عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-03-2020, 04:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,610
الدولة : Egypt
افتراضي رد: غربة شرائع الإسلام: الأسباب والحل

غربة شرائع الإسلام: الأسباب والحل


أحمد الجوهري عبد الجواد



الغربة الخاصَّة:


وأما الغربة الثانية - وهي الغربة الخاصة - فهي: غُربة أهل السنَّة في الأمة:
قال سفيان الثوري رحمه الله: "استوصوا بأهل السنَّة خيرًا؛ فإنهم غرباء"[12].

وقال: "إذا بلغَك عن رجل بالمَشرق صاحب سنَّة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما السلام، وادعُ لهما، ما أقلَّ أهل السنَّة والجماعة"[13].

وقال أبو بكر بن عياش: "السنَّة في الإسلام أعزُّ مِن الإسلام في سائر الأديان"[14].

وقال الأوزاعي: "أما إنه ما يذهَب الإسلام، ولكن يَذهب أهل السنَّة، ترفقوا - يرحمكم الله - فإنكم مِن أقلِّ الناس"[15].

فـ "دوائر النَّجاة في الدنيا والآخرة ثلاث دوائر، بعضها أضيَق مِن بعض:
فأوسعها دائرة (الإسلام)، الذي هو ضمانة دخول الجنة؛ فإنَّ الله تَعالى حرَّم الجنة على الكافرين؛ فالجنَّة لا يدخلها إلا نفسٌ مسلمةٌ، فمَن كان مسلمًا، فهو مِن أهل الجنة، مرتكبًا ما ارتكب من المعاصي، مُتَّبِعًا ما اتَّبع من البدع، ولكنَّه يُعَذَّبُ بقدر بدعته ومعصيته ما شاء الله، ثم يصير إلى الجنة، إلا أن يَتجاوز الله عنه.

ثم الدائرة الثانية: دائرة (الفرقة الناجية)، السالِمة مِن البِدَع والانحرافات، وهي أضيق من الأولى، ولهذه الفِرقة مِن الخيرية والاستقامة والفوز في الدارين ما ليس لعموم المسلمين؛ لسلامتها مما ابتُلي به عامتهم من الوقوع في أَسرِ الشُّبهة أو الشَّهوة.

وأضيق منها الدائرة الثالثة، وهي دائرة (الطائفة المنصورة)، وهي جزء مِن الفِرقة الناجية، تميَّزت عن سائرها بالقيام بالأمر، وتحمُّل أعباء الجهاد وتَبعاته، والتصدِّي للأمر بالمعروف، والنهي عن المُنْكَر، وبناء الحياة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنَّة، ومُقارَعة الظالِمين، والفاسِقين، والمنافقين، والكافرين.

وهذا المَقام أشرف المقامات، وأعلاها، وأسماها، وأهله هم خاصَّة المؤمنين، وخلاصة المتَّقين، وخيرة أتباع سيد المرسلين، جعلنا الله منهم أجمعين"[16].

زماننا زمان الغربة والغرباء:
وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مِن ضياع كثير مِن شرائع الدين، وقد ضيعت فيه فرائض، وأهملت واجبات، وهجرت سنن كثيرة كثيرة، وصار أهله المستمسكون به على السبيل والنهج الأول الذي كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام قلَّة، واستوحش في زماننا الصالِحون العاملون بالسنَّة، بل اضطهدوا وضيق عليهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

والأدلة على ذلك ظاهرة واضِحة، والمَظاهر الدالة عليه بينة متفشية، وهذا الكتاب أجمعه بما حوى من أدلة النقل، وأدلة الواقع، وبراهين العقل: برهان ساطع ودليل قاطع على صحة ذلك، وستجد في ثنايا هذا الكتاب الكثير والكثير، مئات الوثائق والشهادات على أننا نعيش عصر غربة حقيقية، لا على مستوى الإسلام بين أهل الأديان فحسب، وإنما على مستوى أهل الإيمان بين أهل الإسلام، وعلى مستوى أهل السنَّة بين أهل الإيمان كذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فضْل الغرباء:
وهؤلاء الغرباء الذين يَستمسكون بالدِّين وبالسنَّة - على رغم ما يلقون مِن الأذى والعنت في سبيل ذلك إلى الحد الذي وصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه القبض على الجمر - لهم عند الله على صبرهم ذاك عظيم الأجر، وواسع الفضل، وعميم الثواب، وقد وردَت بذلك في شأنهم وتعظيم أجر صنيعِهم الأخبار مِن السُّنن والآثار وأقوال الأئمة الأخيار ما تقرُّ به عيون الموحِّدين في زمن غربتهم، ويَأنسون به في وحشتِهم، ولنُشِرْ إلى غيض من هذا الفيض؛ فمِما لهم به البُشرى ما يلي:
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دِينه كالقابض على الجمر))[17].

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر))[18].

ورَوى الطبرانيُّ في الكبير، وصحَّحه الألبانيُّ، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ مِن ورائكم أيام الصبر، للمُتمسِّك فيهنَّ يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم))، قالوا: يا نبيَّ الله، أو منهم؟ قال: ((بل منكم))[19].

ورَوى مسلم وغيره من حديث معقل بن يسار: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((العبادة في الهرج كهجرةٍ إليَّ))[20]، قال المناوي: "العبادة في الهرج - أي: وقت الفِتن واختلاط الأمور - كهجرة إليَّ في كثرة الثواب"[21].

وتأمَّل كيف قال صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريبًا))، فقال: ((بدأ الإسلام)) ولم يقل: بدأ المسلمون، فأنتَ - أيُّها الغريب - تمثِّل الإسلام، هو أنت، وأنت هو.

أسباب الغربة ووسائل دفعها:
ما هي الأسباب التي أدَّت بنا إلى هذه الغربة التي وصفنا حالها؟ وأنى السبيل إلى الخروج منها؟ هذا هو المهم؛ ولذا فلنتعرف أولاً على أسبابها، ثم نشير بعدُ إلى ما وضَع العلماء من وسائل لدفعها وردِّها.

أولاً: أسباب غربة أهل الفِرقة الناجية:
إنَّ الفرقة الناجية غريبة بالنظر إلى كثرة الفرق المُخالفة لها، وأفرادها غرباء بالنظر إلى كثرة المنحرفين والهالكين، ولهذه الغربة أسباب عديدة؛ منها:
1- كثرة الأقاويل والمُعتَقدات والآراء المخالفة للكتاب والسنَّة، وكثرة الدُّعاة إلى تلك الآراء والمُعتَقدات والأقاويل، فيلتبس على كثير من الناس الحقُّ بالباطل، والسنَّةُ بالبدعة، ويُصبح كثير منهم يتَّبعون البدعة يظنُّونها سنَّة، ويُحاربون السنَّة يظنُّونها بدعة، فيغدو المؤمن المتَّبع للسنة، السائر على البيِّنة الربَّانية، غريبًا بينهم؛ لاتِّباعه وبدعتهم، وعلمه وجهالتهم، وقلَّته وكثرتهم، وتعظم الغربة حين تصبح هذه الآراء المبتَدَعَة والعقائد المنحرفة دينًا يَدين به الكبراء؛ من السلاطين، والرُّؤساء، والمَنسوبين إلى العلم والشرع، فيُطْبِقُ على العامة الجهلُ بالسنَّة، والإنكار على أهلها، وما يزالون يتوارثون ذلك، يتواصون به، حتى يصبحَ عُرفًا جاريًا، مَن خالفه تعرَّض للسَّبِّ والتَّنقيصِ، والزراية والاتِّهام.

2- اتِّباع الهوى، وانتِشار العصبيَّة للمذاهب والآراء، حتى ليصبح الداعي إلى السنَّة كأنه يدعوهم - فيما يَحسبون ويظنُّون - إلى اتباعه، وترك أشياخهم ومقدَّميهم، وليس يدعوهم إلى اتِّباع السنَّة وهجر البدعة، فتتحرَّك في النفوس العصبيَّة للشيخ والمذهب والطريقة، وتمنع كثيرًا من الناس من سماع الحق - أصلاً - فضلاً عن اتِّباعه، وكم حالَ الهوى دون اتِّباع النصِّ المحكم المنزَّل، وأضلَّ عن سبيل الله! قال تعالى: ï´؟ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ï´¾ [ص: 26].

3- قلَّة الإنصاف بين الناس، وضعف الخوف مِن الله، مما يجعل بعضهم يحمل على المخالف، ويُجلب عليه بخيله ورَجِلِه، وينسب إليه كلَّ نقيصة، ويَجْحَدُ ما يعلم فيه من الفضل، ويفرِّع على أقواله فروعًا ليست صحيحة؛ ابتغاء تنفير الناس عنه، وعن منهجه: فإذا كان هذا المخالف لهم متَّبعًا للكتاب والسنَّة، وأنكر ما عليه مُدَّعو التصوُّف من الأحوال المنافية للشرع؛ نسبوه إلى معاداة أولياء الله، وحربهم وبغضهم، وإذا أنكر ما عليه السلاطين مِن مُخالَفة الشرع، أو اتِّباع المناهج الوضعية، أو ظلم الرعية، أو موالاة أعداء الدين - رُميَ بأنه مِن الخوارج المارقين، والبُغاة الضالِّين، وإذا أنكَر ما عليه العوام مِن البدع والعوائد والمحدثات التي قامَت فيهم مقامَ العُرْف الذي يتوارثونه خلفًا عن سلف - رُميَ بأنه متشدِّد متنطِّعٌ ملزمٌ الناسَ بالحرج في دينهم، ليس هذا فحسب، بل إنَّ كثيرًا مِن الناس لا يَجدون حرجًا في اختراع الأقاويل، وتزوير الحكايات التي ليس لها أصْل، وترويجها بين الناس؛ لصدِّهم عن دُعاة الحق والخير والسنَّة، وإنه لأمر صعب أن يُصبح الداعي إلى منهج الفرقة الناجية، وإلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإلى اتِّباع الكتاب والسنَّة - متَّهمًا بين الناس، تشير إليه الأصابع بالرِّيبة، وتتناوله الألسنة بالبهتان.

ويَستحكم طوق الغربة حول متَّبعي السنَّة إذا كانت الدولة لأهل البدع، والتفَّ حول السلطان علماء السوء الذين يزيِّنون له الباطل، ويَأمُرونه به، ويُبغضون له الحق، ويَنْهونَه عنه، حتى يُشرَب قلبُه حبَّ البدعة وأهلها، وبغضَ السنَّة وأهلها، فيُوَلِّي أهل البدع ويَستعملهم، ويقرِّبهم، ويستنصح لهم، فيَحمل هؤلاء الناس على بدعتهم وضلالهم، ويُمكِّنون لمَن كان على مثل حالهم، ويضيِّقون على أهل السنَّة، وقد يُخيفونهم ويفتنونهم؛ كما حدث للإمام أحمد، وابن تيمية، وغيرهما.

ومثل ذلك أن تكون الدولة لأهل الإلحاد والكفر بالله من منتحلي المذاهب الوضعية البشرية؛ كالعلمانية وغيرها؛ فإن هؤلاء لا يرضون أن يكون للدين موقعٌ في المجتمع، ولا أن يكون لأهله مكانةٌ بين الناس، ويعدُّون تحكيم الشرع في الأنفس، والأموال، والأعراض، والدماء، وسائر شؤون الحياة، نوعًا من الزج بالدين في أمور لا علاقة له بها أصلاً؛ إذ الدين - في عقدهم - علاقة بين الخالق والمخلوق، تقتصر على أداء شعائر معيَّنة في المسجد، أو الكنيسة، وينتهي الأمر عند هذا الحد، وهؤلاء وإن كانوا حربًا على الدين كله، فإنَّ حربَهم لأهل السنَّة والأثر أشدُّ، وعداوتهم لهم أعظم؛ لأنَّهم يَجدون كثيرًا من أهل البدع يوافقونهم فيما يريدون، من عَزْل الدين عن الحياة؛ كما هو منهج الطرق الصوفية مثلاً.

فهذه الأسباب وغيرها تضاعف غربة (الفرقة الناجية) - سواء من الناحية الفردية أو الجماعية - وتحيطها بنوع خاص من الغربة، يضاف إلى الغربة العامَّة الشاملة التي تواجهها هذه الفرقة؛ لأنها فئة من المسلمين، والمسلمون بين أهل الأرض غرباء، وللمستقيمين على الجادة، السالكين الطريق المستقيم مِن هذه الغربة أوفاها وأكملها.

فالفرقة الناجية تعيش غربة المسلمين بين أهل الملل والأديان الأخرى في سائر أقطار الأرض، وتعيش غربتها الخاصة بين المسلمين، والتي تُحْكِم خيوطها أيدي المسلمين أنفسهم!

ومع ذلك فهذه الفرقة مطالَبة بالقيام بأمر الله، ونشر دينه ودعوته، والصَّدْع بما لديهم من علم وفهم، ومعالجة لهذه الغربة، والقيام بتجديد الدين بين المسلمين، وإقامة الحُجَّة على أهل العصر، وعدم الاستسلام لليأس، أو الرُّكون إلى الدَّعة، ويتولَّى عظم هذا الأمر وجملَته الطائفة المنصورة، وهي من الفرقة الناجية.

فوصفهم بالغربة ليس حثًّا على الاعتزال، ولا أمرًا بالقعود، بل هو دعوة إلى التميُّز بالمنهج المستقيم، والصبر عليه، وإعلانه، والدعوة إليه، والاجتماع حوله؛ إذ إن ذلك كله من أسباب اندفاع الغربة وزوالها، ومن أسباب الاستِمساك بالحق الذي يحمله المغترب؛ فالمضحِّي في سبيل شيء ما يعزُّ عليه أن يتخلَّى عنه، وحين يكون هذا الشيء هو الحق، يكون ذلك من سعادة المسلم وتوفيقه[22].

ثانيًا: من وسائل دَفع الغُربة:
وإذا كان الأمر كذلك، وجب على أهل هذه الفرقة الناجية التعرُّف على أسباب ووسائل دفع الغربة، والعمل على الأخذ بها، وفيما يلي نعرض لأهم هذه الأسباب والوسائل.

فهذه الغربة وإن كانت قدر الله تعالى الذي قدره على عباده وقضى به عليهم، لكنهم مأمورون شرعًا بدفعها، ودفعهم لها ليس مصادَمة للقدر، وإنما هو أيضًا قدر من الله، وهذه قاعدة قلَّ مَن يتفطَّن لها؛ فالمؤمن مأمور بمُنازَعة قدر الله الكوني بقدر الله الشرعي، ولأنه مأمور بالعمل بأسباب هي في ذاتها العمل على دفع هذا القدر، ومِن ثَمَّ وجب على المسلم أن يعمل على دفع الغربة عن دينه وعن منهجه وعن نفسه، ووسائل دفع الغربة كثيرة، فصَّلها العلماء، ومِن أهمِّها:
1- التعريف بالإسلام والدعوة إليه بين غير المؤمنين به؛ وذلك لإزالة الجهالة عنه لدى من لا يعرفه، ودفع الشبهات والمُغالَطات التي تفترى عليه عنده.

2- الدعوة إلى الله تعالى بين أهل الإسلام، والتذكير بالله تعالى، وبث أوامره ونواهيه بين عباده؛ حتى يتحقَّقوا صراطه المستقيم وطريقه القويم.

3- الأمر بالمَعروف والنهي عن المنكر؛ فالواجب على أهل الإسلام أن يذكِّروا بالله تعالى عن طريق هذه الشعيرة؛ أمرًا بالمعروف بمعروف، ونهيًا عن المنكر في غير منكر، سواء عالمهم وعاميُّهم في ذلك.

4- الجهاد في سبيل الله لمن أبى إلا الافتراء على الله ورسوله، ووقف في سبيل نشر كلمته، وعادى أهل الإسلام، وأبى إلا إعلان الحرب السافرة عليهم في الليل والنهار، بشرائط الجهاد وضوابطه ومراحله التي أوضحتها الشريعة، وبيَّنها الربانيون من العلماء والدعاة.

5- الصبر والثبات على الدين، والاستمرار عليه، وعدم الاكتراث لخِذلان مَن خذل.

وقد ثبت الوعد النبوي باستمرار هذه الشرائع، ووجود من يقوم بها، ويدفع بها غربة الإسلام على مدار الزمان:
حيث ثبت أن الجهاد ماضٍ إلى أن تقاتِل الطائفةُ المنصورة المسيحَ الدجال.

وثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مهمات الطائفة المنصورة أيضًا؛ كما في قوله تعالى: ï´؟ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾ [آل عمران: 104]؛ فالأمة المذكورة في الآية هي أمة مِن الأمة، تتولى حمل هذه المُهمَّة، وهي أمة باقية إلى قيام الساعة.

وثبت أن في آخر الزمان قومًا صُبرًا، يقبضون على دينهم، ويصبرون عليه، حتى لَيكون حالهم كحال القابض على الجمر، وحتى لَيكون للواحد منهم أجر خمسين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

إضافةً إلى أن الثبات والاستمرار على الدين، وعدم الاكتراث لخِذْلان الخاذل، وخلاف المخالف، ونواء المناوئ - هي من خصائص الطائفة المنصورة الباقية في الأرض إلى أن يأتي أمر الله.

فهذه مُجمل الأسباب التي يأخذ بها أهل الغربة ليدفعوا بها غربتهم، وليستبشروا بوعد الله لهم، ووعد رسوله أنهم هم المنتصرون، وأنهم هم الغالبون، على الرغم من قلتهم وغربتهم.

وهل انتصر الإسلام إلا من قلة؟ وهل غلب إلا لما اغترب؟
وفي أحاديث الإخبار بغربة الإسلام: البشرى بانتصاره وعزة أهله؛ فإن فيها الإلماح إلى غربة الإسلام الأُولى التي زالت على أيدي النبي الأمين صلى الله عليه وآله وسلم ومَن معه من المؤمنين الصادقين، وفي هذا البشارة بزوال غربة الإسلام الثانية، ولكنها تحتاج إلى أمثال هؤلاء الصادقين، وهم - بحمد الله تعالى - كثر في الآفاق، قد بدت أنوارهم تشرق، تسد جموعهم عين شمس الظهيرة، وعلى الأكوان بدأ بدرهم يظهر، يتضاءل أمام نورهم نور بدر التمام.
لئن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا
فلله أوسٌ قادِمون وخزرجُ

وإن كُنوزَ الغيب تُخفي طلائعًا
مجاهدة رغم المكايد تَخرجُ


فصبرًا، فما هي إلا ساعة ثم تنقضي، ويصبح بعدها ذو الأحزان فرحان جاذلاً.


[1] رواه ابن حبان في صحيحه (6839)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (9206).
[2] رواه ابن ماجه (4049)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8077).
[3] رواه مسلم (146)، وأصل الأَرْز: الاجتِماع والانقباض، والمعنى أنه يرجع إليها، ويَجتمع بعضه إلى بعض فيها، وانظر: النهاية في غريب الحديث (1 / 37)؛ لابن الأثير، وشرح مسلم (2 / 177)؛ للنووي.
[4] رواه مسلم (208)، وطوبى: فُعلى مِن الطيب، كما قال الفراء، قال: وإنما جاءت الواو لضمة الطاء، وقيل معناها: الخير والفرح والنعيم، وقيل: الجنَّة، وقيل: شجرة في الجنة؛ انظر: شرح مسلم للنووي (2 / 176)، والنهاية؛ لابن الأثير: (3 / 141).
[5] رواه الطبراني في الأوسط (3056)، وصححه الألباني في الصحيحة (1273).
[6] رواه أحمد (6650)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3921).
[7] رسائل الغرباء، الرسالة الأولى (ص: 19)؛ لفضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة.
[8] نفسه (ص: 25،24).
[9] مدارج السالكين، (3 / 196)، لابن القيم.
[10] مدارج السالكين (3 / 194 - 201).
[11] متفق عليه، رواه البخاري (6047)، ومسلم (324).
[12] اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، (1 / 66).
[13] نفسه، (1 / 66).
[14] نفسه، (1 / 66).
[15] كشف الكربة في وصف أهل الغربة (ص: 7)؛ لابن رجب الحنبلي.
[16] انظر: رسائل الغرباء، الرسالة الثانية: صفة الغرباء (ص: 4، 5).
[17] رواه الترمذي (2260)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (8002).
[18] رواه الحكيم الترمذي عن ابن مسعود، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (6676).
[19] رواه الطبراني في الكبير (10394)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2234).
[20] رواه مسلم (1948).
[21] فيض القدير (4 / 373).
[22] رسائل الغرباء (2 / 75).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]