بقلم الحافظ ابن حجر العسقلاني: نبذ من سيرته الذاتية وفوائده ونظمه (نص محقق) (2)
محمد بن عبدالله السريِّع
1- ومن نظم كاتبه في المدائح النبوية[1] [2]:
لو أن عُذَّالي لوجهكَ أسلموا *** لرجوتُ أني في المحبة أسلمُ
كيف السبيلُ لِكَتمِ أسرار الهوى *** ولسانُ دَمعي بالغرام يُترجِمُ
لامَ العواذلُ كلَّ صَادٍ لِلِّقا *** ومَلامُهُمْ عَينُ الخطا إن يَعلَموا
لم يعلموا بمن الهوى لكِنَّهم *** لاموا لعلمهمُٓ[3] بأني مُغرَمُ
لامُوا ولَمَّا يأتِهِم تأويلُ ما *** لامُوا عليه لأنهم لم يَفهَمُوا
إنْ أَبْرموني بالملامِ فإنَّ لي *** صبرًا سيَنقُض كُلَّ ما قَد أَبْرَمُوا
ما شاهَدُوا ذاكَ الجمالَ وقد بَدَا *** فأنا الأصمُّ عن الملامِ وهُم عَمُوا[4]
ولئن دَرَوا أني عَشِقتُ فإنه *** لِهَوى القُلوبِ سَريرَةٌ لا تُعلَمُ
والصمت أسلم إن لَحَوني في الهوى *** لكنَّ قلبي بالجوى يتكلمُ / 41أ/
ولقد كتمتُ هواك لكنْ مُقلَتي *** شوقًا إلى مَغناك ليسَتْ تَكتُمُ
أبكي عَقيقًا وهو دَمعي والغَضَا *** وهو الذي بينَ الجوانِحِ يُضْرَمُ
والدمعُ في رَبع الأحبةِ سائلٌ *** يا وَيحَهُ مِن سائلٍ لا يُرحَمُ!
وحديثُ وَجدِي في هواك مُسَلسَلٌ *** بالأوليَّةِ مِن دموعٍ تُسجمُ
يا عاذِلي إني جُنِنتُ بِحُبِّهم *** وإلى سِوى أوطانِهم لا أعزمُ
ولئن عَزمتُ على السُّلُوِّ فليس لي *** يومًا على ذاك الجُنون مُعَزّمُ
وهمُ الأحبَّةُ إنْ جَفَوا أو واصَلوا *** والقَصدُ إنْ أشْقَوا وإنْ هُمْ نَعَّمُوا[5]
إن واصَلوا فالليلُ أبيَضُ مُشرقٌ *** أو قاطَعوا فالصُّبحُ أسودُ مُظلِمُ
فالصُّبحُ يُشرقني بغربِ مَدامِعٍ *** لم تحكِ نوءَ الفَيض منها الأنجُمُ
والليل يَظلمني فيُظلم بعدهم *** لكنْ عُذولي في هواهُمْ أظلَمُ[6]
أحبابَنا كم لي عليكم وقفة *** وعليَّ وَصلُكمُ الحلالُ محرَّمُ
وأقَمتُ فيكُم راغبًا[7] فحُجِبتُمُ *** ورحلتُ عنكم آيسًا[8] فسفرتمُ
ما أعجبَ الدهرَ المفَرِّقَ بينَنا *** بتَجانُسٍ إذ كنتُ بِنْتُ فبِنْتُمُ
ولقَد أقول لعُذَّلي في حُبِّكُمْ *** والنارُ بينَ جوانِحِي تتَضَرَّمُ:
يا أيُّها الملأُ الذين تفرَّغوا *** مِن حاله المضنى دَعُوهُٓ عنكُمُ / 41ب/
كيف السَّبيل إلى الحياةِ لِمُغرَمٍ *** والموتُ إن صَدَّ[9] الأحبَّةُ مَغنَمُ
يا هاجِرِي وحياة حُبِّكَ[10] مِتُّ مِن *** شوقٍ[11] إليك تَعِيشُ أنتَ وتَسلَمُ
جِسمي أخَفُّ مِن النَّسيم نحافَةً *** وثَقُلتُ في سقمي[12] المبرِّحِ مِنكُمُ
إن كان ذنبي الانقطاعُ فحُبُّكُم *** باقٍ وأنتُمْ في الحقيقَةِ أنتُمُ
لم يُنْسِ أفكاري قَديمُ عُهودِكُم *** إلا حَديث المصطفى المُستَغنَمُ[13]
آثارُ خَيرِ المرسلين بها شِفَا *** داءِ الذُّنوبِ لِخائفٍ يتَهَوَّمُ[14]
هو رحمةٌ للناس مُهدَاةٌ فيا *** ويلَ المعانِد إنه لا يُرحَمُ
نالَ الأمانَ المؤمنونَ به إذا *** شُبَّتْ وُقودًا للطُّغاة[15] جَهَنَّمُ
اللهُ أيَّدَهُ فليسَ عن الهوى *** في أَمرِهِ أو نَهيِهِ يتَكَلَّمُ
فليَحذَرِ المرءُ المخالِفُ أَمرَهُ *** مِن فِتنةٍ أو مِن عذابٍ يُؤلمُ
ذو المعجِزاتِ الباهِرَاتِ فَسَلْ بها *** نُطقَ الحصى وبهائمًا تتَكَلَّمُ[16]
حُفِظَتْ لِمَولِدِه السَّماءُ وبُشِّرَتْ *** فالمارِدُون بِشُهْبِها قد رُجِّمُوا[17]
هذا وآمنةٌ رَأَتْ نارًا لها *** بُصرَى أضاءَتْ والدَّياجي تُظلِمُ
وبِلَيلةِ الإسراءِ سارَ بِجِسمِهِ *** والروحُ جِبريلُ المطَهَّرُ يقدمُ[18] / 42أ/
صَلَّى بأملاكِ السَّما والأنبِيَا *** ولَهُ عليهم رِفعَةٌ وتَقَدُّمُ
وعَلا إلى أن جازَ أَعلى[19] غايةٍ *** لِلغَيرِ لا تُرجَى ولا تُتَوهَّمُ
ولِقَابِ قَوسَينِ اعتَلا لَمَّا دَنَا *** أو كان أدنى والمهَيمِنُ أَعلَمُ
يا سَيِّدَ الرُّسل الذي آياتُهُ *** لا تَنقَضِي أبدًا ولا تتَصَرَّمُ
ماذا يقول المادِحُونَ ومَدحُكُم *** فَضْلًا[20] به نَطَقَ الكِتاب المحكَمُ
المُعجِزُ الباقي وإنْ طالَ المدى *** ولِأَبلَغِ البُلَغاءِ فهو المُفحِمُ
الأمرُ أعظَمُ مِن مقالةِ قائلٍ *** إنْ رَقَّقَ البُلَغاءُ[21] أو إنْ فَخَّمُوا
مِن بَعضِ ما أُعطِيتَ[22] خَمسُ خَصائصٍ *** لم يُعطَهَا الرُّسلُ الذين تقَدَّمُوا
جُعِلَتْ لك الأرضُ البَسِيطَةُ مَسجِدًا *** طُهرًا يُصَلِّي الناسُ أو يتَيَمَّمُوا[23]
ونُصِرْتَ بالرُّعبِ المرَوِّعِ قلبَ مَنْ *** عادَاكَ مِن شَهرٍ فأصبَحَ يُهزَمُ
وأُعِيدَتِ الأنفالُ حِلًّا بعدَ أنْ *** كانَتْ مُحَرَّمَةً فطابَ المَغْنَمُ
وبُعِثْتَ للثَّقَلَين تُرشِدُهم إلى الدِّينِ القَوِيمِ وسَيفُ دِينِك قَيِّمُ
وخُصِصْتَ فَضْلًا بالشَّفاعَةِ في غَدٍ *** فالمسلمونَ بِفَضلِها قد عُمِّمُوا
ومَقامُكَ المحمودُ في يَومِ القَضَا *** حَيثُ السَّعِيدُ مُنَاه[24] نَفسٌ تَسلَمُ
يَحْبُوكَ رَبُّكَ مِن مَحَامِدِهِ التي *** تُعطَى بها ما تَرتَجِيهِ وتَغْنَمُ / 42ب/
ويقول: قُل يُسْمَع[25] وسَلْ تُعْطَ المُنَى *** واشفَعْ تُشَفَّعْ في العُصَاةِ لِيُرحَمُوا
فهُناك يَغبِطُكَ الوَرَى ويُسَاءُ مَنْ *** جَحَدَ النُّبُوَّةَ إذْ يُسَرُّ المسلِمُ
يا مَنْ لَهُ سُنَنٌ وآثارٌ إذا *** تُلِيَتْ يَرى الأعمى ويَغْنَى الُمعدمُ
صَلَّى عليكَ وسَلَّمَ اللهُ الذي *** أعلاكَ ما لَبَّى الحَجِيجُ وأحرَمُوا
وعلى قَرابَتِك المُقَرَّرِ فَضلُهُمْ *** وعلى صَحابَتِكَ الذين هُمُ هُمُ
جادُوا عَلَوا ضَاؤوا حَمَوا زَانُوا هَدَوا *** فَهُمُ على السِّتِّ الجِهَاتِ الأَنجُمُ
نَصَروا الرسُولَ وجاهَدَوا مَعَهُ وفي *** سُبلِ الهُدَى بَذَلُوا النُّفوسَ وأسلَمُوا
والتَّابِعِين لَهُم بإحسَانٍ فَهُمْ *** نقَلَوُا لِمَا حَفِظُوهُ مِنهُمْ عَنهُمُ
وأَتَى على آثارِهِمْ أتباعُهُمْ *** فتَفَقَّهُوا فيما رَوَوْا وتَفَهَّمُوا[26]
هُمْ دَوَّنُوا السُّنَنَ الكِرامَ فنَوَّعُوا *** أبوابَها لِلطَّالِبِينَ وقَسَّمُوا
وأَصَحُّ كُتْبِهُمُ على المَشهُورِ ما *** جَمَعَ البُخارِي قال ذاكَ المُعْظَمُ
وتَلَاه مُسلِمٌ الذي خَضَعَتْ لَهُ *** في الحِفظِ أعنَاقُ الرِّجال وسَلَّمُوا
فَهُما أَصَحُّ الكُتْبِ فيما يُحتَكى *** إلا كِتاب اللهِ فَهْوَ مُقَدَّمُ / 43أ/
قُلْ لِلمُخالِفِ: لا تُعانِد إنَّهُ *** ما شَكَّ في فَضلِ البُخارِي مُسلِمُ
رَسَمَ المُصَنَّفَ بالصَّحِيحِ وكُلُّ ذي *** لُبٍّ[27] غَدَا طَوعًا لِمَا هُوَ يَرسُمُ
هذا يَفُوقُ بِنَقدِهِ[28] وبِفِقهِهِ *** لا سِيَّما الأبواب[29] حِينَ يُتَرْجِمُ
وأبو الحُسَينِ بِجَمعِهِ وبِسَردِهِ *** فالجَمعُ بَينَهُما الطَّريقُ الأَقوَمُ
فجَزَاهُما اللهُ الكَرِيمُ بِفَضلِهِ *** أجرًا بِنَاءُ ثَنَائِهِ لا يُهدَمُ[30]
ثم الصَّلاةُ على النَّبيِّ فإنَّهُ *** يُبدَا بِهِ الذِّكرُ الجَمِيلُ ويُختَمُ
يا أيُّها الرَّاجُونَ فَضلَ[31] شَفَاعَةٍ *** مِن أحمَدٍ صَلُّوا عليهِ وسَلِّمُوا[32]
عِدَّتها تزيد على السَّبعين[33].
وكان أوَّل ما نُظِمَتْ سنة 797[34].
♦ ♦ ♦ ♦
ومن نَظمِه في الأغراض المختلفة:
2- قال مُلغِزًا في ناقة:
يا أيُّها القارِئُ ما آيَةٌ *** أَحرُفُها أربَعَةٌ ظاهِرَهْ
وقيل حَرفٌ واحِدٌ كُلُّها *** فاعْجَبْ لها مِن آيَةٍ باهِرَهْ[35]
3- وقال في الوعظ:
سِيرُوا بِنَا لِمَتَابٍ *** إنَّ الزَّمانَ[36] يَسِيرُ
إنَّا لِدارِ البِلَى ما *** لنا مُجِيرٌ نَصِيرُ[37] / 43ب/
4- وقال لما احترقَتْ كُتب الشيخ سراج الدين ابن المُلَقِّن:
ألا يا سراجَ الدِّين لا تأسَ إنْ عثت[38] *** بكُتْبِكَ نارٌ ما لمقدُورها[39] عارُ
لِرَبِّك قد قَدَّمتَها فتُقُبِّلَتْ *** كذلِكُم القُربانُ تأكُلُهُ النارُ[40]
يتبع