من هدي النبي صلى الله عليه وسلم
في صيام رمضان وقيامه
(2)
سيد مبارك
الصيام في اللغة هو الإمساك والكفُّ عن الشيء، ويُستعمَل في كل إمساك؛ قال تعالى إخبارًا عن مريم عليها السلام: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ [مريم: 26]؛ أي: صَمتًا وإمساكًا وكفًّا عن الكلام.
وفي الشَّرع: الإمساك عن المفطرات مِن طلوع الفجر إلى غُروب الشمس مع نيَّة التعبُّد لله تعالى.
ونبيِّن هنا الكثير من هديِ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لأمته في شهر الصيام والقيام والقرآن؛ لعلَّنا ننال شفاعته ونُحشر في زمرته إذا اتَّبعنا هديَه، وأخلصنا نيَّتَنا لله تعالى في القول والعمل؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في فضل صيام رمضان وقيامه:
• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ عملِ ابنِ آدم يُضاعَف؛ الحسَنةُ عَشْرُ أمثالِها، إلى سَبعِمائة ضعفٍ؛ قال الله عز وجل: إلاَّ الصوم فإنه لي[1] وأنا أجزي به، يدَعُ شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان؛ فرحةٌ عند فِطره، وفرحةٌ عند لقاء ربِّه، ولَخُلوفُ فيه أطيبُ عند الله مِن ريح المسك))[2].
• وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه))[3].
• وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان رمضانُ فُتِّحت أبواب الرحمة وغُلقت أبواب جهنم وسُلسِلَت الشَّياطين[4]))[5].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صيام رمضان: الصِّيامُ لرؤية الهلال[6] والإفطار لرؤيته، وإكمال شهر شعبان إن غُمَّ علينا، وكراهية وصلِ شعبان برمضان إلاَّ لعادة[7]:
قلتُ: رؤية هلال رمضان رؤيةٌ بصَريَّة، والإفطارُ لرؤيتِه مِن هَديِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمته، وهو في استطاعة كلِّ مسلم إن تيسَّر له المكان المناسب.
أمَّا العمل بالحساب الفلَكيِّ فقط دون النظر للرؤية الشرعية في تحديد بداية الشهور بصفة عامة، ورمضان بصفة خاصة - فهو مخالفٌ لهديِه صلى الله عليه وسلم؛ لحديث عبدالله بن عُمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكَر رمضان فقال: ((لا تَصوموا حتى ترَوُا الهلال، ولا تُفطِروا حتى ترَوه، فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له))[8].
• ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحصوا هلال شعبانَ لرمضان، ولا تَخلِطوا برمضان إلا أن يُوافقَ ذلك صيامًا كان يَصومه أحدُكم، وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكمِلوا العدَّة ثلاثين يومًا؛ فإنها ليست تُغْمى عليكم العِدَّة))[9].
• وحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشهر تسعٌ وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى ترَوه، فإن غمَّ عليكم فأكمِلوا العدة ثلاثين[10]))[11].
من هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم في صيام رمضان تبييتُ النية[12] قبل الفجر:
من هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يَنويَ المسلم الصيام؛ لأن النية شرطٌ لصحته؛
لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى))[13].
من هديِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في رمضان عند سماع أذان الفجر الصادق والإناءُ على يده ألاَّ يضَعَه حتى يقضيَ حاجته منه، ولا يَلفِظَ ما في فمِه من طعامٍ وشراب، ويمتنع عن الطعام والشراب بعد ذلك[14]:
• لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده فلا يضَعْه حتى يقضيَ حاجته منه))[15].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان أكلة السَّحَر؛ لبرَكتِها ومخالفة لأهل الكتاب[16]:
• لحديث أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تسحَّروا فإنَّ في السحور بركةً))[17].
• ولحديثِ عمرِو بن العاص أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فصلُ ما بين صيامِنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر))[18].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان الإمساك قبل الفجر بمقدار خمسين آية:
قلتُ: المقصود بالإمساكِ الامتناعُ عن الطعام والشراب والجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ودليله في القرآن: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187].
وفي سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم نَذكر حديثَين في بيان هديِه في ذلك:
1- عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنَّ بلالاً يؤذن بليل فكُلوا واشربوا[19] حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم))[20].
2- عن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه قال: "تسحَّرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آيةً[21]"[22].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان تعجيل الفطر، ويسنُّ له أن يفطر على الرُّطب أو التمر[23] أو الماء قبل الصلاة:
• لحديث سهل بن سعدٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَزال الناس بخيرٍ[24]ما عَجَّلوا الفطر))[25].
فعن أنس قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُفطِر على رُطَبات قبل أن يُصلِّي؛ فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات؛ فإن لم تكن حَسا حسَواتٍ من الماء"[26].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان الدعاء عند الفطر[27]:
• لحديث ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: ((ذَهب الظَّمأ وابتلَّت العروق، وثبَت الأجر إن شاء الله))[28].
مِن هديِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في رمضان أنَّ مَن فطَّر صائمًا[29] فله مثل أجره:
• لحديث زَيدِ بن خالدٍ الجُهَني رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء))[30].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صيام رمضان - الترخيص لأصحاب الأعذار من أمته بالفطر؛ كالمريض والمسافر، والحائض والنفساء، والشيخ الكبير، والحامل والمرضع، مع بيان هديِه لهم لِسَداد دَيْن الله تعالى بالرحمة والتيسير:
قلت: أرسل الله تعالى نبيه بالهُدى ودين الحق، وهو أرحم الناس بهذه الأمة، ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يَكُن إثمًا؛ كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
"ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخَذ أيسَرهما ما لم يكن إثمًا[31]، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتهَك حرمة الله فينتقم لله بها"[32].
وقد قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].
ومن فضل الله تعالى أنه أَوحى لرسوله الكريم بالكثير من التَّيسير على هذه الأمة في صيام رمضان؛ لينال رحمة الله وفضله مهما كان عذره، ولا يَحرمه الثَّواب العظيم ونفحات هذا الشهر الكريم، ولله الحمد والمنَّة.
وأذكر هنا الكثير من هديِ النبيِّ لأصحاب الأعذار، وما ينبغي لهم، والله المستعان وعليه التُّكلان.
• من هَدي النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم للمسافر[33] في رمضان التخييرُ بين الصيام والفطر؛ لحديثٍ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: "غزَونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لسِتَّ عشْرةَ مضَت من رمضان، فمِنَّا من صام ومنَّا من أفطر، فلم يَعِب الصَّائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم"[34].
• من هدي النبيِّ في رمضان للمرأة الحامل والمرضع[35] القضاءُ فقط؛ لحديث أنسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الله وضَع عن المسافر نصفَ الصلاة والصومَ، وعن الحُبلى والمرضع))[36].
• من هدي النبيِّ في رمضان للعاجز عن الصيام لكبر سنٍّ، والمريض مرضًا دائمًا[37] لا شفاء منه الإطعام عن كل يوم مِسكينًا، ومَن كان مرَضُه غيرَ دائم القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].
• ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((إذا أمرتُكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))[38].
• من هدي النبيِّ في رمضان للحائض والنُّفساء الفطرُ والقضاء بعد ذلك[39]؛ لحديث عن عائشة قالت: "كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهر، فيَأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة"[40].
• مِن هدي النبي اسقاط فريضة الصيام عن المجنون والصبي والنائم حتَّى يستيقظ[41].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان كثرة الصدقة وأعمال الخير:
• لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس بالخير، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان حين يَلقاه جبريل، وكان جبريلُ عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريلُ كان أجود بالخير من الرِّيح المرسَلة"[42].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان قيام وإحياء لياليه بالصلاة[43]، ومدارسة القرآن[44]:
• لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا[45] غُفر له ما تقدم من ذنبه))[46].
• وعنه قال: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعتكف كلَّ عام عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يومًا، وكان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه مرتين"[47].
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان اعتكاف العشر الأواخر منه، ولا يخرج إلا لضرورة شرعية[48]:
الاعتكاف هو الإقامة على الشيء، فقيل لمن لازم المسجد وأقام فيه للعبادة: معتكفٌ وعاكف.
قال تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ [البقرة: 187].
ويستحبُّ الاعتكافُ في رمضان وفي العشر الأواخر منه أفضل لتحرِّي ليلة القدر.
• لحديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض منه اعتكف عشرين يومًا"[49].
• وحديث عائشة رضي الله عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم "كان يَعتكف العَشرَ الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجُه مِن بعده"[50].
من هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم في رمضانَ: تحرِّي ليلة القدر[51] في العَشر الأواخر وفي الوِتر منها، والاعتكاف في المسجد[52] وقيام ليلها، وإخلاص الدعاء فيها:
قلتُ: ليلة القدر من الليالي العظيمة التي يَنبغي أن نُحْييَها بالطاعة والذِّكر والدعاء؛ لأنها ليلةٌ قال الله فيها: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3].
وما جاء في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:
• حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العَشر الأواخر من رمضان))[53].
• حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من يَقُم ليلة القدر فيُوافقها - أراه قال - إيمانًا واحتسابًا غُفر له))[54].
• حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أدعو؟ قال: ((تقولين: اللهم إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعفُ عني))[55].
[1] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في مجموع الفتاوى (20/ 199): وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوهٍ عديدةٍ:
الوجه الأول: أن الله اختص لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال؛ وذلك لشرَفِه عنده، ومحبته له، وظهور الإخلاص له سبحانه فيه؛ لأنه سرٌّ بين العبد وربِّه، لا يطَّلِع عليه إلا الله؛ فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس متمكِّنًا من تناوُل ما حرَّم الله عليه بالصيام، فلا يتناوله؛ لأنه يعلم أن له ربًّا يطَّلع عليه في خلوته، وقد حرَّم عليه ذلك، فيتركه لله؛ خوفًا مِن عقابه، ورغبةً في ثوابه، فمن أجل ذلك شَكَر الله له هذا الإخلاص، واختصَّ صيامه لنفسه من بين سائر أعماله؛ ولهذا قال: ((يدَع شهوته وطعامه من أجلي)).
وتَظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة؛ كما قال سُفيان بن عُيينة رحمه الله: إذا كان يوم القيامة يحاسِب الله عبدَه، ويؤدِّي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى إذا لم يبقَ إلا الصَّوم يتحمَّل الله عنه ما بَقي من المظالم ويُدخِله الجنة بالصوم.
الوجه الثاني: أن الله قال في الصوم: ((وأنا أَجْزي به))، فأضاف الجزاء إلى نفسِه الكريمة؛ لأنَّ الأعمال الصالحة يُضاعَف أجرها بالعدَد؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، إلى أضعاف كثيرةٍ، أما الصوم فإنَّ الله أضاف الجزاء عليه إلى نفسِه من غيرِ اعتبارِ عددٍ، وهو سُبحانه أكرمُ الأكرمين وأجودُ الأجوَدين، والعطيَّة بقدر مُعطيها، فيكون أجرُ الصائم عظيمًا كثيرًا بلا حساب. والصيام صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن مَحارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة؛ مِن الجوع والعطش، وضَعفِ البدن والنَّفس، فقد اجتمعَت فيه أنواعُ الصبر الثلاثة، وتحقَّق أن يكون الصائم من الصابرين. وقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]؛ اهـ.
[2] أخرجه مسلم برقم/ 1945 - باب فضل الصيام.
[3] أخرجاه في الصحيحين؛ البخاري برقم/ باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، ومسلمٌ برقم/ 1268 - باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
[4] قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث السابق حولَ قوله: ((وسلسلت الشياطين)) ما مُختصَره: قال عِياضٌ: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقتِه، وأن ذلك كلَّه علامةٌ للملائكة لدُخول الشهر وتعظيمِ حُرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارةً إلى كثرة الثَّواب والعفو، وأن الشياطين يقلُّ إغواؤهم فيَصيرون كالمصفَّدين؛ قال: ويؤيِّد هذا الاحتمال الثانيَ قولُه في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم: ((فُتحت أبواب الرحمة))، قال: ويحتمل أن يكون فتحُ أبواب الجنة عبارةً عمَّا يَفتحه الله لعباده مِن الطاعات، وذلك أسبابٌ لدخول الجنة، وغلقُ أبواب النار عبارةً عن صرف الهِمَم عن المعاصي الآيِلَة بأصحابها إلى النار، وتصفيدُ الشياطين عبارةً عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات، قال الزَّين بنُ المنير: والأول أوجَهُ، ولا ضرورةَ تدعو إلى صَرفِ اللفظ عن ظاهره.
وقال القرطبيُّ بعد أن رجَّح حَمْلَه على ظاهره: فإن قيل: كيف نَرى الشُّرور والمعاصيَ واقعةً في رمضان كثيرًا؛ فلو صُفِّدت الشياطين لم يقَع ذلك؟ فالجواب: أنَّها إنما تقلُّ عن الصائمين الصَّومَ الذي حُوفِظ على شروطه ورُوعِيَت آدابُه، أو المصفَّد بعضُ الشياطين وهم المرَدَة لا كلُّهم، كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليلُ الشرور فيه، وهذا أمرٌ محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقلُّ من غيره؛ إذ لا يَلزَم مِن تصفيد جميعهم أن لا يقَع شرٌّ ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنُّفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيَّة. اهـ.
[5] أخرجاه في الصحيحين؛ مسلمٌ برقم/ 1794 - باب فضل شهر رمضان واللفظ له، والبخاريُّ نحوه برقم/ 1766 - باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعًا.
[6] قال الشيخ ابن باز رحمه الله: قد كثر الكلام حول العمل بالحساب الفلَكيِّ في دخول شهر رمضان وخروجه، وتحديد الأعياد، فرأيتُ إيضاحَ الحكم وبيانَه لعامة الناس في هذه البلاد وغيرها؛ ليكونوا على بصيرة في عبادتهم لربهم، فأقول وبالله التوفيق:
يتبع