عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 09-03-2020, 03:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,426
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير ربع يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ




﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

فسر معناها ابن عثيمين فقال- رحمه الله-:

قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله ﴾؛ المشار إليه ما سبق من الأحكام، والشرائع؛ و﴿ حدود الله ﴾ أي شرائعه. قوله تعالى: ﴿ فلا تعتدوها ﴾ أي لا تتجاوزوها؛ وقالالعلماء: إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال تعالى: ﴿ فلا تعتدوها ﴾؛ وأما إذا كانت الحدود من المحرمات فإنه تعالى يقول: ﴿ فلا تقربوها ﴾.




قوله تعالى: ﴿ ومن يتعد ﴾ أي يتجاوز ﴿ حدود الله ﴾ المراد بها هنا أوامره؛ والجملة: اسم الشرط، وفعل الشرط؛ وقوله تعالى: ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾: جواب الشرط؛ ولم يذكر مفعول ﴿ الظالمون ﴾ ليفيد العموم.اهـ [74].




﴿ فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإن طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

إعراب مفردات الآية [75]:

(الفاء) استئنافيّة (إن) حرف شرط جازم (طلّق) فعل ماض مبنيّ على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط و(ها) ضمير في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) نافية (تحلّ) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي (اللام) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (تحلّ)، (من) حرف جرّ (بعد) اسم مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ متعلّق بـ (تحلّ)، (حتّى) حرف غاية وجرّ بمعنى إلّا (تنكح) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي (زوجا) مفعول به منصوب (غيره) نعت لزوج منصوب مثله، والهاء ضمير مبنيّ في محلّ جرّ مضاف إليه.




والمصدر المؤوّل (أن تنكح) في محلّ جرّ بـ (حتّى) متعلّق بـ (تحلّ).




(الفاء) عاطفة (إن طلّقها) مثل الأولى والفاعل يعود إلى الزوج الثاني (الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) نافية للجنس (جناح) اسم لا مبنيّ على الفتح في محلّ نصب (على) حرف جرّ و(هما) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر لا (أن) حرف مصدريّ ونصب (يتراجعا) مضارع منصوب وعلامة النصب حذف النون.. و(الألف) ضمير فاعل.




والمصدر المؤوّل (أن يتراجعا) في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف تقديره في، والجارّ والمجرور متعلّق بخبر لا المحذوف.




(إن) حرف شرط جازم (ظنّ) فعل ماض في محلّ جزم فعل الشرط و(الألف) ضمير فاعل (أن) مثل الأول (يقيما) مثل يتراجعا.




والمصدر المؤوّل (أن يقيما) في محلّ نصب مفعول به أول لـ (ظنّ)، والمفعول الثاني مقدّر أي إن ظنّا إقامة حدود اللّه حاصلة «[76]»، (حدود) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (الواو) عاطفة (تلك حدود اللّه) سبق إعرابها في الآية السابقة (يبيّن) مضارع مرفوع، والفاعل هو و(ها) ضمير مفعول به (لقوم) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يبيّن) (يعلمون) مضارع مرفوع.. والواو فاعل.




روائع البيان والتفسير:

﴿ فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإن طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِقال السعدي - رحمه الله –ما مختصره: يقول تعالى: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ أي: الطلقة الثالثة ﴿ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ أي: نكاحا صحيحا ويطؤها، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا، ويدخل فيه العقد والوطء، وهذا بالاتفاق.




ويشترطأن يكون نكاح الثاني، نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول، فليس بنكاح، ولا يفيد التحليل.




ثم قال- رحمه الله-:

فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها، ثم فارقها وانقضت عدتها ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ أي: على الزوج الأول والزوجة ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ أي: يجددا عقدا جديدا بينهما، لإضافته التراجع إليهما، فدل على اعتبار التراضي.




ولكن يشترط في التراجع أن يظنا ﴿ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ بأن يقوم كل منهما، بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة، فهنا لا جناح عليهما في التراجع.




ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا، لأن جميع الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها.




وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصا الولايات الصغار والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بها، أقدم، وإلا أحجم.اهـ [77].




﴿ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ قال أبو جعفر الطبري –رحمه الله-:

يعني تعالى ذكره بقوله:"وتلك حدود الله" هذه الأمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات"حدود الله" معالم فصول حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته"يبينها" يفصلها، فيميز بينها، ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بينها الله لهم، فيعرفون أنها من عند الله، فيصدقون بها، ويعملون بما أودعهم الله من علمه، دون الذين قد طبع الله على قلوبهم، وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقونبأنها من عند الله، فهم يجهلون أنها من الله، وأنها تنزيل من حكيم حميد. ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون، إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها، وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها، وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإقرار والتصديق به.اهـ[78].




﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ والْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

إعراب مفردات الآية[79]:

(الواو) عاطفة (إذا) ظرف للزمن المستقبل يتضمّن معنى الشرط في محلّ نصب متعلّق بمضمون الجواب (طلّق) فعل ماض مبنيّ على السكون و(تم) ضمير في محلّ رفع فاعل (النساء) مفعول به منصوب (الفاء) عاطفة (بلغن) فعل ماض مبنيّ على السكون.. و(النون) ضمير فاعل (أجل) مفعول به منصوب و(هنّ) ضمير متّصل مضاف إليه، (الفاء) رابطة لجواب الشرط (أمسكوا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون و(هنّ) ضمير مفعول به (بمعروف) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من فاعل أمسكوهنّ أي متلبسين بمعروف (أو) حرف عطف للتخيير (سرّحوا) مثل أمسكوا و(هنّ) مفعول به (بمعروف) مثل الأول متعلّق بمحذوف حال من فاعل سرّحوهنّ (الواو) عاطفة (لا) ناهية جازمة (تمسكوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون.. والواو فاعل، و(هنّ) مفعول به (ضرارا) مفعول لأجله منصوب «[80]»، (اللام) للتعليل (تعتدوا) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وعلامة النصب حذف النون و.. الواو فاعل.




والمصدر المؤوّل (أن تعتدوا...) في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ (ضرارا).




(الواو) استئنافيّة (من) اسم شرط جازم مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (يفعل) مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (ذا) اسم إشارة مبنيّ في محلّ نصب مفعول به و(اللام) للبعد و(الكاف) للخطاب (الفاء) رابطة لجواب الشرط (قد) حرف تحقيق (ظلم) فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (نفس) مفعول به منصوب و(الهاء) ضمير مضاف إليه (الواو) استئنافيّة (لا تتّخذوا) مثل لا تمسكوا (آيات) مفعول به منصوب وعلامة النصب الكسرة (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (هزوا) مفعول به ثان منصوب (الواو) عاطفة(اذكروا) مثل أمسكوا (نعمة) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (على) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من نعمة اللّه «[81]» (الواو) عاطفة (ما) اسم موصول في محلّ نصب معطوفة على نعمة «[82]»، (أنزل) فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو أي اللّه (عليكم) مثل الأول متعلّق بـ (أنزل)، (من الكتاب) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من مفعول أنزل المقدّر أي ما أنزله عليكم من الكتاب (الواو) عاطفة (الحكمة) معطوف على الكتاب مجرور مثله (يعظ) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو و(كم) ضمير مفعول به (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (يعظ). (الواو) استئنافيّة (اتّقوا) مثل أمسكوا (اللّه) لفظ الجلالة مفعول به منصوب (الواو) عاطفة (اعلموا) مثل أمسكوا (أنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد (اللّه) لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب (بكلّ) جارّ ومجرور متعلّق بعليم (شيء) مضاف إليه مجرور (عليم) خبر أنّ مرفوع.والمصدر المؤوّل من أنّ واسمها وخبرها سدّ مسدّ مفعولي اعلموا.




روائع البيان والتفسير:

﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ قال ابن عثيمين - رحمه الله- في تفسيره:

قوله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النساء ﴾: الخطاب هنا لعامة الناس؛ أي إذا طلق الأزواج نساءهم؛ ﴿ فبلغن أجلهن ﴾: قال بعض العلماء: المراد قاربن بلوغ أجلهن؛ لأنها إذا بلغت الأجل انتهت العدة؛ ولا إمساك حينئذ؛ ولكن الصحيح أن المراد ببلوغ أجلهن حقيقة بلوغ الأجل؛ وذلك بطهرها من الحيضة الثالثة؛ ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ أيردوهن إلى عصمتكم - وهو مراجعة؛ ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ أي اتركوهن بدون مراجعة..اهـ[83].




﴿ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ﴾ قال البغوي- رحمه الله:

﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ أي لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أي أضر بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ قال الكلبي يعني قوله تعالى: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" وكل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا، وقال أبو الدرداء:هو أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول مثل ذلك، وينكح ويقول مثل ذلك.اهـ[84].




وزاد ابن عثيمين بياناً شافياً عن معني قوله تعالى ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ فقال- رحمه الله- ما مختصره:

تحريم اتخاذ آيات الله هزواً سواء اتخذ الكل أم البعض؛ فمثال اتخاذ آيات الله الشرعية هزواً أن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله عزّ وجلّ، سواء سخر بالشرع كله، أو بجزء منه؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة؛ وهناك فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله عزّ وجلّ؛ وبين من يسخر بالشرع، ويستهزئ به، ويرى أنه عبث، وأنه باطل، وما أشبه ذلك؛ فالأول له حكم العصاة؛ فإن كانت معصيته كبيرة تبلغ به الكفر فهو كافر؛ وإلا فهو فاسق؛ وإلا فهو دون الفاسق - كما لو كانت من صغائر الذنوب، ولم يصر عليها؛ وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا، ومضوا، وأن هذا العصر لا يصلح للعمل بهذا الشرع؛ فهذا لا شك أنه كافر؛ وإذا استهزأ مستهزئ بحامل الشريعة، أو العامل بها من أجل حمله الشريعة، أو عمله بها فهو كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال عزّ وجلّ في أولئك النفر الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون الرسول، وأصحابه - أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء»؛ قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ [التوبة: 65، 66]؛ أما الذين يقولون عن حملة الشرع، والعاملين به: «هؤلاء دراويش لا يعرفون المجتمع ولا الدنيا»، وما أشبه ذلك من الكلمات؛ فهؤلاء أيضاً كفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ﴾ [المطففين: 29 - 32]؛ وفي معنى ذلك قولهم: «هؤلاء رجعيون»، وقد ذكر الله في آخر الآيات ما يدل على كفرهم في قوله تعالى: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ [المطففين: 34]؛ فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين من أجل إيمانهم كفار.اهـ [85].




﴿ واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ والْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ قال السعدي في بيانها ما نصه:

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ عموما باللسان ثناء وحمدا، وبالقلب اعترافا وإقرارا، وبالأركان بصرفها في طاعة الله، ﴿ وَمَا أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ أي: السنة اللذين بيّن لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها، وطرق الشر وحذركم إياها، وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.




وقيل: المراد بالحكمة أسرار الشريعة، فالكتاب فيه الحكم، والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ولهذا قال ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ أي: بما أنزل عليكم، وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة أسرار الشريعة، لأن الموعظة ببيان الحكموالحكمة، والترغيب، أو الترهيب، فالحكم به يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة.




﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في جميع أموركم ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فلهذا بيّن لكم هذه الأحكام بغاية الإحكام والإتقان التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان،فله الحمد والمنة.اهـ[86].




﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وأَطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ

إعراب مفردات الآية[87]:

﴿ وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ ﴾ مرّ إعرابها مفردات وجملا «[88]»، و(الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) ناهية جازمة (تعضلوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون.. والواو فاعل و(هنّ) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به (أن) حرف مصدري ونصب (ينكحن) مضارع مبنيّ على السكون في محلّ نصب.. و(النون) فاعل (أزواج) مفعول به منصوب (هنّ) مضاف إليه.




والمصدر المؤوّل (أن ينكحن) في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف تقديره من أن ينكحن، والجار والمجرور متعلّق بـ (تعضلوهنّ).




(إذا) ظرف للزمن المستقبل يتضمّن معنى الشرط في محلّ نصب متعلّق بالجواب (تراضوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ المقدّر على الألف المحذوفة.. والواو فاعل (بين) ظرف مكان منصوب متعلّق بـ (تراضوا) و(هم) ضمير في محلّ جرّ مضاف إليه (بالمعروف) جارّ ومجرور متعلّق بـ (تراضوا) «[89]»، (ذا) اسم إشارة في محلّ رفع مبتدأ و(اللام) للبعدو(الكاف) للخطاب (يوعظ) مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (يوعظ)، (من) اسم موصول في محلّ رفع نائب فاعل (كان) فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود على من (من) حرف جرّ و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من فاعل (يؤمن) وهو مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من (باللّه) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يؤمن)، (اليوم) معطوف بالواو على لفظ الجلالة مجرور مثله (الآخر) نعت لليوم مجرور مثله (ذلكم) مثل ذلك (أزكى) خبر مرفوع وعلامة الرفع الضمّة المقدّرة على الألف (لكم) مثل منكم متعلّق بأزكى (أطهر) معطوف على أزكى بالواو مرفوع مثله (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يعلم) مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الواو) عاطفة (أنتم) ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ (لا) نافية (تعلمون) مضارع مرفوع وعلامة الرفع ثبوت النون.. والواو فاعل.




روائع البيان والتفسير:

سبب نزول قوله تعالى ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ما جاء في الصحيح المسند من أسباب النزول للمحدث العلامة أبي عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- قال ما نصه:

في البخاري-رحمه الله-" ج/ 9 - ص / 258" عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت ﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾.اهـ[90].




﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وأَطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ -قال السعدي- رحمه الله- في تفسيرها:

هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة، وأراد زوجها أن ينكحها، ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها، من أب وغيره؛ أن يعضلها؛ أي: يمنعها من التزوج به حنقا عليه؛ وغضبا؛ واشمئزازا لما فعل من الطلاق الأول.




وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، فإن ذلك أزكى لكم وأطهر وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه هو الرأي: واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم التزويج له كما هو عادة المترفعين المتكبرين.اهـ[91].




وأضاف ابن كثير-رحمه الله-في بيان قوله: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ما نصه:

أي هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، يأتمر به ويتعظ به وينفعل له ﴿ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ أي: يؤمن بشرع الله، ويخاف وعيد الله وعذابه في الدار الآخرةوما فيها من الجزاء ﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ أي: اتباعكم شرع الله في رد المولياتإلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك، أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ أي: من المصالح فيما يأمر به وينهى عنه ﴿ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون ولا فيما تذرون.اهـ[92].





[1] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 453 )




[2] في الآية (217) من هذه السورة.



[3]في الآية (217) من هذه السورة.



[4]هذا الإعراب يوافق قراءة النصب في الفظ (العفو) الآتي .. وثمّة وجه آخر مرجوح هو أن يكون (ما) اسم استفهام مبتدأ و(ذا) اسم موصول خبر، والجملة الاسمية الاستفهاميّة تفسيريّة، والفعلية صلة الموصول.



[5] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع( 1/ 579 )



[6] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 52 )



[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة( 1/ 98 )



[8]انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 456 )



[9] في الآية (215) من هذه السورة.



[10] أو متعلّق ب (يعلم) بتضمينه معنى يميّز.



[11] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 55 )



[12] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 99 )



[13] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1 / 255 )



[14] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4 / 361 )



[15] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 458 )



[16] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي الناشر: دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت - لبنان(1/ 91)



[17] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5/ 61 )

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.26 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.23%)]