من وحي القلم في معجزة التشريع الإسلامي
أمين حجي الدوسكي
وتوحيد الله؛ يلزم منه الإيمان برسله واليوم الآخر وملائكته وكتبه وبالقدر خيره وشره؛ لأن معرفة الله وكمال صفاته وجلال أسمائه لا تعرف إلا عن طريق الرسل، ولا بد للرسل من كتب تبين فيها أسس التوحيد وسبل التجريد في عبادة الله والتفريد؛ والوحي المنزل على الأنبياء والرسل هو المؤيد لذلك والمبين له؛ ولكن عن طريق رسل الله الملائكة؛ فهم واسطة لمعرفة الله ودينه بين رسل الله الإنسيين وبين الله؛ ولا بد من يومٍ لتحقيق تجليات أسماء الله وصفاته فيه؛ كالسلام والمؤمن والغفار مع المؤمنين، والمهيمن والجبار والقهار على الطاغين أهل الجبروت، والعدل للقضاء بين العباد، وهكذا، والقدر خيره وشره هو مغزى التكليف والاختبار الذي ينبني عليهما أفعال المكلفين وجزائها عند الله يوم القيامة.
أما الشريعة المتعلقة بالمعاملات والعبادات؛ فكانت لأزمنة وأوقات وأماكن محددة وموقتة لا يجاوزها إلى أزمان وأوقات أخرى؛ خلا شريعة محمد المتمثلة بمعجزة التشريع القرآني بقواعده وكلياته الجامعة لكل تفاصيل الحياة وجزئياتها؛ وفي جميع الأزمنة والأماكن؛ قال تعالى: ï´؟ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ... ï´¾ [المائدة: 48].
والإعجاز التشريعي في القرآن يتميز بخصائص منها:
1. أنه رباني المصدر؛ الذي ï´؟ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ï´¾ [فصلت: 42]، فهو ليس من اختراع البشر؛ حتى يطرأ عليه الخلل وفقًا لقصور وتعليل العقل البشري، بل الكتاب بما ينضوي وينطوي من أمور شرعية لا ريب فيه هدى ورحمة للمؤمنين، أما صنائع الإنسان فهي مصنوعة مع تلازم النقص فيها.
2. أنه ثابت قواعده وأصوله وأسسه؛ فلا تتغير ولا تتبدل ولا تخص قومًا دون قوم أو أمة دون أمة أو زمانًا دون زمان أو مكانًا دون مكان؛ وهي المتمثلة بالضروريات الخمس (حفظ الدين، النفس، النسل والذرية، العقل، المال)، قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [الممتحنة: 12].
فحفظ الدين متضمن في قوله: ï´؟ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ï´¾ وï´؟ لَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ï´¾، وحفظ المال في ï´؟ وَلَا يَسْرِقْنَ ï´¾، وحفظ النسل والذرية والعرض في ï´؟ وَلَا يَزْنِينَ ï´¾ وï´؟ لَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ï´¾ وحفظ النفوس في ï´؟ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ ï´¾، والعقل تابع للنفس.
3. وبما أن القواعد العامة للتشريع الإسلامي تتمثل في الضروريات الخمس؛ فهي شاملة لجميع جوانب الحياة البشرية كما مر بيانه، فالإعجاز التشريعي منه ما يتعلق بالعبادات وهي الداخلة في حفظ الدين، ومنه ما يتعلق بالعادات المعاملات وهي داخلة في حفظ الضروريات الأخرى.
ولكل من هذه الضروريات حاجيات وتحسينيات مكملة لها؛ فضروريات الدين أركان الإسلام الخمس، وحاجياتها الرخص التي شرعها الشارع لأجل التخفيف ورفع الحرج على الأمة، كقصر الصلاة في السفر وجمعها في السفر وفي حالة الضيق في الحضر، وكذلك فطر الصوم في السفر وفي حالة المشقة الشديدة والجوع والعطش الهالكين.
وما يتعلق بضرورة النفس؛ وضع القصاص ردعًا لمن يريد الفتك بالمهج؛ وإباحة الميتة وقت الضرورة؛ وإنزال الحاجة العامة لنفوس الأمة منزلة الضرورة الخاصة للفرد، والعقل والنسل والمال؛ بجعل الحد لشارب الخمر ومرتكب الزني والسارق للمال والقاذف للمؤمنة؛ وذلك لأجل حفظ هذه الضروريات من الضياع.
والحاجيات المتعلقة بالنفس والعقل والنسل والمال، ما أباحه الله من التطيب بالطيبات من الأكل والشرب واللباس والمتاع والمسكن؛ وكذلك ما أباحه الشارع من البيوع (كبيع السلم والمساقات والمزارعة وبيع العرايا وعقد الاستصناع) والإجارة والنكاح وما حرمه كالتعامل بالربا والبيوع المحرمة، والتي تؤدي بالخلل إلى المال ونمائه وزيادته؟ وما فرضه الشارع من التعلم بالعلوم الشرعية وغيرها وطلبها والبحث عنها كي يقوي وينمي العقل والفكر بها.
والتحسينيات المتعلقة بالدين؛ تعظيم شعائر الإسلام بالمتعلقة بالصلاة التطيب بالطيب والتزين عند المساجد، ومنها زخرفة المساجد وتزيينها وإعلاء منابرها ومناراتها وقببها مما تظهر جمالها وبهائها؛ والتحسينيات المتعلقة بالصوم تعجيل الفطر وتأخير السحور، والتجمل يوم العيد والتمظهر بنعم الله فيه؛ والحج بتقديم أحسن القرابين وأسمنها وعدم مس الطيب وتقليم الأظافر والقيام بعقد النكاح؛ إلى حين التحلل من الإحرام، أما الزكاة؛ فأن يتواضع الزاكي أثناء إعطاء الزكاة لأهله؛ والتبسم في وجهه، وإبداء الاهتمام به؛ وتقديم القريب من البعيد؛ لأنه أولى بالمعروف؟
وهناك أمور جزئية متممة للضروريات الخمس؛ يبين الإعجاز التشريع من خلالها؛ منها:
أ. ما تتعلق بالأفراد بعضها مع بعض، والأسرة؛ من صدق الحديث والوفاء بالعهود والمواثيق، والاحترام والتقدير والتكريم والحب واللين، وأنه على الكبير الرحمة بالصغير، وعلى الصغير توقير الكبير، وعلى الزوج الإحسان والرحمة بالزوجة وعليها إطاعته في المعروف، وما بين الأستاذ والطالب من التعلم والتربية، وما على الرئيس للمرؤوس من الرحمة والرعاية والإعانة؛ والمرؤوس مع الرئيس من السمع والطاعة والإخلاص والنصح والتفاني، والأب والأم للولد بالتربية والإعانة والإعالة؛ والولد للأبوين بالتوقير والاحترام والطاعة والتقدير، وإكرام الجار للجار وإكرام الضيف والإحسان إلى الفقير من قبل الغني، والدعاء من الفقير للغني؛ ومعاونة الصحيح للسقيم وغيره؟
ب. ما تتعلق بالمجتمع؛ من التواصل وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتصدق بالصدقات ودفع الزكوات، وبناء المؤسسات والمساجد والمدراس، وما يؤدي إلى تقوية العلاقات بين المجتمعات من قبل الأسر والأفراد والجماعات.
ج. ما تتعلق بالدولة؛ من قواعد السلم والحرب والصلح والتجارة والاقتصاد والسياسة والحكم؛ وبيان السلطات الثلاث من سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء؛ مع عدم تحديد تطبيق القواعد تلك بآليات محددة؛ وهذه القواعد والأصول سواء تعلقت بالأفراد أو الأسر أو المجتمعات أو الدولة إنما هي؛ لأجل ترتيبها وتنظيمها وتقويتها وتنميتها؛ وفق منظومة الضروريات الخمس (حفظ الدين: يدخل فيه الفكر والنظر، والنفس: يدخل فيه الاهتمام والطهور والقوة، والنسل: يدخل فيه العلاقات الأسرية والاجتماعية وما ينتابها من تنوع وتكثر وانتظام في عملية التنسل وفق النظر الشرعي، والعقل: يدخل فيه كذلك الفكر والنظر، والتمعن والتدبر والتخطيط، والمال: يدخل فيه الجانب الاقتصادي والمالي والتجاري والتنموي؛ وكل من هذه تتعلق بها الجوانب السياسية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية والاقتصادية؛ ويشملها؛ قواعد العدل والمساوات والصدق والاحترام والبر والإحسان والإكرام والسلم والأمان والوفاء واللين والصراحة.
4. ومع وحدة مصدر التشريع الإسلامي في القرآن الكريم؛ إلا أنه به تعددت مصادره؛ وهي: السنة النبوية، والإجماع، والقياس؛ فهذه الأدلة الثلاث؛ قد استندت حجيتها من القرآن الكريم.
فسند حجية السنة النبوية من قوله تعالى: ï´؟ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ï´¾، [آل عمران: 31-32]، ï´؟ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ï´¾، [الحشر: 7].
وحجية الإجماع من قوله تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ï´¾ [النساء: 115]، وقوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ï´¾ [التوبة: 119].
ومن السنة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" "يد الله مع الجماعة" "الجماعة رحمة والفرقة عذاب" "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة" وهذه الأحاديث تدل بألفاظها المختلفة معنى واحدًا وهو أن الجماعة المؤمنة إذا اجتمعت على أمر شرعي فلا يكون ضلالًا بل رحمة، وأن الأمة إذا اجتمعت على شيء فاجتماعها إجماع يلزم اتباع ما ترتب عليها من أحكام، والمقصود هنا اجتماع علماء الأمة.
وسند حجية القياس من قوله تعالى: ï´؟ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ ï´¾ [الحشر:2]، ï´؟ إنَّ في ذَلِكَ لَعبْرةً لأُولِي الألْبَاب ï´¾، والعبرة هي الاعتبار من السابق وما حل به من الضيم؛ كي لا يقع عليه ولا يلحقه إن عقل واعتبر لأن مادة الحلول والوقوع ممكنة فيهما؛ وكذلك عملية القياس هي اعتبار الآتي الجديد بالسابق من الدليل المنصوص عليه حالة اشتراكهما في العلة.
ومن السنة النبوية في حديث معاذ بن جبل، لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قالَ: "كَيْفَ تَصْنَعُ إنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وهناك مصادر أخرى للتشريع الإسلامي، ولكن فقهاء المسلمين اختلفوا في الاحتجاج بها، منها:
أ. قول الصحابي وفعله، إلا إذا كان في حكم المرفوع في قوله، بأن يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فرض رسول الله كذا؟.
ب. سد الذرائع، وهو قطع المادة التي تؤول إل الحرام والمنكر.
ج. الاستحسان، وهو تقديم قياس خفي على قياس جلي لدليل ومصلحة شرعية.
د. الاستصحاب، وهو طلب البراءة الأصلية في الشيء وغالبها ذلك في الحل والحرمة.
هـ. المصلحة المرسلة، هي غير المعتبرة بدليل شرعي جزئي؛ لا بالإعمال ولا بالإهمال.
و. العرف؛ هو ما تعارف عليه الناس من عادة لا تعارض الأدلة الشرعية القطعية. فهذه الأصول الشرعية هي أيضًا تسري في طياتها الأحكام الجزئية المتعلقة بأفعال المكلفين.
5. والخاصية الأخرى للإعجاز التشريعي؛ أن قواعده وأصول وأسسه هي التي تتضمنه؛ وليست الجزئيات وتفاصيل الأفراد؛ وهذه من أخص خصائص التشريع الإسلامي؛ لأنه لو كان الإعجاز مكمنًا في الجزئيات المحددة والتفاصيل الموقتة؛ لانتهى بانتهاء أفول الجزئيات واستجداد أخرى مكانها؛ ولكان الحكم محصورًا على جزئيات متناهية بتناهي أعراف وعادات الناس المتغيرة والمختلفة والمنتهية؛ فتمثل الإعجاز التشريعي في قواعد وأسس - ثابتة وقائمة ومؤصلة - أحكامها تسري على جميع الجزئيات، وتهيمن على كل تفاصيل الحياة، في كل الأماكن والأوقات؛ قال تعالى: ï´؟ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ï´¾، [نحل: 89].
وفي الختام نضرب مثلًا على الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم، وذلك في سورة الفاتحة والبقرة والناس؛ ففي البقرة ورد في أول السورة ï´؟ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ï´¾، [البقرة:1-2]، في كل شيء؛ ومنه في التشريع الإسلام لا ريب أنه يشمل كل مناحي الحياة؛ وقد ورد في أربع أماكن منها؛ لفظ كتب أي فرض؛ وأتت بقواعد شرعية تسري نظام الحياة في نواحي عدة على منوالها.
ففي آية 178 يقول تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى .. ï´¾ وقال بعدها في آية179: ï´؟وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾، ففي القصاص - المكتوب أي المفروض على الأمة العمل به - حياة للناس؛ وهذه قاعدة شرعية تحفظ بها إحدى الضروريات الخمس وهي النفس من القتل والهدر، وتتعلق بالقضاء الإسلامي وكيفية الحكم فيمن قتل الآخر قتل عمد عدوان.
وفي آية 180 يقول الله تعالى: ï´؟ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ï´¾، وهذه قاعدة شرعية أخرى تبين علاقة الفرد المسؤل بالآخر في ظل الأسرة المسلمة؛ ومع أنه لا وصية لوارث؛ ولكن هناك من العلماء من جعل الوصية الواجبة للمتضرر منه؛ كما إذا مات شخص وترك ابنًا وابن ابن مات أبوه قبل أبيه؛ فمن الفقهاء من جعل له الوصية الواجبة لابن الابن بشرط أن لا يتجاوز ثلث المال وفق حديث: "الثلث والثلث كثير".
وفي الآية 183 يقول تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾، وهذه قاعدة شرعية أخرى تتعلق بالعبادات وعلاقة الإنسان بربه وكيفية ارتقاء روحه إلى السمو بتلك العبادة.
وفي الآية 206 يقول تعالى: ï´؟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ï´¾، وهذه قاعدة شرعية أخرى تتعلق بالجهاد في سبيل الله؛ وكيفية العلاقة بين الدول في حال الاعتداء والحرب.
فهذه أربع قواعد تشريعية تحيط بأربع جوانب خطيرة ومهمة في حياة الناس:
1- جانب الروح وارتقائه والعلاقة بين الإنسان وربه، وذلك بعبادة الصيام.
2- جانب الإنسان وحفظ مهجه وعلاقته بالمجتمع؛ فيما يتعلق بحفظ النظام؛ وذلك بالقصاص.
3- جانب المسؤولية والقيام بالواجب تجاه الآخر، فيما يتعلق بنظام المال؛ وذلك بالوصية.
4- جانب حفظ الأمة كمجموع وحقيقة العلاقة بين الدول في حالة الحرب؛ وذلك بالجهاد والقتال في سبيل الله؛ إن لم تجنح الدولة المحاربة المعتدية للسلم.
أما سورة الفاتحة وسورة الناس؛ فيفهم التشريع الإسلامي من خلالهما؛ أنه يصلح للناس جميعًا؛ كما هو ظاهر في بداية سورة الحمد -والتي هي أول سورة في القرآن ترتيبًا لا تنزيلًا- في قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾، وكذلك في سورة الناس -والتي هي آخر سورة في القرآن ترتيبًا- في قوله تعالى: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ï´¾، ففي أول سورة الحمد؛ حمد الله نفسه الذي هو رب العالمين جميعًا، ومن هذه العوالم عالم الإنس، وفي أول سورة الناس؛ أعاذ الله الناس بربهم من شر الناس جميعًا؛ ولم يخص لا في سورة الحمد، ولا في سورة الناس؛ المؤمنين منهم فقط؛ فدل أن التشريع الإسلامي يشمل في اتباعه جميع الناس؛ لأن رسالة الإسلام رسالة عالمية كما قال تعالى: ï´؟ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ï´¾ [الأعراف:158].
وهذا غيض من فيض التشريع الإسلامي في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله أولًا وآخرًا والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه.