الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (10)
- حكم الدخول إلى أرض الطاعون أو الفرار منها
د.وليد خالد الربيع
قال الله -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ علَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ}(البقرة: 243)، قال ابن سعدي:” يقص -تعالى- علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر؛ فقال الله لهم: موتوا؛ فماتوا، ثم إن الله -تعالى- أحياهم بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى»، قال ابن العربي: «الْأَصَحُّ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا كَانَ فِرَارًا مِنْ الطَّاعُونِ، وَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ فِي مِلَّتِنَا لَمْ يَتَغَيَّرْ».
وقد اختلف العلماء في مسألتي الدخول إلى أرض الطاعون والفرار منها، وخلاصته:
المسألة الأولى: حكم الدخول إلى بلد وقع فيها الطاعون:
المذهب الأول
النهي عن الدخول إلى بلد فيها الطاعون للتنزيه، ويجوز الإقدام عليه لمن قوي توكله وصح يقينه، دليلهم عن ابن عمر قال: جئت عمر حين قدم فوجدته قائلا في خبائه؛ فانتظرته في ظل الخباء؛ فسمعته يقول حين تضور: «اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ». أخرجه ابن أبي شيبة بسند جيد كما قال ابن حجر؛ فتمسكوا بندم عمر على رجوعه مع علمه بالنهي مما يدل على أن النهي للتنزيه وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل، ونوقش بأنه لا يصح عن عمر.
وأجيب بأن سنده قوي، فعلى هذا يحتمل أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين، فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع، مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين، ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قرب؛ فلعله بلغه ذلك فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه.
المذهب الثاني
جواز رجوع من أراد دخول بلد فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما هي من منع الإلقاء إلى التهلكة. وهو مذهب الجمهور كما ذكر النووي وغيره لما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عامر أن عمر رضي الله عنه خرج إلى الشأم فلما جاء بسرغ بلغه أن الوباء وقع بالشأم؛ فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» فرجع عمر من سرغ .
الطاعون رجز أو عذاب
وأخرج الشيخان عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون فقال أسامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم؛ فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه».
عَلَى الْمَرْءِ تَوَقِّي الْمَكَارِهِ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: «فِي حَدِيثِ سَعْدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ تَوَقِّي الْمَكَارِهِ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَتَجَنُّبَ الْأَشْيَاءِ الْمَخُوفَةِ قَبْلَ هُجُومِهَا، وَأَنَّ عَلَيْهِ الصَّبْرَ وَتَرْكَ الجزع بعد نزولها، وذلك أنه -عليه السَّلَامُ- نَهَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضِ الْوَبَاءِ عَنْ دُخُولِهَا إِذَا وَقَعَ فِيهَا، وَنَهَى مَنْ هُوَ فِيهَا عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِهِ فِيهَا فِرَارًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ كُلِّ مُتَّقٍ مِنَ الْأُمُورِ غَوَائِلَهَا، سَبِيلُهُ فِي ذَلِكَ سَبِيلُ الطَّاعُونِ»، وقال القرطبي: «قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَصْحَابِهِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ مُحْتَجًّا عَلَيْهِ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟! فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ» نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ.
مَحِيصَ لِلْإِنْسَانِ عَمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ
الْمَعْنَى: أَيْ: لَا مَحِيصَ لِلْإِنْسَانِ عَمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَمَرَنَا اللَّهُ -تَعَالَى- بِالتَّحَرُّزِ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالْمُهْلِكَاتِ، وَبِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي التَّوَقِّي مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؟؛ فَرَجَعَ عُمَرُ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ».
حكم الخروج من أرض الطاعون
المسألة الثانية: حكم الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون:
جواز الخروج
المذهب الأول: جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين الأسود بن هلال ومسروق، واستدلوا بما أخرج أحمد بسند صحيح إلى أبي منيب:أن عمرو بن العاص قال في الطاعون: إن هذا رجز مثل السيل، من تنكبه أخطأه. ومثل النار، من أقام أحرقته؛ فقال شرحبيل بن حسنة: إن هذا رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم.
قال ابن حجر: «وأخرج أحمد من طريق أخرى أن المراجعة في ذلك أيضا وقعت من عمرو بن العاص ومعاذ، وفي معظم الطرق أن عمرو بن العاص صدق شرحبيل وغيره على ذلك».
قال الطحاوي: «استدل من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا: وإنما نهى عن ذلك خشية أن يعدي من دخل عليه.
قال: وهو مردود؛ لأنه لو كان النهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج، وقد ثبت النهي أيضا عن ذلك فعرف أن المعنى الذي لأجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى، والذي يظهر - والله أعلم - أن حكمة النهي عن القدوم عليه لئلا يصيب من قدم عليه بتقدير الله فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه؛ فأمر ألا يقدم عليه حسما للمادة، ونهى من وقع وهو بها أن يخرج من الأرض التي نزل بها لئلا يسلم فيقول مثلا: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء».
يحرم الخروج
المذهب الثاني: يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية .
وهو مذهب الجمهور كما ذكره النووي وغيره مستدلين بالأحاديث المتقدمة في النهي عن الدخول عليه أو الفرار منه، ويؤيد هذا الوعيد الثابت في حق من فر منه فقد أخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة: قلت يا رسول الله فما الطاعون؟ قال: «غدة كغدة الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفار منها كالفارِّ من الزحف»، وقد حسن ابن حجر سنده
وأخرج أحمد من حديث جابر رفعه: «الفارُّ من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف» وصححه الألباني، قال ابن حجر:»الصور ثلاث:
من خرج لقصد الفرار محضا فهذا يتناوله النهي لا محالة.
ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا، ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا ولم يكن الطاعون وقع؛ فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه؛ فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي.
والثالث من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون؛ فهذا محل النزاع».
وبهذا يترجح مذهب الجمهور في منع دخول الأرض التي فيها الطاعون، وكذلك منع الفرار منها.