وهذه حجة عقلية تقديرها: أنه لو كان خالقان لاستبدّ كل منهما بخلقه، فكان الذي يقدر عليه أحدهما لا يقدر عليه الآخر، ويؤدي إلى تناهى مقدوراتهما، وذلك يبطل الإلهية، فوجب أن يكون الإله واحدًا، ثم زاد في الحِجاج فقال: وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، أي: ولغلب بعضهم بعضًا في المراد، ولو أراد أحدهما إحياء جسم والآخر إماتته لم يصح ارتفاع مرادهما؛ لأن رفع النقيضين محال، ولا وقوعهما للتضاد، فنفى وقوع أحدها دون الآخر وهو المغلوب، وهذه تسمى: دلالة التمانع، وهي كثيرة في القرآن كقوله تعالى: ï´؟ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ï´¾ [الإسراء: 42] [36].
ï´؟ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ï´¾ [المؤمنون: 92].
قال ابن عبد السلام[37] في قوله تعالى: ï´؟ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ï´¾ إنما قدم الغيب مع أن علم المغيبات أشرف من المشاهدات، والتمدح به أعظم، وعلم البيان يقتضي تأخير الأمدح.
وأجاب بأن المشاهدات له أكثرُ من الغائب عنا، والعلم يشرف بكثرة متعلقاته؛ فكان تأخير الشهادة أولى.
وقول الشيخ: إن المشاهدات له أكثر، فيه نظر؛ بل في غيبه ما لايحصى: ï´؟ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ï´¾ [النحل: 8][38]، وإنما الجواب أن الانتقال للأمدح ترقٍّ، فالمقصود - هنا - بيان أن الغيب والشهادة في علمه سواء، فنزل الترقي في اللفظ منزلة ترقّ في المعنى، لإفادة استوائهما في علمه تعالى، ويوضحه قوله تعالى: ï´؟ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ï´¾ [الرعد: 10] [39] فصرَّح بالاستواء[40].
ï´؟ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ï´¾ [المؤمنون: 99].
قوله تعالى: ï´؟ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ï´¾أي: ارجعني، وإنما خاطب الواحد المعظَّم بذلك؛ لأنه يقول: نحن فعلنا، فعلى هذا الابتداء خوطبوا بما في الجواب، وقيل رَبِّ استغاثة، وارْجِعُونِ خطاب للملائكة، فيكون التفاتًا أو جمعًا لتكرار القول، كما قال: "قفا نبك..."[41].
وقال السهيلي[42]: هو قولُ من حضرته الشياطين وزبانية العذاب، فاختلط ولا يدري ما يقول من الشطط، وقد اعتاد أمرًا يقوله في الحياة، من رد الأمر إلى المخلوقين[43].
ï´؟ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ï´¾ [المؤمنون: 100].
قوله تعالى: ï´؟ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ï´¾ على معنى "ألا"، واختار قوم جعلها بمعنى: "حقًا" وهو بعيد؛ لأنه يلزم فتح "إن" بعدها ولم يقرأ به أحد[44].
ï´؟ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ï´¾ [المؤمنون: 101]
قوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ï´¾ المعنى: فإذا نفخ في الصور تقاطعوا، ودل عليه قوله: ï´؟ فَلَا أَنْسَابَ ï´¾[45].
ï´؟ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [المؤمنون: 114].
قوله تعالى: ï´؟ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾، تقديره: "لآمنتم" أو "لما كفرتم" أو "لزهدتم في الدنيا" أو "لتأهبتم للقائنا"[46].
ï´؟ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ï´¾ [المؤمنون: 117]قوله تعالى: لَا بُرْهَانَ لَهُ ، هي وصف لهذا الدعاء، وأنه لا يكون إلا عن غير برهان[47].
[1] المصدر السابق: الكلام على المفردات من الأدوات - من معاني قد التوقع 4/ 189.
[2] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه 4/ 55.
[3] سورة النساء: 23.
[4] هو الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي الشافعي؛ قال الحاكم: كان عالم أهل ما وراء النهر بالأصول، وأكثرهم رحلةً في الحديث، قال الحليمي: كان شيخنا القفال أعلم من لقيته من فقهاء عصره، له مصنفات كثيرة منها: "دلائل النبوة، محاسن الشريعة، آداب القضاء، شرح الرسالة، وغيرها"، مات في ذي الحجة بالشاش 365هـ. شذرات الذهب 4/ 245.
البرهان: معرفة أحكامه - قاعدة في العموم والخصوص 2/ 13.
[5] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - مما قدم النية به التأخير 3/ 179.
[6] هي قوله تعالى: ï´؟ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ï´¾ [النساء: 23].
البرهان: معرفة تفسيره وتأويله - تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه وإلى ما ليس ببين في نفسه فيحتاج إلى بيان 2/ 121.
[7] هو فقيه العصر والإمام الكبير والجليل الخطير، أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي، تقدمت ترجمته عند تفسير الآية رقم 93 من سورة مريم. انظر: تفسير ابن كثير، مؤسسة الريان، بيروت، لبنان، ط/ 3، ت/ 1428هـ - 2007م، ج/ 3 ص/ 1587.
[8] البرهان: معرفة أحكامه - ما يؤخذ بطريق الاستنباط 2/ 6.
[9] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - قاعدة في الضمائر 4/ 24.
[10] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - التوكيد الصناعي 2/ 241.
[11] سورة التعابن: 7.
[12] هو أبو محمد عبدالرحمن بن إبراهيم بن سِباع الفزاري الدمشقي الشافعي، تاج الدين الفركاح، فقيه الشام، وشيخ الإسلام، مولده في ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة، سمع من ابن الزبيدي وابن الصلاح والسخاوي وغيرهم، قال الذهبي: فقيه الشام، درس وناظر وصنّف، وانتهت إليه رئاسة المذهب في الدنيا، توفي في خامس جمادى الآخرة سنة 690هـ، شذرات الذهب 7/ 721.
[13] هذه العبارة لم ترد في الكشاف، انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة 5/ 1640.
[14] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - زيادة اللام 3/ 58.
[15] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - زيادة الباء 3/ 56.
[16] المصدر السابق: الكلام على المفردات من الأدوات - من معاني على 4/ 177.
[17] هو يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي أبو يعقوب السكّاكي، سراج الدين الخوارزمي، إمام في النحو والتصريف والمعاني والبيان والاستدلال والعروض والشعر، وله النصيب الوافر في علم الكلام وسائر الفنون، له كتاب: مفتاح العلوم؛ فيه اثنا عشر علمًا من علوم العربية، مات بخوارزم سنة 626هـ. بغية الوعاة 2/ 364 رقم الترجمة 2204.
انظر قوله في: مفتاح العلوم للسكاكي، دار الكتب العلمية، بيروت/ لبنان، ط/ 1، ت/ 1420هـ-2000م، ص/ 345.
[18] سورة المؤمنون: 24.
[19] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - أسباب التقديم والتأخير 3/ 150.
[20] سورة المؤمنون: 33.
[21] سورة المؤمنون: 24.
[22] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - ما قدم في آية وأخر في أخرى 3/ 181.
[23] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - وعد 4/ 106.
[24] معاني القرآن وإعرابه، للزجاج 4/ 12.
[25] البرهان: الكلام على المفردات من الأدوات - هيهات 4/ 264.
[26] المصدر السابق: الكلام على المفردات من الأدوات - عن 4/ 178.
[27] المصدر السابق: أقسام معنى الكلام - استفهام الإنكار 2/ 204.
[28] المصدر السابق: علم المبهمات 1/ 115.
[29] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - لفظ جعل 4/ 84.
[30] البرهان: وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن الكريم 2/ 147.
[31] هو محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي، الإمام الجليل الأصولي، أحد أصحاب الوجوه المُسفِرة عن فضله، والمقالاتِ الدالة على جلالة قدره، وكان يقال: إنه أعلم خلق الله تعالى بالأصول، بعد الشافعى، تفقه على ابن سُريج، وسمع الحديث من أحمد بن منصور الرَّمادى، روى عنه على بن محمد الحلبي، ومن تصانيفه "شرح الرسالة" و"كتاب فى الإجماع" و"كتاب فى الشروط"، توفى سنة ثلاثين وثلاثمائة. طبقات الشافعية 3/ 186، رقم الترجمة 152.
[32] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - الخروج على خلاف الأصل وأسبابه 3/ 7.
[33] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - وضع النداء موضع التعجب 3/ 220.
[34] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - قاعدة في الضمائر 4/ 20.
[35] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنون البليغة - حذف الحرف 3/ 137، الكلام على المفردات من الأدوات - لو 4/ 227.
[36] سورة الإسراء: 42. البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - إلجام الخصم 3/ 286.
[37] لم أقف على قوله في تفسيره.
[38] سورة النحل: 8.
[39] سورة الرعد: 10.
[40] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - قواعد في النفي 3/ 250.
[41] من قول امرئ القيس في أول معلقته: قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل...، انظر: ديوان امرئ القيس، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/ 5، ت/ 1425هـ-2004م، ص/ 110.
[42] انظر قوله في: الروض الأنف، للمحدث عبدالرحمن السهيلي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ت/ 1410هـ-1990م، ج/ 5 ص/ 34.
[43] البرهان: وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن الكريم - خطاب الواحد بلفظ الجمع 2/ 147.
[44] المصدر السابق: الكلام على المفردات من الأدوات - من معاني كلا 4/ 195.
[45] المصدر السابق: الكلام على المفردات من الأدوات - إذا 4/ 126.
[46] البرهان: أساليب القرآن وفنون البليغة - حذف الأجوبة 3/ 120.
[47] المصدر السابق: أساليب القرآن وفنونه البليغة - قواعد في النفي 3/ 244.