نعم، البخاريُّ ليس إلهًا
يحيى صالح
قال: فلِمَ لا نتعامل مع كتاب البخاري على أنه عملٌ بشرىٌّ يحتملُ الصوابَ والخطأ؟
نقول: هو بالفعل عملٌ بشريٌّ يحتمل الصواب والخطأ، ولكن مَن الذي يمكنه تمييز الصواب من الخطأ في كل شأن؟ أليس أصحابَه أم الأعاجم؟
قال: إذْ هو لم يُعاصر الرسُولأو يُعايشه.
نقول: نعم، هو لم يعاصر أو يعايش الرسول، لذا أخذ ممن أخذ ممن عايش الرسول، فإذا أردتَ أن تعيب فليس العيب على البخاري ولا في صحيحه؛ إنما العيب الذي ترمي إليه وهو مقصدك هم أصحاب النبي كما طعنت في أبي هريرة فيما يأتي من كلامك صراحةً!
قال: بل قرأ، واجتهد، وعاد إلى المراجع والمصادر وكُتب الأسلاف الأوائل ليأخذَ عنها، رغم أنَّ عددًا من هذه المصادر يعيشُ الشكُّ فيها، ولا تخلُو من تناقضٍ.
أقول: من فمك ندينك، وهل أخذ أحدنا عن أرشميدس أو أفلاطون أو أرسطو أو غيرهم أو حتى قابلنا أحدَهم؟ بل ليس بيننا وبينهم واسطة بإسناد صحيح ولا ضعيف إلا وجادة في كتبهم!
وهذه (الوجادة) جعلها الإمام البخاري وغيره من أهل هذا الشأن آخر وسائط تَلَقِّي الأحاديث!
قاموا بترتيب وسائط التلقي على درجات ثمانٍ؛ أولها السماع والتحديث وآخرها الوجادة، فأخذوا بالأعلى وأخذ أنت بالأسفل، وكلُّ إناء بما فيه ينضح، فظهر منهم الأعلى من الأخذ والعطاء وظهرت منك السفالة في الأخذ والعطاء.
مَن يمكنه إثبات كلام عن أرسطو وأفلاطون وأرشميدس إلا من خلال كتب عشَّش فيها الشكُّ وباض وكلها نظريات اعتمدها أهل شأنها وبنوا عليها حياتهم وحياتنا؟
قال: وبها كثيرٌ من نُصوصٍ لم يقُلها الرسول، ولا يعرف شيئًا عنها.
نقول: هذه الكتب التي تتحدث عنها لم يأخذ منها – ولا عنها- الإمام البخاري شيئًا؛ بل أخذ ممن قال: سمعت وحدثني، أما التي لم يقلها الرسول ولا يعرف عنها شيئًا فكلامك هذا حجة عليك؛ إذ كيف قمت بالتفريق بين الصحيح والغث إلا بالاعتماد على أهل الشأن؟
وهؤلاء المعتمد عليهم في التمييز إما من شيوخ الإمام أو شيوخهم؛ كشعبة وابن المديني ويحيى بن معين، أو ممن تتلمذ عليه؛ كالترمذي وابن خزيمة وممن جاء بعدهم؛ كالدارقطني والحاكم والبيهقي، ثم مَن تلاهم ؛ كالنووي والمزِّي وابن حجر إلى عصرنا هذا؛ كالألباني وغيره ممن عليهم الاعتماد في التوثيق والتضعيف، وإلا فأخبرني بربِّك: إن لم نأخذ من هؤلاء فمن أين أتيت أنت بوجود الغث والسمين في الكتب المدعاة بنظرك؟!
قال: لقد قدَّسنا البخاري، حتى إننا لا نقولُ «غلطنا في الرسول» أو «غلطنا في ذاتِ الله»، وإنما نقول «إحنا غلطنا في البخاري»، حيث اكتسب قداسةً فاقت قداسة سِواه.
نقول: هذه مشكلة القائل لهذه الكلمة، وليست مشكلة البخاري.
ألا ترى أنَّ كثيرين يحلفون بالنبي؟ وهذا من الشرك المحرم بالقطع، وهذا القَسَمُ يظهر منه –والله أعلم بالنوايا- تقديسهم النبيَّ ورفعهم إياه فوق مرتبته إلى مرتبة الله تعالى!
فهل معنى هذا أن لا نقول بنبوة النبي أو أن نطعن فيه؟ أم يجب علينا تصحيح المفاهيم؟!
وإنما وقع هؤلاء –الذين يحلفون بالبخاري أو يقولون هذه المقالة- وقعوا في هذا بسبب جهلهم، فلماذا يتحمل الإمام البخاري جهل هؤلاء ويبوء بإثمهم؟
أتُرانا وقعنا فيما وقع فيه النصارى إذ يقولون بصلب المسيح لرفع ما وقعت فيه البشرية من أخطاء؟!
ما ذنب المسيح إذ يتحمل شركيات غيره وآثامهم؟!
قال: وأنا أقرأ كتابَ البخاري أو أيَّ كتابٍ آخر، أسألُ نفسى: لماذا أكونُ مُقلِّدًا أو تابعًا أو سائرًا في قطيعٍ؟ لماذا لا أسألُ، كي أصلَ إلى المعرفة؟
نقول: صدقت، لماذا لا تسأل؟
قد أمرك الله في كتابه بسؤال أهل العلم؛ إذ قال تعالى "فسألوا أهلَ الذكر إن كنتم لا تعلمون"، فاشترط عند السؤال أن يكون المفتي من أهل الذكر العالمين بشأن مواضيعه.
فإن كان الأمر كذلك فلنتوجه لأهل الذكر ونسألهم:
كيف صحيح البخاري في الكتب المدونة في السنة؟
وكيف الإمام البخاري في الرجال؟
أمَّا أن نقول فيه بآرائنا، فهذا ليس من التوجه بالسؤال كما قلت بنفسك!
قال: لماذا لا أمنحُ العقلَ فرصةً ليرى ويُدقِّقَ وينخُلَ ويُصفِّى؟
نقول: ها قــد عدنا القهــقرى وارتــددنا على أعقابــنا بـعـد إذ هدانا الله!
كيف للعقل –غير المتخصص- أن يخبرنا أنَّ شعبة بن الحجاج ثقة أو غير ثقة؟ وكيف له أن يخبرنا أن عبد الله بن لهيعة احترقت كتبه فانتهى الناس عن الثقة بحديث إلا من رواية بعض الثقات عنه قبل احتراق الكتب؛ كقتيبة بن سعيد والليث ابن سعد وابن المبارك؟ وكيف له أن يخبرنا أنَّ الحسن البصري وقتادة وسفيان الثوري مدلسون إلا فيما صرحوا فيه بالسماع بينما يردون الروايات عنهم أنفسهم إذا قالوا: عن؟ وكيف يخبرنا العقل بطبقات هؤلاء المحدثين؟ إلى غير ذلك الكثير والكثير مما لم نره واعتمدنا فيه على السماع لا العقل...
قال: وبدلا من أنْ أتخذَ «العنعنة» سبيلا لي، والنقل عن السَّلف طريقًا، علىَّ أن أحتكمَ إلى ما يتواءمُ مع ما أفقهُهُ.
نقول: فرق بين (العنعنة) والتحديث والسماع، فلا يقبل العلماء العنعنة إلا من الثقات غير المدلسين –كما تقدم- وهذه الكلمة –العنعنة- اتخذها البعض سبيلاً لتنفير الناس من كتب السلف؛ كتفسير الطبري وابن كثير وغيرهما بدعوى أننا لا نفهمها!
إذا استعصت هذه (العنعنة) على فهمك وثقلت عليك، فلا عليك إلا أن تأخذ من العلماء الذين فهموها واتركها لغيرك ليشرحها لك أو ليعلم منها صحة أو ضعف الحديث، ولستَ مكلَّفًا بها.
أنا أضغط على زر الكهرباء لإضاءة المصباح، وأدير المفتاح لتعمل السيارة وهكذا، فهل يلزمني أن أعلم كيفية كلِّ هذا؟ وإذا استعصى على فهمي هذه المعادلات التي استخدمها هؤلاء العلماء واللوغاريتمات التي اعتمدوها في صنعها، فهل أطعن فيها أم أستخدمها بالطريقة السهلة التي أوصلوها لي دون مشقة عليَّ؟
ثم إنَّ هذه (العنعنة) فائدتها إبلاغنا بأسماء الرواة الذين نتوصل بهم إلى متن الحديث، فمنها يعلم علماء هذا الشأن صحة الحديث من ضعفه، ويعلمون بها المدلس من غيره، ويعلمون بها الانقطاع من الاتصال؛ هذا إذا كنت تعلم معنى هذه المفردات، وإلا ... فلا عليك!
قال: وهل هناك شيءٌ مُتفقٌ عليه أو صحيحٌ في هذه الدنيا، قدَّمه فقيهٌ أو إمامٌ؟
نقول: لا، ولكن المتفق عليه والصحيح في هذه الدنيا قدَّمه لنا فلاسفة ومتكلمون!
الإنسان أصله قرد! الإنسان مخيَّر؟ الإنسان مسيَّر؟
العالم لا خالق له؟
أو قدَّمه لنا كفرة؛ كما قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله!
لكنَّ الفقهاء والأئمة لم يقَدِّموا لنا شيئًا، فما لك ولهم؟!
اترك الأئمة والفقهاء لمَن يمكنه الانتفاع بهم، اتركهم لراجي عفو ربِّه الذي يعمل بأمر الله على نور من الله يرجو ثواب الله.
الفقيه –أو الإمام- لا يقدِّم شيئًا من أمور الدنيا، وإن كان يفهم فيها بالضرورة بقدر معيشته فيها، وإنما يقدِّم لنا ما يقربنا من ربِّنا ويباعدنا عن سخطه وغضبه...
هو يقدِّم لنا بيانًا عن الحرام والحلال؛ سواء في الاعتقاد أو العمل...
كيف نعلم أنَّ النية شرط أو ركن في صحة الصلاة؟ كيف نعلم أنَّ الإيمان يزيد وينقص؟ كيف نعلم مقدار الزكاة في كلِّ ما وجب علينا؟ كيف نعلم مبطلات الحج؟ هل ستقول: من القرآن؟ أم ستقول من القرآن والسنة؟
إذا اكتفيتَ بالقرآن فأنت ضالٌّ مُضلٌّ بلا شكٍّ، وإذا قلت: من القرآن والسنة قلنا لك: ومن أين لك معرفة الصحيح من السقيم إلا من الرجال الأحياء أو من كتب الرجال المتخصصة في هذا؛ وعلى رأسها (التاريخ الكبير) للإمام البخاري الذي تخصصتَ في الطعن فيه، ولا مناص من هذا بحالٍ.
قال: وهل كل من روَى حديثًا نبويًّا يُمكنُ لي أن أثقَ بروايته؟
نقول: لا؛ ليس كذلك، ومن أجل هذا وجب علينا الإنصات لأهل الذكر المتخصصين وليس إعمال العقل، أليس الأمر كذلك؟
قال: وهل إذا أعملتُ العقلَ -لا النقلَ- سأصيرُ خارجًا عن الدين؟
نقول: ومَن قال هذا؟ لكن للعقل حدود لفهم النص أو التعامل معه، وهذا أيضًا مقيد بالنصوص الشرعية.
ثم إذا كنتَ عبدًا لله، فلماذا لا تحكِّم النقل وتنحى منحى المعتزلة –بل أسوأ- بإعمالك العقل لا النقل؟ حتى المعتزلة يعملون النقل ولكنهم يقدمون العقل عليه، فما وافق العقلَ –من النقل- أخذوه، وما عارضه –بزعمهم- رفضوه!
قال: فقد اشتهرت بين الناس على مدى ألف سنة أو يزيد أحاديثُ صارت من فرط شُهرتها وتداولها مُسلَّمًا بها أنها صحيحةٌ، ويتم التعاملُ معها بشكلٍ مُقدَّسٍ، باعتبارها متْنًا دينيًّا، وليستْ حتَّى من السُّنة، أي من أقوالٍ وأفعالٍ وصفاتِ النبي، رغم أنَّها باطلةٌ ولا أصلَ لها، أو موضوعةٌ ولا سندَ لها.
لكن للأسف يتداولها، ويستشهد بها الخطباءُ والوعاظُ والمشايخُ قبل سائر الناسِ، وهى بعيدةٌ تمامًا عن الرسول، بل إنه مات دُون أن يعلمَ شيئًا عنها، ومشكوك في صحتها.
هي إذن أحاديثُ مُزوَّرةٌ ومكذُوبةٌ، ولم يقف لها أحدٌ على أصلٍ ثابتٍ شفهيًّا أو مكتُوبًا، لكنَّها للأسف وردتْ في بعض كُتب الأسلاف، الذين نقول عنهم دون تمحيصٍ أو تدقيقٍ أو مُراجعةٍ إنهم من الصالحين.
بل إن هناك أقوالًا لبعض السابقين الذين هُم ليسوا من الصحابة ولا من التابعين أو تابعي التابعين، وصار يتم التعامل معها على أنها أحاديثُ نبويةٌ صحيحةٌ، وهى منكُورةٌ لا تصح أصلا أن ترد على لسانِ عاقلٍ، لأنها باطلةٌ من جميع جهاتها.
نقول: هذه الأحاديث التي تتكلم عنها –وليست من الأحاديث في شيء- مَن ذا الذي أمرك أن تأخذ بها ومَن ذا الذي قال إنها من كلام أو فعل النبي؟ أليس الجهَّال أم العلماء؟
إن العلماء أمثال الإمام البخاري لم يألوا جهدًا في تبيان أمثال هذه الأحاديث، ولم يتبوأ الإمام البخاري ولا غيره هذه المكانة العظيمة إلا لأنهم أفنوا أعمارهم في توضيح الغث من السمين لأمثالي وأمثالك.
ثم على مدار هذه الألف سنة أو يزيد –كما تقول- لم يتفوه بمثل هذه الأباطيل إلا أنواع معينة من الناس:
- منهم مَن اتخذها حسبةً وتقربًا إلى الله –بزعمه- عندما رأى الناس قد انصرفوا إلى الفقه والسيرة وغيرها، فوضعها احتسابًا ليقرب الناس إلى السنة؛ وهذا جاهل لأن الله تعالى أكمل لهذه الأمة دينها وليس الدين في حاجة إلى أمثال هذا الجاهل لإكماله.
- ومنهم من اتخذها لغرض في نفسه لتقبيح –أو تحسين- مذهب غيره أو مذهبه، وهذا من قبيل العصبية الجاهلية التي لا تحل.
يتبع