وقوله تعالى: ï´؟ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ï´¾ أي يبيعها؛ لأن "شرى" بمعنى باع، كقوله تعالى: {وشروه بثمن بخس} [يوسف: 20] أي باعوه بثمن بخس؛ أما ï´؟ اشْتَرَى ï´¾ فهي بمعنى ابتاع؛ فإذا جاءت التاء فهي للمشتري الآخذ؛ وإذا حذفت التاء فهي للبائع المعطي؛ وï´؟ نَفْسَهُ ï´¾ يعني ذاته.
قوله تعالى: ï´؟ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ï´¾ أي طلباً لمرضات الله؛ فهي مفعول لأجله؛ وï´؟ مَرْضَاتِ اللَّهِ ï´¾ أي رضوانه أي يبيع نفسه في طلب رضا الله عزّ وجلّ -؛ فيكون قد باع نفسه مخلصاً لله في هذا البيع.
قوله تعالى: ï´؟ واللَّهُ رَءُوفٌ ï´¾ أي ذو رأفة؛ و"الرأفة" قال العلماء: هي أرق الرحمة، وألطفها؛ وï´؟ بِالْعِبَادِ ï´¾ أي جميعهم. اهـ [21]
وزاد أبو جعفر الطبري في بيان معنى قوله تعالى ï´؟ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ï´¾ فقال - رحمه الله -: فمعنى ذلك: والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته.اهـ[22]
ï´؟ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ï´¾ (208)
إعراب مفردات الآية[23]
(يا) أداة نداء (أيّ) منادى نكرة مقصودة مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب و(ها) حرف تنبيه لا محلّ له (الذين) بدل من أيّ في محلّ نصب (آمنوا) فعل ماض.. والواو فاعل (ادخلوا) فعل أمر مبنيّ على حذف حرف العلّة.. والواو فاعل (في السلم) جارّ ومجرور متعلّق بـ(ادخلوا)، (كافّة) حال من الضمير في (ادخلوا)، أو حال من السلم أي من جميع وجوهه وشرائعه (الواو) عاطفة (لا) ناهية جازمة (تتّبعوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون.. والواو فاعل (خطوات) مفعول به منصوب وعلامة النصب الكسرة عوضا من الفتحة فهو جمع مؤنّث سالم (الشيطان) مضاف إليه مجرور (إنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد و(الهاء) ضمير في محلّ نصب اسم إن (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من عدوّ- صفة تقدّمت على الموصوف- (عدوّ) خبر مرفوع (مبين) نعت لعدوّ مرفوع مثله.
روائع البيان والتفسير
ï´؟ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ï´¾- قال ابن كثير مبيناً أقوال السلف في تفسيرها - رحمه الله -: يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدّقين برسوله: أنْ يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.
قال العوفي، عن ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، والضحاك، وعكرمة، وقتادة، والسُّدّي، وابن زيد، في قوله: ï´؟ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ï´¾ يعني: الإسلام.
وقال الضحاك، عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيعُ بن أنس: ï´؟ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ï´¾ يعني: الطاعة. وقال قتادة أيضًا: الموادعة.
وقوله: ï´؟ كَافَّةً ï´¾ قال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والربيع، والسّدي، ومقاتل بن حَيَّان، وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.اهـ[24]
ï´؟ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ï´¾- فسرها ابن عثيمين إجمالاً فقال - رحمه الله -:
قوله تعالى: ï´؟ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ï´¾؛ نهي بعد أمر؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة؛ وï´؟ خُطُوَاتِ ï´¾ جمع خُطوة؛ و"الخطوةط في الأصل هي ما بين القدمين عند مدِّهما في المشي.
قوله تعالى: ï´؟ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ï´¾: الجملة تعليلية مؤكدة بـ"إن"؛ فتفيد شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ والعدو من يبتغي لك السوء؛ وهو ضد الوليّ؛ وï´؟ مُّبِينٌ ï´¾ أي بيِّن العداوة؛ ويجوز أن تكون بمعنى مظهر للعداوة؛ لأن "أبان" الرباعية تصلح للمعنيين؛ ولا شك أن الشيطان بيِّن العداوة؛ ومظهر لعداوته؛ ألا ترى إلى إبائه السجود لأبينا آدم مع أن الله أمره به في جملة الملائكة.
ثم زاد - رحمه الله – في تفسيره عن قوله تعالى ï´؟ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ï´¾ بياناً شافيا فقال: لقوله تعالى: ï´؟ ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ï´¾؛ والمعنى: أن لا نتبع الشيطان في سيره؛ لأن الله بين في آية أخرى أن الشيطان يأمر بالفحشاء، والمنكر؛ وما كان كذلك فإنه لا يمكن لعاقل أن يتبعه؛ فلا يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؛ وأيضاً الشيطان لنا عدو، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ï´¾ [فاطر: 6]، ثم قال تعالى: ï´؟ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ï´¾؛ ولا أحد من العقلاء يتبع عدوه؛ إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدواً لنا، فليس من العقل - فضلاً عن مقتضى الإيمان - أن يتابعه الإنسان في خطواته -؛ وخطوات الشيطان بيَّنها الله عزّ وجلّ: يأمر بـ"الفحشاء" - وهي عظائم الذنوب؛ و "المنكر" - وهو ما دونها من المعاصي؛ فكل معصية فهي من خطوات الشيطان؛ سواء كانت تلك المعصية من فعل المحظور، أو من ترك المأمور، فإنها من خطوات الشيطان؛ لكن هناك أشياء بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها من فعل الشيطان، ونص عليها بعينها، مثل: الأكل بالشمال[25]، والشرب بالشمال، والأخذ بالشمال، والإعطاء بالشمال وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد[26]؛ فهذه المنصوص عليها بعينها واضحة؛ وغير المنصوص عليها يقال فيها: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.اهـ [27]
ï´؟ فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ï´¾ (209)
إعراب مفردات الآية[28]
(الفاء) عاطفة (إن) حرف شرط جازم (زللتم) فعل ماض مبنيّ على السكون في محلّ جزم فعل الشرط.. و(تم) فاعل (من بعد) جارّ ومجرور متعلّق بـ(زللتم)، (ما) حرف مصدريّ (جاء) فعل ماض و(التاء) تاء التأنيث و(كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به (البيّنات) فاعل مرفوع.
والمصدر المؤوّل (ما جاءتكم) في محلّ جرّ مضاف إليه.
(الفاء) رابطة لجواب الشرط (اعلموا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون... والواو فاعل (أنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد (اللّه) لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب (عزيز) خبر مرفوع (حكيم) خبر ثان مرفوع. والمصدر المؤوّل من (أنّ) واسمها وخبرها سدّ مسدّ مفعولي اعلموا.
ï´؟ فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ï´¾- قال السعدي- رحمه الله - في بيانها إجمالاً:
ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل، قال تعالى: ï´؟ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ï´¾ أي: على علم ويقين ï´؟ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ï´¾.
وفيه من الوعيد الشديد، والتخويف، ما يوجب ترك الزلل، فإن العزيز القاهرالحكيم، إذا عصاه العاصي، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته، تعذيب العصاة والجناة.اهـ [29]
ï´؟ هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ والْمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأَمْرُ وإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ï´¾ (210)
إعراب مفردات الآية[30]
(هل) حرف استفهام بمعنى النفي، فهو دالّ على الاستفهام الإنكاريّ (ينظرون) مضارع مرفوع والواو فاعل (إلّا) أداة حصر (أن) حرف مصدريّ ونصب (يأتي) مضارع منصوب و(هم) ضمير في محلّ نصب مفعول به (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع، وفي الكلام حذف مضاف أي يأتي أمر اللّه أو عذابه.
والمصدر المؤوّل (أن يأتي) في محلّ نصب مفعول به أي: ينتظرون إتيان العذاب من اللّه.
(في ظلل) جارّ ومجرور متعلّق بـ(يأتي) أو بمحذوف حال من الفاعل (من الغمام) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لظلل أو بالفعل يأتي أي من جهة الغمام (الواو) عاطفة (الملائكة) معطوفة على لفظ الجلالة مرفوع مثله. (الواو) استئنافيّة أو عاطفة (قضي) فعل ماض مبنيّ للمجهول (الأمر) نائب فاعل مرفوع، (الواو) استئنافيّة (إلى اللّه) جارّ ومجرور متعلق بـ(ترجع) وهو فعل ماض مبنيّ للمجهول (الأمور) نائب فاعل مرفوع.
روائع البيان والتفسير
ï´؟ هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ والْمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأَمْرُ وإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ï´¾- قال ابن كثير - رحمه الله -:
يقول تعالى مُهَدّدًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ï´؟ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ ï´¾ يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كُلّ عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال: ï´؟ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ï´¾ كما قال: ï´؟ كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ï´¾ [الفجر: 21 -23]، وقال: ï´؟ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ï´¾ الآية [الأنعام: 158].اهـ[31]
وأضاف السعدي - رحمه الله - في بيانها بفائدة جليلة قال ما مختصره: وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض، المتبعون لخطوات الشيطان، النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال، الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع، ما يقلقل قلوب الظالمين، ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين.
وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض، وتنثر الكواكب، وتكور الشمس والقمر، وتنزل الملائكة الكرام، فتحيط بالخلائق، وينزل الباري [تبارك] تعالى: ï´؟ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ï´¾ ليفصل بين عباده بالقضاء العدل.
فتوضع الموازين، وتنشر الدواوين، وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة، ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه.
وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان.اهـ [32]
ï´؟ سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ï´¾ (211)
إعراب مفردات الآية[33]
(سل) فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (بني) مفعول به منصوب وعلامة النصب الياء فهو ملحق بجمع المذكّر السالم (إسرائيل) مضاف إليه مجرور وعلامة الجرّ الفتحة عوضا من الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة (كم) اسم استفهام كناية عن كثير مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به ثان مقدّم لأن له الصدارة (آتينا) فعل ماض مبنيّ على السكون. و(نا) فاعل و(هم) ضمير مفعول به أول (من آية) تمييز كم، ومن زائدة [34]، (بيّنة) نعت لآية مجرور مثله. (الواو) استئنافيّة (من) اسم شرط جازم مبني في (محلّ رفع مبتدأ (يبدّل) مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (نعمة) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (من بعد) جارّ ومجرور متعلّق بـ(يبدّل)، (ما) حرف مصدريّ (جاء) فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هي (التاء) تاء التأنيث و(الهاء) ضمير مفعول به.
والمصدر المؤوّل (ما جاءته) في محلّ جرّ مضاف إليه. (الفاء) رابطة لجواب الشرط (إنّ) حرف مشبّه بالفعل (اللّه) لفظ الجلالة اسم إنّ منصوب (شديد) خبر إنّ مرفوع (العقاب) مضاف إليه مجرور.
روائع البيان والتفسير
ï´؟ سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ï´¾- قال القرطبي – رحمه الله - في تفسيرها ما مختصره:
والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرِّفة به دالة عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما: يعنى الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك.
وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ. قوله تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ ï´¾ لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بنى إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا.اهـ[35]
وزاد أبو جعفر الطبري - رحمه الله – ما مختصره: يعني "بالنعم" جل ثناؤه: الإسلام وما فرض من شرائع دينه.
ويعني بقوله: ï´؟ ومن يُبدّل نعمة الله ï´¾ ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام،من العمل والدخول فيه، فيكفر به، فإنه مُعاقبه بما أوْعد على الكفر به من العقوبة، والله شديدٌ عقابه، أليم عذابه.
فتأويل الآية إذًا يا أيها الذين آمنوا بالتوراة فصَدَّقوا بها، ادخلوا في الإسلام جميعًا، ودعوا الكفر، ومادعاكم إليه الشيطان من ضلالته، وقد جاءتكم البينات من عندي بمحمد، وما أظهرت على يديه لكم من الحجج والعِبَرِ، فلا تبدِّلوا عهدي إليكم فيه وفيما جاءكم به من عندي في كتابكم بأنه نبيي ورسولي، فإنه من يبدِّل ذلك منكم فيغيره فإنى له معاقب بالأليم من العقوبة.اهـ[36]
ï´؟ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ï´¾ (212)
إعراب مفردات الآية[37]
(زيّن) فعل ماض مبنيّ للمجهول (اللام) حرف جرّ (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بـ(زيّن)، (كفروا) فعل ماض وفاعله (الحياة) نائب فاعل مرفوع (الدنيا) نعت للحياة مرفوع مثله وعلامة رفعه الضمّة المقدّرة على الألف (الواو) عاطفة (يسخرون) مضارع مرفوع. والواو فاعل (من الذين) مثل للذين متعلّق بـ (يسخرون)، (آمنوا) فعل ماض وفاعله (الواو) عاطفة (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (اتّقوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ المقدّر على الألف المحذوفة.. والواو فاعل (فوق) ظرف مكان منصوب متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ و(هم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (يوم) ظرف زمان منصوب متعلّق بالخبر المحذوف (القيامة) مضاف إليه مجرور. (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يرزق) مضارع مرفوع (من) اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب مفعول به (يشاء) مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (بغير) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لمصدر يرزق اي يرزقه رزقا متلبّسا بغير حساب (حساب) مضاف إليه مجرور.
روائع البيان والتفسير
ï´؟ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا ï´¾ - قال ابن عثيمين - رحمه الله - في تفسيره:
قوله تعالى: ï´؟ زُيِّنَ ï´¾ مبني لما لم يسم فاعله؛ ونائب الفاعل ï´؟ الحَيَاةُ الدُّنْيَا ï´¾؛ والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره؛ المهم أن أصل التزيين جعل الشيء بهياً جميلاً جذاباً؛ والمزَيِّن إما أن يكون الله، كما في قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ï´¾ [النمل: 4]؛ وإما أن يكون الشيطان؛ لقوله تعالى: ï´؟ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ï´¾ [النمل: 24]؛ ولا منافاة بين الأمرين؛ فإن الله زين لهم سوء أعمالهم؛ لأنهم أساءوا، كما يفيده قوله تعالى: ï´؟ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ï´¾ [الصف: 5]؛ والتزيين من الله باعتبار التقدير؛ أما الذي باشر التزيين، ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان.
قوله تعالى: ï´؟ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ï´¾، وفي آية أخرى: ï´؟ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ... ï´¾ [آل عمران: 14]
إلخ؛ فإما أن نحمل "الناسط على { الذين كفروا }، ونقول: هو عام أريد به الخاص؛ أو نقول: إن ذكر بعض ألفاظ العام لا يقتضي التخصيص؛ فيكون {زين للناس} عموماً؛ وهنا ذكر الله تعالى تزيينه لبعض أفراد هذا الجنس وهم "الذين كفروا".
قوله تعالى: ï´؟ الحَيَاةُ الدُّنْيَا ï´¾ يعني ما فيها من الشهوات، والملذات؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى: ï´؟ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ï´¾؛ وï´؟ الدُّنْيَا ï´¾ فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو -؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين: الأول: دنوّ مرتبتها؛ الثاني: سبقها على الآخرة؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"[38]؛ وموضع السوط مقدار متر تقريباً.
قوله تعالى: ï´؟ ويَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا ï´¾؛ هذه الجملة يقولون: إنها حالية؛ يعني: زينت لهم والحال أنهم يسخرون من الذين آمنوا؛ وï´؟ ويَسْخَرُونَ ï´¾ يعني يجعلونهم محل سخرية، وازدراء، واحتقار؛ إما لِما يقومون به من الأعمال الصالحة؛ وإما لكونهم لم يؤتوا من الدنيا ما أوتي هؤلاء - على زعمهم -، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ï´¾ [المطففين: 29 - 32]..اهـ [39]
ï´؟ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ï´¾- ذكر السعدي - رحمه الله - في تفسيره:
قال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ï´¾ فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور، والبهجة والحبور.
يتبع