عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 09-03-2020, 03:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الملكوت في الحكمة القرآنية

الملكوت في الحكمة القرآنية (3)
د. رواء محمود حسين




التوحيد والملكوت





في هذه المقالة الثالثة من سلسلة المقالات عن الملكوت في الحكمة القرآنية نتناولُ بالبحث ما ورد عن الملكوت في القرآن الكريم في سورَتَيِ الأعراف والمؤمنون إن شاء الله تعالى.




1- سورة الأعراف:

قال تعالى: ï´؟ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ï´¾ [الأعراف: 185].




فسَّر الطبري الآية قائلاً: أولم ينظر هؤلاء المكذِّبون بآيات الله في ملك الله وسلطانه جل شأنه في السموات وفي الأرض، وفيما خلق جل ثناؤه من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك، ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لا يكونُ إلا لمن لا نظيرَ له ولا شبيه، ومِن فعل مَن لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له، فيؤمنوا به سبحانه، ويصدِّقوا رسولَه صلى الله عليه وسلم، ويرجعوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرِهم، ويصيروا إلى عذاب الله سبحانه وعقابه الأليم؟![1].




ويقول ابن كثير في تفسير الآية الكريمة المذكورة: يقول تعالى: أولم ينظر هؤلاء المكذِّبون بآيات الله في ملكه وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، فينبغي أن لا تكون العبادةُ والدين الخالص إلا له، فيؤمنوا به ويصدِّقوا رسوله صلى الله عليه وسلم، وينيبوا إلى طاعته، ويتركوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكونَ آجالُهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذابِ الله وأليمِ عقابه؟!




وقوله: ï´؟ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ï´¾ [الأعراف: 185]؛ أي: فبأي تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيب بعد تحذيرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه يُصدِّقون إن لم يصدِّقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمدٌ من عند الله عز وجل؟[2].



2- سورة المؤمنون:

قال تعالى: ï´؟ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ï´¾ [المؤمنون: 88، 89].




يُفسِّر الطبري الآية فيقول: يقول تعالى ذكرُه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: مَن بيده خزائن كل شيء؟!

وقوله: ï´؟ وَهُوَ يُجِيرُ ï´¾ مَن أراد ممن قصَدَه بسوء، ï´؟ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ï´¾ يقول: ولا أحدَ يمنع من أرادَه هو بسوء، فيدفع عنه عذابَه وعقابه، ï´؟ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ مَن ذلك صفتُه، فإنهم يقولون: إن ملكوتَ كلِّ شيء والقدرة على الأشياء كلها لله، فقل لهم يا محمدُ: ï´؟ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ï´¾، يقول: فمن أيِّ وجه تُصرَفون عن التصديق بآيات الله، والإقرار بأخبارِه وأخبار رسولِه، والإيمان بأن الله القادرُ على كل ما يشاء، وعلى بَعْثِكم أحياء بعد مماتكم، مع علمكم بما تقولون من عظيم سلطانه وقدرته؟!




وكان ابن عباس - فيما ذُكِر عنه - يقول في معنى قوله: ï´؟ تُسْحَرُونَ ï´¾: تكذبون.

وقد بيَّنْتُ فيما مضى السحر، وأنه تَخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته، فذلك معنى قوله: ï´؟ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ï´¾، إنما معناه: فمن أيِّ وجه يُخيَّل إليكم الكذب حقًّا، والفاسد صحيحًا، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؟![3].




ويقول ابن كثير: يُقرِّرُ تعالى وحدانيَّتَه واستقلاله بالخلق والتصرف والملك؛ ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له؛ ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيرَه المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية، فعبدوا غيرَه معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا، ولا يملكون شيئًا، ولا يستبدُّون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقرِّبونهم إليه زُلفَى، فقال: ï´؟ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا ï´¾ [المؤمنون: 84]؛ أي: مَن مالكُها الذي خلقها، ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات ï´؟ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [المؤمنون: 84]؟ ï´؟ سَيَقُولُونَ لِلَّه ï´¾ [المؤمنون: 85]؛ أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك، قل: ï´؟ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ï´¾ [المؤمنون: 85] أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره؟! سيقولون لله، قل: ï´؟ أَفَلَا تَتَّقُونَ ï´¾ [المؤمنون: 87]؛ أي: إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات، ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عقابَه، وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيرَه وإشراككم به؟[4].




إذًا المفهومُ الذي تشير إليه الآيتان الكريمتان أن الله سبحانه بيده ملكوت السموات والأرض وملكوت كل شيء، ومن كانت هذه قدرته وملكه وملكوته فهو مَن يستحقُّ وحدَه العبادة والتوحيد والتنزيه عن الأنداد والشريك، وهو ما يعني: أن النظر في ملكوت السموات والأرض سيؤدي إلى نتيجة رئيسة، مُفادها: أن لهذا المُلك مالكًا، ولهذا الملكوت متصرفًا بيده خزائن كل شيء، وهو الله سبحانه.




وهنا ندعو العلماء الذي تخصصوا في النظر والبحث في علوم السموات والأرض أن يتجهوا إلى الإيمان بالله سبحانه وتوحيده وإفراده بالعبادة، ومثل هذه الدعوة تُوجَّه إلى عباد الله سبحانه أجمعين.




[1] محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ): "جامع البيان في تأويل القرآن"، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط ظ،، مؤسسة الرسالة، 1420 هـ - 2000 م، ظ،ظ£ / ظ¢ظ©ظ*.

[2] ينظر: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ): "تفسير القرآن العظيم"، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، طظ،، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت، 1419 هـ، ظ£/ ظ¤ظ¦ظ§.


[3] أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ): "جامع البيان في تأويل القرآن"، ظ،ظ© / ظ¦ظ¥.

[4] ابن كثير: "تفسير القرآن العظيم"، 5 /425 - 426.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.64%)]