أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
كتاب الجنائز
قال المحب الطبري: لم أر ذلك لغيره، وحجته حجة الذي قبله الجمود على قصة النجاشي، وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي بأمور منها:
أنه كان بأرض لم يُصل عليه بها أحد؛ فتعينت عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية، وبه ترجم أبو داود في "السنن": (الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر)[48].
وهذا محتمل؛ إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يصل عليه في بلده أحد.
ومن ذلك قول بعضهم: كشف له صلى الله عليه وسلم عنه حتى رآه؛ فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه، ولم يره المأمومون، ولا خف في جوازها.
قال ابن دقيق العيد: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال.
وتعقبه بعض الحنفية[49]: بأن الاحتمال كافٍ في مثل هذا من جهة المانع.
وكأن مستند قائل ذلك ما ذكره الواقدي[50] في "أسبابه" بغير إسناد عن ابن عباس قال: كُشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه، ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفوا خلفه، وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه. أخرجه من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب عنه[51].
ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره، عن يحيى: فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا.
ومن الاعتذارات أيضاً: أن ذلك خاص بالنجاشي؛ لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ميت [185أ] غائب غيره.
قال المُهلب: وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية الليثي. وقد ذكرتُ في ترجمته في "الصحابة" أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه[52].
واستند من قال بتخصيص النجاشي لذلك إلى ما تقدم من إرادة إشاعة أنه مات مسلماً، أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته.
قال النووي: لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله.
وقال ابن العربي المالكي: قال المالكية[53]: ليس ذلك إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم.
قلنا: وما عمل به محمد صلى الله عليه وسلم تعمل به أُمتهُ، يعني: لأن الأصل عدم الخصوصية. قالوا: طُويت له الأرض، وأُحضرت الجنازة بين يديه. قلنا: إن ربنا عليه لقادر، وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات، ودعوا الضعاف، فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف[54].
وقال الكرماني: قولهم (رُفع الحجاب عنه) ممنوع، ولئن سلمنا، فكان غائباً عن الصحابة الذين صلوا عليه مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ: وسبق إلى ذلك الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، ويؤيده حديث مجمع بن جارية في قصة الصلاة على النجاشي قال: فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئاً. أخرجه الطبراني، وأصلُهُ في ابن ماجه[55].
لكن أجاب بعض الحنفية عن ذلك بما تقدم من أنه يصير كالميت الذي يصلي عليه الإمام، وهو يراه، ولا يراه المأمومون، فإنه جائز اتفاقاً"[56].
وقال في "الاختيارات": "ولا يُصلى على الغائب عن البلد إن كان صلي عليه، وهو وجه في المذهب[57]... إلى أن قال: ولا يُصلى كل يوم على غائب؛ لأنه لم يُنقل، يؤيده قول الإمام أحمد[58]: إذا مات رجل صالح صلي عليه"[59] انتهى.
قلت: لم يُنقل أن الناس الغائبين صلوا صلاة الميت على النبي صلى الله عليه وسلم في بلدانهم، ولا على أحدٍ من الخلفاء الراشدين، ولا على أحد من العلماء الصالحين على عهد الصحابة رضي الله عنهم [185ب].
[1] الروض المربع ص149.
[2] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/221.
[3] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.
[4] تحفة المحتاج 3/133، ونهاية المحتاج 2/485.
[5] كشاف القناع 4/154، وشرح منتهى الإرادات 2/117.
[6] الإفصاح 2/280.
[7] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 6/182.
[8] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/221.
[9] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.
[10] أي: شيخ الإسلام ابن تيمية.
[11] الفروع 2/251.
[12] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.
[13] فتح القدير 1/ 458 - 459، وحاشية ابن عابدين 2/237.
[14] تحفة المحتاج 3/150، ونهاية المحتاج 2/486.
[15] كشاف القناع 4/ 151 - 152، وشرح منتهى الإرادات 2/121.
[16] المحلى 5/140.
[17] شرح منتهى الإرادات 2/121، وكشاف القناع 4/152.
[18] التمهيد 6/261.
[19] البخاري 460، ومسلم 956.
[20] الموطأ 1/227 533.
[21] بداية المجتهد 1/220 - 221.
[22] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/222. والشرح الصغير 1/202 - 203، وحاشية الدسوقي 1/427.
[23] تحفة المحتاج 3/149 - 150، ونهاية المحتاج 2/485. وشرح منتهى الإرادات 2/117 - 118، وكشاف القناع 4/154 - 155.
[24] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/222. والشرح الصغير 1/202 - 203، وحاشية الدسوقي 1/427.
[25] فتح القدير 1/452. وحاشية ابن عابدين 2/211. والشرح الصغير 1/203. وتحفة المحتاج 3/160 - 161، ونهاية المحتاج 2/493 - 494. وشرح منتهى الإرادات 2/121 - 122، وكشاف القناع 4/161 - 162.
[26] بداية المجتهد 1/224.
[27] البخاري 1336. وأخرجه أيضاً مسلم 954.
[28] البخاري 1321. وأخرجه أيضاً مسلم 954.
[29] تحفة المحتاج 3/150، ونهاية المحتاج 2/486. وشرح منتهى الإرادات 2/121، وكشاف القناع 4/151 - 152.
[30] الشرح الصغير 1/203، وحاشية الدسوقي 1/427.
[31] فتح القدير 1/458 - 459، وحاشية ابن عابدين 2/237.
[32] ابن حبان 7/355 - 356 3086.
[33] تقدم تخريجه 2/358.
[34] ابن حبان 7/357.
[35] تحفة المحتاج 3/151، ونهاية المحتاج 2/486 - 487.
[36] فتح الباري 3/205.
[37] البخاري 1318. وأخرجه أيضاً مسلم 951.
[38] تقدم تخريجه 2/358.
[39] البخاري 1320. وأخرجه أيضاً مسلم 952.
[40] تحفة المحتاج 3/133، ونهاية المحتاج 2/485.
[41] كشاف القناع 4/154، وشرح منتهى الإرادات 2/117.
[42] المحلى 3/399 610.
[43] الأم 7/222.
[44] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/221.
[45] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.
[46] الاستذكار 8/233 11213.
[47] صحيح ابن حبان 7/367.
[48] سنن أبي داود 4/57 3196، تحقيق: محمد عوامة، ووقعت هذه الترجمة في بقية نُسخ السنن بلفظ مختلف، وهو: "باب: الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك".
[49] انظر: فتح القدير 1/546، وحاشية ابن عابدين 2/221.
[50] كذا في الأصل والفتح وهو خطأ، وصوابه: "الواحدي"، وهو في كتابه أسباب النزول ص145.
[51] ابن حبان 7/369 3102.
[52] الإصابة 6/159 - 160.
[53] الشرح الصغير 1/203، وحاشية الدسوقي 1/427.
[54] عارضة الأحوذي 4/259 - 260.
[55] الطبراني 5/218 5142، وابن ماجه 1536، من طريق معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل، عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه.
ولكن ليس فيه: "وما نرى شيئاً".
قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
[56] فتح الباري 3/188 - 189.
[57] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 6/182.
[58] الفروع 2/251.
[59] الاختيارات الفقهية ص87.