عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 10-03-2020, 04:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,830
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (363)
تفسير السعدى
سورة الفرقان
من الأية(17) الى الأية(23)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الفرقان




" ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل " (17)
يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة, وتبريهم منهم, وبطلان سعيهم فقال: " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ " أي: المكذبين المشركين " وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ " الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: " أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ " هل أمرتموهم بعبادتكم, وزينتم لهم ذلك, أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟
" قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا " (18)
" قَالُوا سُبْحَانَكَ " نزهوا الله عن شرك المشركين به, وبرأوا أنفسهم من ذلك.
" مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا " أي: لا يليق بنا, ولا يحسن منا, أن نتخذ من دونك منه أولياء, نتولاهم, ونعبدهم, وندعوهم.
فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك, ومتبرين من عبادة غيرك, فكيف نأمر أحدا بعبادتنا؟ هذا لا يكون.
أو, سبحانك " أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ " وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ " الآية.
وقال تعالى: " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ " , " وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ " .
فلما نزهوا أنفسهم, أن يدعوا لعبادة غير الله, أو يكونوا أضلوهم, ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا: " وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ " في لذات الدنيا وشهواتها, ومطالبها النفسية.
" حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ " اشتغالا في لذات الدنيا, وانكبابا على شهواتها, فحافظوا على دنياهم, وضيعوا دينهم " وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا " أي: بائرين لا خير فيهم, ولا يصلحون لصالح, لا يصلحون إلا للهلاك والبوار.
فذكروا المانع من اتباعهم الهدى, وهو التمتع في الدنيا, الذي صرفهم عن الهدى.
وعدم المقتضي للهدى, وهو: أنهم لا خير فيهم.
فإذا عدموا المقتضي, ووجد المانع, فلا تشاء من شر وهلاك, إلا وجدته فيهم.
فلما تبرأوا منهم, قال الله توبيخا وتقريعا للمعاندين:

" فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا " (19)
" فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ " إنهم أمروكم بعبادتهم, ورضوا فعلكم وأنهم شفعاء لكم عند ربكم.
كذبوكم في ذلك الزعم, وصاروا من أكبر أعدائكم, فحق عليكم العذاب.
" فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا " للعذاب عنكم بفعلكم, أو بفداء, أو غير ذلك.
" وَلَا نَصْرًا " لعجزكم, وعدم ناصركم.
هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين, كما رأيت, أسوأ حكم, وشر مصير.
وأما المعاند منهم, الذي عرف الحق وصدف عنه, فقال في حقه: " وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ " بترك الحق ظلما وعنادا " نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا " لا يقادر قدره, ولا يبلغ أمره.

" وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا " (20)
ثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين: " مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ " .
فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام, وما جعلناهم ملائكة, فلك فيهم أسوة.
وأما الغنى والفقر, فهو فتنة, وحكمة من الله تعالى, كما قال: " وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً " الرسول فتنة للمرسل إليهم, واختبار للمطيعين من العاصين, والرسل فتناهم بدعوة الخلق, والغنى فتنة للفقير, والفقر فتنة للغني.
وهكذا سالر أصناف الخلق في هذه الدار, دار الفتن والابلاء والاختبار.
والقصد من تلك الفتنة " أَتَصْبِرُونَ " فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة, فيثيبكم مولاكم, أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟ " وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا " يرى ويعلم أحوالكم ويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته, ويختصه بتفضيله, ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر.

" وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا " (21)
أي: قال المكذبون للرسول, المكذبون بوعد الله ووعيده, الذين ليس في قلوبهم خوف الوعيد, ولا رجاء لقاء الخالق.
" لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا " أي: هلا نزلت الملائكة, تشهد لك بالرسالة, وتؤيدك عليها, أو تنزل رسلا مستقلين, أو نرى ربنا, فيكلمنا, ويقول: هذا رسولي فاتبعوه؟ وهذا معارضة للرسول, بما ليس بمعارض, بل بالتكبر والعلو والعتو.
" لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ " حيث اقترحوا هذا الاقتراح, وتجرأوا هذه الجرأة.
فمن أنتم يا فقراء, ويا مساكين, حتى تطلبوا رؤية الله, وتزعموا أن الرسالة, متوقف ثبوتها على ذلك؟ وأي كبر أعظم من هذا؟.
" وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا " أي: قسوا وصلبوا عن الحق, قساوة عظيمة.
فقلوبهم أشد من الأحجار, وأصلب من الحديد, لا تلين للحق, ولا تصغى للناصحين.
فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا تذكير, ولا اتبعوا الحق, حين جاءهم النذير.
بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم, وآيات الله البينات, بالإعراض والتكذيب.
فأي عتو أكبر من هذا العتو؟!! ولذلك, بطلت أعمالهم, واضمحلت, وخسروا أشد الخسران.

" يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا " (22)
" يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ " وذلك أنهم لا يرونها, مع استمرارهم, على جرمهم وعنادهم, إلا لعقوبتهم, وحلول البأس بهم.
فأول ذلك عند الموت, إذا تنزلت عليهم الملائكة, قال الله تعالى: " وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَة ُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ " .
ثم في القبر, حيث يأتيهم منكر ونكير, فيسألانهم, عن ربهم, ونبيهم, ودينهم, فلا يجيبون جوابا ينجيهم, فيحلون بهم النقمة, وتزول عنهم بهم الرحمة.
ثم يوم القيامة, حين تسوقهم الملائكة إلى النار, ثم يسلمونهم لخزنة جهنم, الذين يتولون عذابهم, ويباشرون عقابهم.
فهذا الذي اقترحوه, وهذا الذي طلبوه, إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروه ويلقوه.
وحينئذ يتعوذون من الملائكة, ويفرون, ولكن لا مفر لهم.
" وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا " " يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " .

" وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " (23)
" وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ " أي: أعمالهم التي رجوا أن تكون خيرا لهم, وتعبوا فيها.
" فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا " أي: باطلا مضمحلا, قد خسروه, وحرموا أجره, وعوقبوا عليه, وذلك لفقده الإيمان, وصدوره عن مكذب لله ورسله.
فالعمل الذي يقبله الله, هو ما صدر من المؤمن المخلص, المصدق للرسل, المتبع لهم فيه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.91%)]