصوص والاستهانة بالشرع، وفيه ما فيه على ما مرّ بك سابقاً.

ثالثاً: الحذر ثم الحذر من الأغلوطات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم(139)، يقول الخطابي: "هي المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيها، فيهيج بذلك شر وفتنة"(140)، فكم من فتوى ظاهرها جميل وباطنها مكرٌ وخداع وظلم، فيسألون عن مسائل خلافية لا لمعرفة الحق، بل لضرب الفتاوى بعضها ببعض، وإظهار العلماء على أنهم فريقان، فريق متشدد متنطع، وآخر سهل لين. وقد تكون الأغلوطة في اختيار وقت الفتوى، فيلقيها على المفتي وهو يعلم ما ستحدثه من ضغائن وأحقاد. ولا تتعجب فهؤلاء يخبؤن فتواهم لهذه الأغراض، وقد رزئت هذه الأمة منذ القدم بأمثالهم، يقول مالك: "قال رجل للشعبي(141): إني خبأت لك مسائل فقال: خبئها لإبليس حتى تلقاه فتسأله عنها"(142)، وإذا كان الأمر كذلك، كان الاحتياط والاحتراز هو المتعين، يقول ابن القيم: "ينبغي له - أي للمفتي - أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم"(143).

رابعاً: وهذا الضابط يعود إلى دين المفتي وإنصافه، وهو مراعاة مذاهب الدول والبلدان، وما استقر فيها من عمل، إذا كان من الاجتهاد السائغ، فلا يصح أن يأتي من هو خارج عنهم فيشغب على أهلها وعلمائها، بفتاوى تثير البلبلة والتشويش، فعلماء البلد أعلم بأحوال أهلها، وأعرف بما ينفعهم ويضرهم، واستمع إلى ما نقله ابن تيمية في "المسودة": "حكى عن القاضي أبي يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد فسأله عن بلده فأخبره، فقال: إن أهل بلدك كلهم يقرأون مذهب الشافعي، فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت، فقال له: إن هذا لا يصلح، فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد، وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي، لم تجد أحداً يعبد معك، ولا يدارسك وكنت خليقاً أن تثير خصومة ونزاعاً، بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى، ودلّه على الشيخ أبي إسحاق وذهب به إليه، فقال: سمعاً وطاعة، أقدمه على الفقهاء"(144)، وسياق القصة يغني عن أي تعليق.

خامساً: إذا كان المختلفون في بلد واحد وتحت ظلِّ إمام واحد، فإن الخلاف يرتفع بحكم الحاكم، ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الإمام وهذا هو مذهب الجمهور(145)، واستدلوا بحديث: "أن ابن مسعود صلى أربعاً في منى مع عثمان، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً فقال: الخلاف شر"(146).

وأيضاً ما روي عن أبي موسى(147): "أنه كان يفتي بالمتعة فقال رجل لأبي موسى: رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس: من كنا قد أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك له، فقال: أن تأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى قال: {وأتموا الحج والعمرة للهش [البقرة: 196] وأن تأخذ بسنة رسول الله ش، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي"(148)، قال ابن هبيرة(149): "يتعين على العالم إذا كان يفتي بما كان الإمام على خلافه مما يسوغ فيه الاجتهاد في مثل هذه المسألة وذلك الموطن أن يترك ما كان عليه ويصير إلى ما عليه الإمام"(150). وقد ذكر القرافي(151) - رحمه الله - أنه لولا هذا، الضابط لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات، ودام التنازع والعناد، وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام. ثم إن الحاكم هو نائب لله تعالى، فهو مخبر عن الله بهذا الحكم الذي قضى به، وقد جعل الله له أن ما حكم به فهو حكمه، فهو كالنص الوارد من قبل الله تعالى في تلك الواقعة(152).

سادساً: وهذا القيد مبني على قاعدة أصولية وهي: "تجزؤ الاجتهاد" أو ما نسميه في عصرنا هذا: "التخصّص"، فجمهور الأصوليين على أن الاجتهاد ليس أمراً واحداً لا يقبل التجزئ والانقسام، بل قد يكون مجتهداً، أو متخصصاً في فن أو باب أو مسألة، دون فن أو باب أو مسألة(153)، وإذا كان الأمر كذلك، كان على المفتي أن يراعي الفتاوى التي تصدر عن أهل الاختصاص، فلا يسارع إلى المعارضة والتشغيب، لاسيما إذا صدرت هذه الفتاوى من هيئات علمية عُرف حسن قصدها، وإخلاص علمائها، والغالب على هذه الهيئات أنها لا تصدر فتوى إلا بعد عرضها على من له صلة بها، كالأطباء إن كانت الفتوى تتعلق بمسألة طبية، أو الاقتصاديين إن كانت تتعلق بمسألة مالية.

سابعاً: أن المفتي إذا أتى شيئاً مما يظنه الناس شبهة وهو عنده حلال في نفس الأمر، فمن كمال دينه وحسن إنصافه أن يتركه، استبراءً لعرضه لحديث "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" وروى أن أنساً(154) رضي الله عنه خرج إلى الجمعة فرأى الناس قد صلوا ورجعوا فاستحيا ودخل موضعاً لا يراه الناس فيه وقال: "من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله"(155).

وإذا لم يكن تركاً وبعداً، فليكن إمساكاً عن الإفتاء به، ونقله عن الأئمة، لاسيما إذا كانت المسألة من المستقبحات؛ لهذا يقول الإمام أحمد: "من أراد أن يشرب النبيذ فليشربه لوحده"(156) وكان رحمه الله يكره أن يحكي عن الكوفيين والمدنيين والمالكيين المسائل المستقبحة، مثل مسالة النبيذ، والصرف، والمتعة، وفحاش النساء.

ثامناً: أن ينظر المفتي إلى قواعد الشريعة ومقاصدها، وأثر فتواه على هذه القواعد والمقاصد، ومن ذلك ما حكي عن الشيخ ابن عبد السلام حين سئل: لماذا أجزنا أن يصلي الشافعي خلف المالكي وإن خالفه في بعض الفروع كمسح الرأس، ولا نجيز للمختلفين في جهة الكعبة أن يقلدوا واحد منهم الآخر؟ فأجاب: "الجماعة في الصلاة مطلوبة لصاحب الشرع، فلو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في المذهب وأن لا يصلي المالكي إلا خلف المالكي، ولا شافعي إلا خلف شافعي لقلَّت الجماعات، وإذا منعنا ذلك في القبلة ونحوها لم يخلّ ذلك بالجماعات كبير خلل لندرة وقوع مثل هذه المسائل، وكثرة وقوع الخلاف في مسائل الفروع"(157).

ولله درُّ الشيخ، فهذا هو الفقه، فمن أعظم مقاصد الشريعة، تأليف القلوب، وجمع الكلمة، وتوحيد الصفوف والفقيه عليه أن يراعي هذه المقاصد في فتاواه ما استطاع من مراعاة، ييسر إذا اقتضى المقام التيسير، ويشدِّد إذا اقتضى الحال التشديد وينظر إلى أثر هذه الفتوى على هذه المقاصد.
هذا ما تيسّر جمعه في هذا المبحث، وهو آخرها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وللموضوع تتمة
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.65%)]