الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (9)
- المسائل الفقهية في تطهير بيت الله لِلطَّائِفِينَ
د.وليد خالد الربيع
لا نزال مع الأحكام الفقهية في قصة بناء إبراهيم -عليه السلام- وابنه إسماعيل بيت الله الحرام، واليوم نقف مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، قال ابن سعدي: أي: أوحينا إليهما، وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي، ومن الرجس والنجاسات والأقذار قدم الطواف لاختصاصه بالمسجد الحرام، ثم الاعتكاف؛ لأن من شرطه المسجد مطلقا.ثم الصلاة، مع أنها أفضل لهذا المعنى.
وأضاف الباري البيت إليه لفوائد منها ما يلي: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره لكونه بيت الله؛ فيبذلان جهدهما ويستفرغان وسعهما في ذلك. ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام؛ ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.
ومنها: أن هذه الإضافة، هي السبب الجالب للقلوب إليه.
الطواف أفضل أم الصلاة؟
المسألة السادسة: الطواف أفضل أم الصلاة عند الكعبة؟
اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء في هذه المسألة:
المذهب الأول
الطَّوَاف لِأَهْلِ الْأَمْصَار أَفْضَل، وَالصَّلَاة لِأَهْلِ مَكَّة أَفْضَل، وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجَاهِد، وهو قول مَالِك؛ لأن الله -تعالى- قدم الطواف في الآية على غيره، فهو أفضل؛ ولأن الصلاة يمكن فعلها في كل مكان، أما الطواف فلا يمكن إلا بالكعبة فهو مختص بها؛ فهو أفضل.
المذهب الثاني
الصَّلَاة أَفْضَل، وهو قول الجمهور للْأَخْبَار الكثيرة فِي فَضْل الصَّلَاة وَالسُّجُود، قال الشيخ ابن باز : «فقد ذكر جمع من أهل العلم أن الغريب الأفضل له أن يكثر من الطواف؛ لأنه ليس بمقيم، ولا يحصل له الطواف إلا بمكة، أما المقيم بمكة فهو نازل مقيم، والصلاة أفضل له؛ لأن جنس الصلاة أفضل من جنس الطواف؛ فإذا أكثر من الصلاة كان أفضل، أما الغريب الذي ليس بمقيم؛ فهذا يستحب له الإكثار من الطواف؛ لأنه ليس بمقيم، بل سوف ينزح ويخرج عن مكة؛ فاغتنامه الطواف أولى؛ لأن الصلاة يمكنه الإتيان بها في كل مكان، يعني كل هذا في النافلة، أعني: طواف النافلة، وصلاة النافلة».
المسألة السابعة
وجوب تطهير المساجد
دلت الآية الكريمة على وجوب العناية بالمساجد وتنظيفها واحترامها؛ فعَنْ عَائِشَةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها- قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ الله صلى لله عليه وسلم بِبِنَاءِ المسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ».
ذكر الشيخ ابن عثيمين أن تطهير البيت ينقسم إلى قسمين:
تطهير معنوي
أن يطهر من الشرك والمعاصي؛ وذلك لأن الشرك نجاسة كما قال -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}.
التطهير الحسي
بأن يطهر من الأقذار، وهذا الحكم ثابت للمسجد الحرام ولغيره من المساجد؛ ولهذا لما بال الأعرابي في مسجد النبي صلى لله عليه وسلم أمر النبي صلى لله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه، قال القرطبي: «لَمَّا قَالَ اللَّه -تَعَالَى-:{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي} دَخَلَ فِيهِ بِالْمَعْنَى جَمِيع بُيُوته -تَعَالَى-؛ فَيَكُون حُكْمهَا حُكْمه فِي التَّطْهِير وَالنَّظَافَة، وَإِنَّمَا خُصَّ الْكَعْبَة بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرهَا، أَوْ لِكَوْنِهَا أَعْظَم حُرْمَة».
المسألة الثامنة
حكم الصلاة داخل الكعبة
قال القرطبي: «لَا نَعْلَم خِلَافًا بَيْن الْعُلَمَاء فِي صِحَّة النَّافِلَة فِي الْكَعْبَة»، واختلفوا في صلاة الفرض على مذهبين:
المذهب الأول
تجوز الصلاة في داخل الكعبة مطلقا، وهو قول الحنفية والشافعية، واِسْتَدَلوا بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى جَوَاز الصَّلَاة الْفَرْض وَالنَّفْل دَاخِل الْبَيْت؛ فقوله -تعالى-: {والركع السجود} يشمل المصلين عموما، وبما رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ: دَخَلَ رَسُول اللَّه صلى لله عليه وسلم هُوَ وَأُسَامَة بْن زَيْد وَبِلَال وَعُثْمَان بْن طَلْحَة الْبَيْت فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْت أَوَّل مَنْ وَلَجَ فَلَقِيت بِلَالًا فَسَأَلْته: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُول اللَّه صلى لله عليه وسلم ؟ قَالَ: نَعَمْ بَيْن الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَفِيهِ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَاره وَعَمُودًا عَنْ يَمِينه وَثَلَاثَة أَعْمِدَة وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْت يَوْمئِذٍ عَلَى سِتَّة أَعْمِدَة.
المذهب الثاني
تجوز صلاة النافلة لا الفريضة، وهو قول المالكية والحنابلة، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَة بْن زَيْد أَنَّ النَّبِيّ صلى لله عليه وسلم مَّا دَخَلَ الْبَيْت دَعَا فِي نَوَاحِيه كُلّهَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ؛ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُل الْكَعْبَة رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَة» وَهَذَا نَصّ، ولاشك أن رواية ابن عمر مقدمة؛ لأنه أثبت فعل الصلاة والمثبت مقدم على النافي، كما أن رواية ابن عباس لها احتمالات ذكرها شراح الحديث.
قول ابن باز
قال الشيخ ابن باز: «الصلاة في الكعبة جائزةٌ، بل مشروعة؛ فالنبيُّ صلى لله عليه وسلم صلَّى في الكعبة لَمَّا فتَح مكة، دخَلَها وصلَّى فيها ركعتين، وكبَّر ودعا في نواحيها -عليه الصَّلاة والسَّلام-، وجعل بينه وبين الجدار القريب منها حين صلَّى ثلاثةَ أذرع -عليه الصلاة والسلام-، وقال لعائشة في حجَّة الوداع لَمَّا أرادت الصلاة في الكعبة: «صلِّي في الحِجر؛ فإنه من البيت»، لكن ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يُصلي فيها الفريضة، بل تُصلى في خارجها؛ لأنَّها هي القبلة فتُصلي الفريضة في خارجها، وأما النافلة فلا بأس؛ لأنَّ الرسول صلى لله عليه وسلم صلَّى فيها النافلة، ولم يصلِّ فيها الفريضة.
والصواب: أنه لو صلَّى فيها الفريضة أجزأه وصحَّت، لكن الأفضل والأَوْلى أن تكون الفريضة خارجَ الكعبة، خروجًا من الخلاف، وتأسيًا بالنبي صلى لله عليه وسلم ؛ فإنَّه صلَّى بالناس الفريضةَ خارج الكعبة».
قول ابن عثيمين
وقال الشيخ ابن عثيمين: «الصحيح أن الصلاة في الكعبة صحيحة فرضا ونفلا، واستدل بأن الأصل تساوي الفرض والنفل في جميع الأحكام إلا بدليل، ويستدل لهذا الأصل بأن الصحابة لما ذكروا أن النبي صلى لله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، وهذا يدل على أنهم لو لم يستثنوا لكانت المكتوبة كالنافلة تصلى الراحلة؛ ولأن الله -عز وجل- يقول: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}، وشطره بمعنى جهته، وهذا يشمل استقبال جميع الكعبة أو جزء منها، كما فسرت ذلك السنة بصلاة الرسول صلى لله عليه وسلم في الكعبة».
فوائد الآية
قال ابن عثيمين مبينا بقية فوائد الآية:
1- فضيلة الطواف لقوله: {طهرا بيتي للطائفين}، ولا شك أن الطواف من الأعمال الجليلة الفاضلة؛ ولهذا كان ركنا في الحج والعمرة.
2- الإشارة إلى أن المشروع للطائف أن يكون متطهرا؛ لأنه إذا أمر بتطهير البيت من أجله -أي الطائف-؛ فتطهيره بنفسه وتطهير ما لبسه من الثياب أولى؛ فالمشروع للطائف أن يكون طاهرا من الأنجاس والأحداث.
3- مشروعية الاعتكاف عموما، وفضيلة الاعتكاف في المسجد الحرام.
4- أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة، لقوله -تعالى-: {طهرا بيتي للطائفين}؛ ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ لأنه يكون حينئذ طائفا بالمسجد لا بالكعبة، أما الذين يطوفون في المسجد نفسه، سواء فوق أو تحت؛ فهؤلاء يجزئهم الطواف، ويجب الحذر من الطواف في المسعى أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد».