عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-02-2020, 04:49 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,855
الدولة : Egypt
افتراضي رد: جوائز المصارف الإسلامية والتقليدية (تأصيل شرعي)




وطبيعةُ عمل البنوك التقليديَّة: أنها تقوم بالاقتراض مِن المودِعين والإقراضِ للمقترِضين، ويَدْفعون للمودِعين ثمنًا محدَّدًا هو الفائِدة على الودائع، ويَتقاضَوْن مِن المقترضين ثمنًا أعْلى هو فائدة الإقراض، والفرق بين الفائدتين أو الثمنين هو المَصْدر الأساسي للإيرادات والأرباح[18].







بهذا يَتبيَّن أنَّ أساسَ عمليات البنوك التقليدية قائمٌ على الرِّبا، الذي حرَّمه الله - تعالى - في قوله: ï´؟ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ï´¾ [البقرة: 275]، وقد أجْمع العلماءُ في كلِّ العصور على حُرْمته[19].







وقد أفتتْ معظمُ المجامع الفقهيَّة وهيئات الإفتاء في العالَم الإسلامي أنَّه يحرُم التعامل مع البنوك الرِّبويَّة، وأنَّ فوائدها هي عينُ الربا، وإنِ اختلفت الأسماء[20].







ولكن قد يضطرُّ المسلم للتعامل مع هذه البنوك في حالِ عدم وجودِ البديل الإسلامي، وخاصَّة المسلمين المغترِبين في الدول غير المسلِمة.







فما حُكم الجوائزِ بالنسبة لهؤلاءِ في حال الحصول عليها؟



قبل بيانِ الحُكم لا بدَّ مِن المرور سريعًا على معاملات هذه البنوك، والتي تُقدِّم مِن خلالها تلك الجوائز.







فغالبُ الجوائز المقدَّمة، إمَّا أن تكونَ على الحساباتِ، أو على شهاداتِ الاستثمار بأنواعِها الثلاثة.







أمَّا الحسابات، فهي نوعان: حسابُ التوفير والحِساب الجاري، وكلاهما يُطلَق عليهما ودائعُ البنوك، والتكييف القانوني والشَّرْعي لهذه الودائعِ كما هو في مُعظَم تشريعات الدول العربية أنها تُعتبَر قرضًا[21].







فبالتالي يُمكن القول بأنَّ ودائعَ البنوك سُمِّيتْ بغير حقيقتها، فهي ليستْ وديعة؛ لأنَّ الوديعةَ هي أمانةٌ تُحفَظ عند المستودع وليس له الانتفاعُ بها، وهذا بخلافِ ما يحصُل في البنك؛ لأنَّ البنك يستثمِرُ الحساباتِ لصالحه[22].







فالخُلاصة: أنَّ هذه الحساباتِ تُعَدُّ قروضًا، وأنَّ الجوائزَ التي تُقدَّمُ على هذه الحساباتِ، إنَّما هي مِنَ الرِّبا؛ لأنَّ كلَّ قرض جَرَّ نفعًا فهو رِبًا، إذًا فلا يجوز أخْذُ الجوائز المقدَّمة على الحسابات البنكيَّة.







وأمَّا ما يتعلَّق بشهادات الاستثمار، فلبيان حُكم الجوائز عليها لا بدَّ مِن معرفة حقيقتها؛ لأنَّ الحُكْمَ على الشيءِ فرعٌ عن تصوُّرِه.







شهادات الاستثمار تنقِسم ثلاثَ فِئات:



1- شهادات استثمار ذات طبيعة متزايدة فئة (أ):



وهي الشهادةُ التي يبقَى المال لدَى البنك لفترةٍ طويلة قد تمتدُّ إلى عشر سنوات، وتكون له زِيادةٌ تصاعديَّة على المال والفائدة، وفي نهاية المدَّة يأخُذُ صاحبُ الشهادة ما دَفَعَه والزيادة.







2- شهادات استثمار ذات العائِد الجاري؛ أي: بفائدة سنويَّة فئة (ب):



وهي الشهادةُ التي تستحقُّ عائدًا جاريًا، وهي ذاتُ الفوائد السنويَّة المحدَّدة، بحيث تُصرَف الفائدة كلَّ سِتَّة أشهر.







3- شهادات الاستثمار ذات الجوائز فئة (ج)



وهي الشهادةُ التي تستحقُّ فائدةً متزايدة، ويجري عليها السحبُ بإعطاء جوائزَ للشهادات الفائِزة[23].







يتَّضح مِن خلال ما سَبَق أنَّ هذه الشهاداتِ ما هي إلا طريقةٌ مُبتكَرة للقروض، فَصُورتها أنَّ صاحبَ المال يشتري من البنك إحْدى هذه الشهاداتِ على أنْ يُحدِّد له البنك رِبحًا محدَّدًا حسبَ الشهادة التي أرادها، ومِن ثَمَّ يسترجع صاحبُ المال مالَه الذي دفعَه، بالإضافة إلى الرِّبْح المحدَّد له، وهذا هو عينُ الرِّبا، ولكن بصورة مختلِفة.







يقول السنهوري: "قد يَتَّخذ القَرْضُ صُورًا مختلفة أخرى غير الصورة المألوفة، مِن ذلك أنْ تُصدِر شركةٌ، أو شخصٌ معنويٌّ عامٌّ سنداتٍ، فهذه السندات قروضٌ تعقدها الشركة أو الشخص المعنوي مع المقرِضين، ومَنِ اكتتب في هذه السنداتِ فهو مقرِض للشركة أو الشخص المعنوي بقِيمة ما اكتتب به"[24].







والذي يَعنينا في هذا البحثِ مِن هذه الشهادات الثلاثِ هو النوع الثالِث: ذات الجوائز، والمشهور باسمِ شهادات الاستثمار فِئة (ج).







فهذا النَّوْع وإنْ لم يكن فيه فائدةٌ مُحدَّدة تُعطَى كلَّ فترة، إلا أنَّهم يُوزِّعون الفوائد بطريقةٍ أخرى، وهي إجراء القُرْعة بين المشتركين في هذا النَّوْع، ومِن ثَمَّ تقديم الجوائز إلى مَن يفوز منهم، وقيمة هذه الجوائز تكون مِن الفوائد المستحقَّة مِن جملة أموال المشتركين.







فهذه الجوائزُ في الحقيقة لا تختلِف عن الفوائدِ الرِّبوية إلاَّ في طريقةِ التوزيع[25]؛ لذلك فإنَّ معظمَ العلماء والباحثين تنبَّهوا لهذه الحِيلة، وحرَّموا الجوائزَ المترتِّبة على هذه الشهادات؛ كونها لا تخرج عن حُكم القُروض التي تجرُّ نفعًا[26].







وقدْ توصَّل مجمعُ الفقه الإسلامي في دورته السادسة إلى حُكم التحريم بعدَما قُدِّمت الأبحاثُ المختصَّة لمعرفة حقيقةِ هذه الشهادات، حيث جاء ضِمنَ القرار أنَّه: "تحرُم السنداتُ ذات الجوائز، باعتبارها قروضًا اشْتُرِط فيها نفعٌ أو زيادةٌ بالنسبة لمجموع المقرِضين أو لبعضِهم لا على التعيين، فضلاً عن شُبهة القُمار"[27].







وفي ظنِّ الباحث أنَّ قراراتِ المجامع الفقهيَّة في عصرنا مِنَ الأهمية بمكان؛ بحيث لا يَنبغي مخالفتُها إلا بدليلٍ قويٍّ صحيحٍ صريح، وباجتهادٍ ممَّن شُهِد له بالعلم والورَع، وخاصَّة فيما يتعلَّق بالمسائل المستجَدَّة، وعليه فلا يجوز للمسلِمِ أن يأخذ بالأقوال الشَّاذَّة التي لا تستندُ إلى نصٍّ منقول، أو فَهْم معقول[28].



والله أعلم.







هذه أبرزُ المسائل المتعلِّقة بموضوعِ الجوائز المقدَّمة في المصارف الإسلاميَّة والبنوك التقليديَّة، وقد تأخُذُ صورًا أخرى مع مرورِ الزمن وظهور المستجدَّات، فيُمكن حينئذٍ استنباطُ الأحكامِ الشرعيَّةِ المتعلِّقةِ بها مِن خلال التأمُّلِ في القواعد المذكورة في ثنايا هذا البحْث.







وآخِر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.









[1] جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالَم الإسلامي في رجب عام 1406هـ ما يلي: "يدعو المجلسُ المسلمين في كلِّ مكان إلى مساندة هذه المصارفِ وشدِّ أَزْرها، وعدم الاستماع إلى الشائعات المغرِضة التي تحاول التشويشَ عليها، وتشويهَ صورتها بغير حق، ويرى المجلسُ ضرورةَ التوسُّع في إنشاء هذه المصارف في كلِّ أقطار الإسلام، وحيثما وُجِد للمسلمين تجمُّعٌ خارج أقطاره؛ حتى تتكوَّن مِن هذه المصارف شبكةٌ قوية تهيِّئ لاقتصادٍ إسلامي متكامِل".




[2] انظر مثلاً: فتوى هيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني، نقلاً عن: شبير، محمد عثمان، أحكام المسابقات المعاصِرة في ضوء الفقه الإسلامي، (بحث مُقدَّم إلى مجمع الفقه الإسلامي المنبثِق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، جدة، الدورة الرابعة عشر، 11/1-16/1/2003م)، فتوى بعنوان: (حكم جوائز البنوك الإسلامية)، برقم (3720) من مركز الفتوى بإشراف: د. عبدالله الفقيه، الشبكة الإسلامية (موقع إلكتروني)، www.islamweb.com.




[3] انظر: فتوى لجنة الرقابة الشرعية لمصرف قطر الإسلامي المكوَّنة من: د. يوسف القرضاوي، د. علي المحمدي، د.علي السالوس، د. عبدالقادر العماري، الشيخ وليد بن هادي، نقلاً عن: شبير، أحكام المسابقات المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي، (ص:31).




[4] انظر: شبير، أحكام المسابقات المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي، (ص: 30).




[5] انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، (2/837).




[6] انظر: فتوى المستشار الشرعي للبنك الإسلامي الأردني، وجاء ضِمنَ الفتوى: "أما توزيع الجوائز على أصحابِ الحسابات الجارية، فقد أُرجئ البتُّ فيه لوجودِ شُبهة قرْضٍ جرَّ نفعًا"، نقلاً عن: شبير، أحكام المسابقات المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي، (ص: 31).




[7] انظر: الأمير الصنعاني، محمد بن إسماعيل، سُبل السلام، تحقيق: محمد الخولي، (3/53)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، عام 1379هـ، العجلوني، إسماعيل بن محمد، كشف الخفاء، تحقيق: أحمد القلاش، (2/164)، مؤسَّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة، عام 1405هـ، المناوي، عبدالرؤوف، فيض القدير (5/28)، المكتبة التجارية، مصر، الطبعة الأولى، عام 1356هـ.




[8] أخرجه البخاري، صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبدالله بن سلاَم - رضي الله عنه - برقم (3603)، (3/1388).




[9] مصنَّف عبدالرزَّاق، كتاب البيوع، باب الرجل يُهدي لمَن أسلفه، رقم (14650)، (8/143).




[10] ابن قدامة، المغني، (6/436).




[11] ابن المنذر، أبو بكر محمد بن إبراهيم، الإجماع، تحقيق: د. فؤاد عبدالمنعم (1/95)، دار الدعوة، الاسكندرية، الطبعة الثالثة، عام 1402هـ.




[12] انظر: شبير، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، (ص: 266).




[13] مِن قرارات وتوصيات ندوة البركة الثالثة والعشرين، المنعقدة في مكة المكرمة، من 29 شعبان إلى 2 رمضان 1424هـ، الموافق 25-27 أكتوبر 2003م؛ انظر: مجلة الاقتصاد الإسلامي التي يُصدِرها بنك دبي الإسلامي، العدد (272)، (ص: 28).




[14] المصدر السابق.




[15] عرَّف مجمعُ الفِقه الإسلامي بطاقاتِ الائتمان على أنَّها: "مستند يُعطيه مُصدِره لشخص طبيعي أو اعتباري، بناءً على عقْد بينهما يُمكِّنه مِن شراء السِّلَع أو الخِدْمات ممَّن يَعتمد المستند دون دفْع الثمن حالاًّ؛ لتضمُّنِه التزامَ المُصدِر بالدفع، ومِن أنواعِ هذا المستند ما يُمكِّن من سحْب النقود من المصارِف على حسابِ المصدر"؛ انظر: مجلَّة مجمع الفقه الإسلامي، (7/559).




[16] انظر: زعتري، الخِدمات المصرفية، وموقف الشريعة الإسلاميَّة منها، (ص: 589)، دار الكلم الطيب، دمشق، الطبعة الأولى، عام 1422هـ - 2002م، حماد، حقيقة بطاقة الائتمان وتكييفها الفقهي، بحث مُقدَّم إلى مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية عشرة، عام 1421هـ -2000 م، انظر: مجلَّة مَجْمع الفقه الإسلامي، (13/499).




[17] من قرارات وتوصيات ندوة البركة الثالثة والعشرين، مصدر سابق.




[18] انظر: السالوس، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، (1/150)، دار الثقافة، الدوحة، مؤسسة الريان للطباعة والنشر، عام 1418هـ-1998م.




[19] انظر: ابن قدامة، المغني، (6/52)، النووي، المجموع، (9/375)، دار الفكر، بيروت، عام 1997م.




[20] انظر على سبيلِ المثال: فتوى مجمع الفقه الإسلامي المنبثِق عن منظَّمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني عام 1406هـ، الموافق 1985م، وفتوى مجمَع الفقه برابطة العالَم الإسلامي في دورته التاسِعة عام 1406هـ، وفتوى مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في المؤتمر الثاني عام 1384هـ، وفتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، فتوى رقم (2687)، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (13/348)، جمع وترتيب: أحمد عبدالرزاق الدويش، دار العاصمة، الرياض، عام 1419هـ - 1999م.




[21] انظر: السنهوري، الوسيط في شرْح القانون المدني (5/429)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، عام 1973، عوض، د. علي جمال الدين، عمليات البنوك من الوجهة القانونية، (ص: 148)، دار النهضة العربية، القاهرة.




[22] انظر: السالوس، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، (1/163).




[23] انظر: شبير، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، (ص: 217)، دار النفائس، الأردن، الطبعة الرابعة، عام 1422هـ - 2001م، زعيتر، حُكم الإسلام في شهادات الاستثمار وصناديق التوفير وودائع البنوك، (ص: 92)، دار الحسن، الأردن، الطبعة الأولى، عام 1413هـ-1992م، الخفيف، بحث في حُكم الشريعة على شهادات الاستثمار بأنواعها الثلاثة، (ص: 20)، مجلة الأزهر، القاهرة، عام 1417هـ.




[24] السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، (5/435).




[25] انظر: السالوس، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، (ص: 214).




[26] انظر: شبير، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، (ص: 225)، السالوس، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية، المعاصرة (1/214)، المصري، الميسر والقمار المسابقات والجوائز، (ص: 169)، زعيتر، حكم الإسلام في شهادات الاستثمار وصناديق التوفير وودائع البنوك، (ص: 94)، الشريف، محمد عبدالغفار، بحوث فقهية معاصرة، (ص: 76)، دار ابن حزم، بيروت، عام 1420هـ.





[27] انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي (6/1726).




[28] خالف محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في هذه المسألة، حيث أباح جميعَ أنواع هذه الشهادات بفوائدها، إلاَّ أنني أرَى أنَّ خِلافه في هذا الموضوع غيرُ معتبَر؛ لمخالفتِه لمَا توصَّلت إليه المجامع الفقهية، لذلك أعرضتُ عن ذِكْر قوله في هذه المسألة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]