
27-02-2020, 06:13 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,782
الدولة :
|
|
رد: المرجئة شبهات وردود
المرجئة شبهات وردود
أبو مريم محمد الجريتلي
الشبهة السادسة
أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حَكَم بالإسلام بمجرَّد الإقرار:
والجواب:
أنَّ صاحبَ هذه الشُّبهة لم يفرِّق بيْن أحكام الدنيا والآخرة، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حَكَم للمنافقين بالإسلام، وأجْرى عليهم أحكامَه الظاهرة؛ (أي: أحكام الدنيا)، وحَكَم الله عليهم بأنَّهم في الدَّرْك الأسفل مِن النار؛ (أي: أحكام الآخرة).
فأحكام الدنيا على قسمين:
1- أحكام الإسلام.
2- أحكام الكفر.
وأحكامُ الإسلام الظاهرة يَشترك فيها المؤمِنُ الصادق، والمنافق الذي يُظهِر الإسلامَ ويُبطِن الكفر.
أما أحكام الآخرة، وهي مَحلُّ البحث، فعلى ثلاثة أقسام:
1- مؤمن.
2- منافق.
3- كافر.
المنافق: الذي عُصِم دَمُه وماله في الدنيا بالكلمة، والْتزام ظاهِر الإسلام، لا يعصمه ذلك مِن عذاب الله - عزَّ وجلَّ - يومَ القيامة؛ بل هو كما قال - سبحانه -: ï´؟إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِï´¾ [النساء: 145]، فهو أشدُّ من الكافر؛ لأنَّه جمَع بين أمرين: الكفر بالله - عزَّ وجلَّ - وخِداع المؤمنين، خلافًا للكافِر المُظهِر للكفر.
"فلا يَنفع ظاهرٌ لا باطنَ له، وإن حُقِن به الدماء، وعُصِم به المال والذريَّة"[21].
"وقد اتَّفق العلماءُ على أنَّ اسم المسلِمين في الظاهر يَجري على المنافقين؛ لأنَّهم استسلموا ظاهرًا، وأَتَوا بما أتَوا به من الأعمال الظاهرة؛ بالصلاة الظاهرة، والزكاة الظاهرة، والحج الظاهر، والجهاد الظاهر، كما كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُجري عليهم أحكامَ الإسلام الظاهر، واتَّفقوا على أنَّه مَن لم يكن معه شيءٌ من الإيمان، فهو كما قال - تعالى -: ï´؟إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِï´¾ [النساء: 145]"[22].
وقال وكيع: "المرجئة الذين يقولون: الإقرار يجزئ عن العمل، ومَن قال هذا فقد هلَك"[23].
واحتجَّ صاحِبُ الشُّبهة بحديثِ الجارية، وفيه قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أعتِقْها، فإنها مؤمنة)).
والجواب:
أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنما أخبر عن تِلْك الأَمَة بالإيمان الظاهِر، الذي علِّقتْ به الأحكام الظاهرة، ويجب التفريقُ بيْن أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناسُ في الدنيا، وبين حُكْمهم في الآخرة بالثواب والعِقاب، فالمؤمِن المستحق للجنة لا بدَّ أن يكون مؤمنًا في الباطن باتِّفاق جميعِ أهل القِبلة.
"وأما احتجاجُهم بقوله للأمَة: ((أعتِقْها فإنَّها مؤمنة))، فهو مِن حُجَجهم المشهورة، وبه احتجَّ ابن كُلاَّب، وكان يقول: الإيمان هو التصديق والقول جميعًا، فكان قوله أقربَ من قول جهْم وأتباعه، وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنَّ الإيمانَ الظاهر الذي تَجري عليه الأحكامُ في الدنيا، لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبُه مِن أهل السَّعَادة في الآخرة"[24].
"فإنَّ الإيمان الذي عُلِّقتْ به أحكامُ الدنيا هو الإيمانُ الظاهر، وهو الإسلام، فالمسمَّى واحد في الأحْكام الظاهرة؛ ولهذا لما ذَكَر الأثرم لأحمدَ احتجاجَ المرجئة بقول النبي: ((أعتِقها فإنَّها مؤمنة))، أجابه بأنَّ المراد حُكمها في الدنيا حُكْم المؤمنة، لم يُرِد أنها مؤمِنةٌ عندَ الله تستحقُّ دخولَ الجنة بلا نار، إذا لقيتْه بمجرَّد هذا الإقرار"[25].
فللَّه تعالى حُكمان:
• حُكمٌ في الدنيا على الشرائع الظاهِرة، وأعمال الجوارح.
• وحُكمٌ في الآخِرة على الظواهر والبواطن.
ولهذا كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقبل علانيةَ المنافقين، ويَكِل أسرارَهم إلى الله تعالى، فيُناكحون، ويَرِثون ويُورثون ويُعتدُّ بصلاتهم في أحكام الدنيا، فلا يكون حُكمهم حُكمَ تارك الصلاة؛ إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة، وأحكام الثواب والعِقاب ليستْ إلى البَشَر؛ بل إلى الله، والله يتولاَّه في الدار الآخرة"[26].
"فالخِطاب بالإيمان يدخل فيه ثلاثُ طوائف:
• يدخل فيه المؤمِنُ حقًّا.
• ويدخُل فيه المنافِق في أحكامه الظاهرة، وإنْ كانوا في الآخرة في الدَّرْكِ الأسفل من النار، وهو في الباطن يُنفَى عنه الإسلام والإيمان، وفي الظاهر يُثبَت له الإسلام والإيمان الظاهر.
• ويدخل فيه الذين أسْلموا، وإنْ لم تدخلْ حقيقة الإيمان في قلوبهم، لكنْ معهم جزءٌ من الإيمان والإسلام يُثابون عليه"[27].
الشبهة السابعة
أنَّ الله - سبحانه - قد خاطَب الإنسانَ بالإيمان قبلَ وجود الأعمال:
ومراد صاحِب هذه الشُّبهة أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أمَر نبيَّه أن يدْعوَ الناس للإيمان، وكان ذلك قبلَ نزول الشرائع؛ بل إنَّ أعظم الشرائع، وهي الصلاة، قد فُرِضت في ليلةِ الإسراء والمعراج؛ أي: في نهاية المرحلة المكيَّة، وكان الناس مخاطَبون قبْل ذلك بالإيمان.
والجواب:
"نقول: إنْ قلتُم: إنهم خُوطبوا به قبلَ أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجِب عليهم قبلَ أن يُفرَض عليهم ما خُوطِبوا بفرْضه، فلمَّا نزل إن لم يقرُّوا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين"[28].
فالإيمان الواجب قبل نزول جميع القرآن ليس مثْل الذي وجَبَ بعد نزول القرآن، كما قال - تعالى -: ï´؟الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاï´¾ [المائدة: 3].
"فإنَّ الله لما بعث محمدًا رسولاً إلى الخَلْق كان الواجب على الخَلْقِ تصديقُه فيما أخبر، وطاعتُه فيما أمَر، ولم يأمرْهم حينئذٍ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيْت، ولا حرَّم عليهم الخمر والرِّبا، ونحو ذلك، ولا كان أكثرُ القرآن قد نزل، فمَن صدَّقه حينئذٍ فيما نزَل من القرآن، وأقرَّ بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخصُ حينئذٍ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجَب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتَى به بعدَ الهجرة لم يُقبلْ منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا"[29].
"ولو آمَن الرجل بالله وبالرسول باطنًا وظاهرًا، ثم مات قبل أن يعرف شرائعَ الدِّين، مات مؤمنًا بما وجَبَ عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما وقَع منه مثل إيمان مَن عرَف الشرائع، فآمن بها وعمل بها؛ بل إيمان هذا أكمل وجوبًا ووقوعًا"[30].
"ودِين الإسلام الذي ارْتضاه الله وبعَث به رسلَه، هو الاستسلامُ لله وحْدَه، فأصله في القلْب هو الخضوع لله وحْده، بعبادته وحْدَه دون ما سواه، فمَن عبَدَه وعبدَ معه إلهًا آخَرَ، لم يكن مسلمًا، ومن لم يعبدْه؛ بل استكبر عن عبادته، لم يكن مسلمًا، والإسلام هو الاستسلامُ لله، وهو الخضوع له، والعبودية له، هكذا قال أهلُ اللغة: أسلم الرجلُ إذا استسلم، فالإسلامُ في الأصْل من باب العمل؛ عمل القلْب والجوارح"[31].
الشبهة الثامنة
أنَّ الرجل لو آمَن ومات قبل أن يعمل شيئًا من الأعمال لمات مؤمنًا:
واحتجُّوا بقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعمِّه أبي طالب: ((يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشفَع لك بها عندَ الله)).
والجواب: أنَّ مِن المقرَّر شرعًا أنه لا تكليفَ إلا بمقدور، ومَن كان حاله هكذا، فإنه عاجزٌ عن العمل، فهو غير مكلَّف به، فمَن قال: لا إله إلا الله، وعاجلتْه المنية، دخَل الجنة؛ لأنَّه لم يتمكَّنْ من العمل، ولم يكنِ العملُ في حقِّه تكليفًا؛ لأنه عاجز عنه، وكذلك المكْرَه.
يقول ابن القيم: "ولا يجزئ باطنٌ لا ظاهرَ له، إلا إذا تعذَّر بعجز، أو إكراه وخوف هلاك"[32].
والخلاف في تخلُّفِ العمل الظاهر مع القُدرة التامة وعدم المانع، فأهل السنَّة يقولون: إذا تخلَّف العملُ الظاهر بالكلية، دلَّ على فساد الباطن، وخلوِّه مِن الإيمان، وأهل الإرْجاء يقولون: ليس بدليل؛ بل قد يكون الإيمان في القلْب، ولا يظهر على الجوارح أيُّ عملٍ من الأعمال الواجبة.
وانظر كلام ابن القيِّم: "فتخلُّفِ العملِ ظاهرًا مع عدم المانع، دليلٌ على فساد الباطن وخلوِّه من الإيمان، ونَقْصُه دليلُ نقصه، وقوتُه دليلُ قوته"[33].
"والمرجئة أخرجوا العملَ الظاهر عن الإيمان، فمَن قصد منهم إخراجَ أعمال القلوب أيضًا، وجعلها هي التصديق، فهذا ضلالٌ بيِّن، ومن قصَد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العملُ الظاهر لازمٌ للعمل الباطن لا ينفكُّ عنه، وانتفاءُ الظاهر دليلُ انتفاء الباطن"[34].
الشبهة التاسعة
أنَّ مَن لم تبلغْه التكاليف يكفيه قولُ لا إله إلا الله في دخول الجنة:
واحتجُّوا بحديث حُذيفةَ المرفوع: ((يدرس الإسلامُ كما يدرس وشْيُ الثوب، حتى لا يُدرَى ما صيام ولا صدَقة ولا نُسك، ويُسرَى على كتاب الله في ليلة فلا يَبْقى في الأرْض منه آيةٌ، ويبقى طوائفُ من الناس؛ الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركْنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها))، قال صِلةُ بن زفر لحذيفة - رضي الله عنه -: فما تُغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يَدرُون ما صيامٌ ولا صدقة ولا نُسك؟! فأعرض عنه حذيفة، فردَّدها عليه ثلاثًا، كل ذلك يُعرِض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صِلةُ، تُنجِيهم من النار"[35].
والجواب: أنَّ الرد على هذه الشبهة من جِنس الردِّ على الشبهة السابقة، والتي قبلها، فإنَّ ركن العمل يسقط بعدم التمكُّن (العجز)، وذلك في ثلاثة أحوال:
1- من مات بعدَ قوله لا إله إلا الله، ولم يُمهلْ ليعمل.
2- من مات قبلَ نزول الشرائع.
3- من لم يبلغْه من الشرائع شيء.
فالحالة الأولى: عاجلتْه المنية، وفي الثانية لم يكن مطالبًا بعمل، والثالثة: لم يبلغْه من العلم ما يترتَّب على ترْك العمل به مِن عقوبة.
"فكثيرٌ مِن الناس مَن ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرِس فيها الكثيرُ من علوم النبوات، حتى لا يبقى مَن يُبلِّغ ما بَعَث الله به رسولَه، ولا يكون هناك مَن يبلِّغه ذلك".
فالحديث ليس فيه أدْنى حُجَّة لمن زعم أنَّ ترك العمل بالكلية مع القُدرة لا يقدح في الإيمان، فإنَّ الشيخ الكبير، والمرأة العجوز لم يبلغْهما من الدين إلا لا إله إلا الله، وقد أتيا بما بلَغَهما، ولكن الخلاف مع المرجئة فيمَن بلَغه الدِّينُ كاملاً، وتمكَّن من أدائه، ثم عاش دهرَه كله "لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدِّي لله زكاةً، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نِفاق في القلْب وزَنْدقة، لا مع إيمان صحيح"[36].
الشبهة العاشرة
أنَّ مِن السلف من لم يكفرْ تارك الصلاة، فما دونها أولى:
والجواب: أنَّ اختلاف أهل السُّنة في آحاد الأعمال خلافٌ مشهور، ومقبول، ولكنَّهم لم يختلفوا في أنَّ العمل جزءٌ من الإيمان.
فمن زعم أنَّ الخلاف في العمل منحصِرٌ عند أهل السنة في المباني الأربعة، فقد اختلطتْ عليه المسائل، فساوَى بين قول أهل السنَّة وبيْن قول المرجئة.
فأهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل ونيَّة وسُنَّة؛ لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل، فهو كُفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نيَّة، فهو نِفاق، وإذا كان قولا ًوعملاً ونية بلا سُنَّة، فهو بدعة.
"والمرجِئة لا تُنازِع في أنَّ الإيمان الذي في القلْب يدْعو إلى فعْل الطاعة، ويقتضي ذلك، والطاعة مِن ثمراته ونتائجه، ولكنها تنازع هليستلزم الطاعة؟"[37].
"والذين لا يُكفِّرون من ترَك هذه المباني، يجعلونها من الإسلام، كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم"[38].
فانتبهْ - رحمك الله - في اختلافِهم في تكفير مَن ترَك المباني الأربعة مع جَعْلها من الإسلام، ولا ينفع إيمانٌ لمن لا إسلامَ له، ولا إسلامٌ لمن لا إيمانَ له؛ إذ لا يخلو المسلِم من إيمان يصحُّ به إسلامه، ولا يخلو المؤمِن من إسلامٍ به يحقق إيمانه.
"وكل حقيقة باطِنة لا يقوم صاحبُها بشرائع الإسلام الظاهرة، لا تنفع ولو كانتْ ما كانت، فلو تمزَّقَ القلْب بالمحبَّة والخوف، ولم يتعبَّدْ بالأمر وظاهر الشَّرْع، لم ينجِه ذلك من النار، كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقةُ الإيمان، لم يُنجِه من النار"[39].
والخلاف مع المرجِئة ليس في ترْك الصلاة أو الصيام، أو الزكاة أو الحج؛ وإنما الخلاف في ترْك جميع الواجبات؛ أي: ترْك العمل بالكلية.
فقد "غلت المرجئةُ حتى صار من قولِهم: إنَّ قومًا يقولون: مَن ترك الصلوات المكتوباتِوصومَ رمضان، والزكاة والحج، وعامةالفرائض منغير جُحُود لها، لا نكفِّره،يُرْجأ أمرُه إلى الله بعدَ إذ هو مقرٌّ، فهؤلاء الذين لا شكَّ فيهم - يعني في أنهم مرجئة"[40].
"فترْك العبادات المفروضات زَنْدقةٌ، وارْتكابُ المحظورات معصية"[41].
"فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسولِه مع عدم شيءٍ من الواجبات التي يختصُّ بإيجابها محمَّد- صلَّى الله عليه وسلَّم"[42].
"فالسَّلَف يقولون: ترْك الواجبات الظاهرة دليلٌ على انتفاء الإيمان الواجب مِن القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمَلِ القلْب، الذي هو حبُّ الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك، لا يستلزم ألا يكونَ في القلب مِن التصديق شيء، وعند هؤلاء كل مَن نفَى الشرع إيمانَه دلَّ على أنه ليس في قلْبِه شيء من التصديق أصلاً"[43].
قال سفيان الثوري: "رُكوبُ المحارم من غير استحلال معصيةٌ، وترْكُ الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عُذْر، كُفْر"[44].
فهل قال أحدٌ مِن السلف: إنَّ ترك العمل بالكلية، وهو ترْك الإسلام جملةً، وهجر الالْتزام بالأحكام الشرعية، نقصٌ في الإيمان ما دام صاحبُه مقرًّا بأنَّ هذا شرع الله؟! ما قال ذلك إلا المرجئة - كما ذكر سلفنا الصالح.
ولزيادة البيان أشرَحُ الفَرْق بيْن قول أهل السُّنَّة في المباني الأربعة، وقول أهل البدع.

[لم أنقُلْ كلام العلماء المتعلِّق بتكفير تارِك الصلاة، وهم جمهور أصحاب الحديث، علمًا بأنها أقوال كثيرة جدًّا مبثوثة في كتب السلف؛ وذلك لأنها مسألةٌ اختلف فيها أصحابُ الحديث، ولكن ها هنا مسألة مهمَّة، وهي أنَّ أصحاب الحديث الذين لم يُكفِّروا تاركَ الصلاة لا يعنون أنَّ الصلاة عمل، والعمل لا يَكفُر تاركُه، أو فاعله بغير اعتقاد أو استحلال أو تكذيب، فهذه لوثة إرجائية - حاشاهم منها - بل كما نقَل عنهم المروزي قالوا: "الأخبار التي جاءتْ في الإكفار بترْك الصلاة نظير الأخبار التي جاءتْ في الإكفار بسائرِ الذنوب"، فهُم نظروا إلى الأدلَّة التي ظاهرُها التعارض، فجمعوا بينها، ورجَّحوا عدمَ إكفار تارك الصلاة، كتارك الصَّوْم والزكاة، إلا إذا ترَكَها جحودًا أو إباءً أو استنكافًا، ولم يُنقَل عن أحدٍ منهم أنَّ الصلاة عمل، وليستِ اعتقادًا، ولا يكفر تاركُ العمل، كما أنَّهم لم يعدُّوا من يُكفِّر تاركها بمثابة الخوارج الذين يُكفِّرون بالذنوب، وهذا إقرارٌ منهم أنَّ تارك العمل قد يخرج من الملَّة، لكن لم يترجَّحْ عندهم ذلك في شأن تارِك الصلاة][45].
فانتبهْ - يرحمك الله - الخلاف في المباني الأربعة خلافٌ سائغ باعتبار، وغير سائغ باعتبار آخَر، فهو سائغٌ إذا كان الخلاف في الأدلَّة في ثبوت كُفْره أو عدمه، وغير سائغ إذا كان الخلافُ في اعتبار ترْك العمل، فمَن كفََّر بترْك آحاد الأعمال فهُم الخوارج، ولم ينظروا إلى أدلَّة تكفيرِ تارك الصلاة أو غيرها، والمرجِئة لم ينظروا إلى أدلَّة تكفير تارك الصلاة وغيرها، واكتفوا بدعْوَى أنَّ الأعمال من ثمرات الإيمان، فإذا وُجِدتْ دلَّت على الباطن، ولكن إذا عُدِمت لم يدلَّ عدمها على انتفاء الباطن، وهو خطأٌ عقلاً كما هو خطأ شرعًا.[46]
الشبهة الحادية عشرة
أنَّ الأحاديث أثبتتْ دخولَ الجنة بترْك الشِّرْك تارةً، وبقول لا إله إلا الله أخرى، ولم تذكر العمل:
ومِن حُجَج أصحاب هذه الشُّبْهة: حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وفيه: ((وحقُّ العِباد على الله ألاَّ يُعذِّب مَن لا يشرك به شيئًا))[47]، فمَن ترك الشرك ولم يعملْ شيئًا فهو غير معذَّب.
والجواب: يقول ابن عثيمين معلِّقًا على الحديث: "ولا تظنّ أن قوله: ((مَن لا يشرك به شيئًا))، أنَّه مجرَّد عن العبادة؛ لأنَّ التقدير: مَن يعبده ولا يشرك به شيئًا، ولم يذكر قوله "من يعبده"؛ لأنَّه مفهوم مِن قوله: ((وحقُّ العباد))، ومَن كان وصفه العبودية فلا بدَّ أن يكون عابدًا، ومَن لم يعبد الله ولم يُشرِكْ به شيئًا: هل يعذب؟
الجواب: نعم يُعذَّب؛ لأنَّ الكلام فيه حذْف، وتقديره: مَن يعبده ولا يشرك به شيئًا"[48].
"فلا ينجو إلا بفِعْل المأمور، وهو التوحيد، فإنْ قيل: فهو إنَّما هلَك بارْتكاب المحظور، وهو الشِّرْك؟ قيل: يكفي في الهلاك ترْكُ نفس التوحيد المأمور به، وإنْ لم يأتِ بضدٍّ وجودي من الشِّرْك؛ بل متى خلا قلبُه منالتوحيد رأسًا، فلم يوحِّد الله، فهو هالك وإن لم يعبدْ معه غيرَه، فإذا انضاف إليه عبادةُ غيره عُذِّب على ترْك التوحيد المأمور به، وفعْلِ الشرْك المنهي عنه"[49].
واحتجُّوا بحديث: ((مَن مات لا يشرك بالله شيئًا، دخَل الجنة)).
قال ابن حجر: قال الطِّيبي: قال بعضُ المحقِّقين:
"وقد يتَّخذ أمثالَ هذه الأحاديث المبطِلةُ ذريعةً إلى طرْح التكاليف، وإبطال العمل؛ ظنًّا أن ترك الشرك كافٍ!
وهذا يستلزم طيَّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود، وأنَّ الترغيب في الطاعة، والتحذير من المعصية لا تأثيرَ له؛ بل يقتضي الانخلاعَ عن الدِّين، والانحلال عن قيْد الشريعة، والخروج عن الضَّبْط، والدلوج في الخَبْط، وترْك الناس سدًى مهملين، وذلك يُفضِي إلى خراب الدنيا بعْدَ أن يُفضي إلى خراب الآخرة، مع أنَّ قوله في بعض طرق الحديث: ((أن يعبدوه))، يتضمن جميعَ أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: ((ولا يُشرِكوا به شيئًا)) يشمل من الشِّرْك الجلي والخفي، فلا راحةَ للتمسُّك به في ترْك العمل؛ لأنَّ الأحاديث إذا ثبتتْ، وجب ضمُّ بعضها إلى بعض، فإنها في حُكم الحديث الواحد، فيُحمل مُطلَقُها على مقيّدها؛ ليحصلَ العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق"[50].
واحتجُّوا بالأحاديث التي فيها: ((من قال لا إله إلا الله، دَخَل الجنة)).
قال صاحبُ "المعارج" - رحمه الله -: "وقالتْ طائفة من العلماء: المراد بهذه الأحاديث أنَّ (لا إله إلا الله) سببٌ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لذلك ولكن المقتضى عمله لا يعمل إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلَّف عنه مقتضاه لفوات شرْطٍ من شروطه، أو لوجود مانع"[51].
وشروط لا إله إلا الله التي عَلَّق الشرع عليها الانتفاعَ هي:
1. العلم المنافي للجهل.
2. اليقين المنافي للشكّ.
3. القَبول المنافي للردّ.
4. الانقياد المنافي للتَّرْك.
5. الصِّدْق المنافي للكَذب.
6. الإخلاص المنافي للشرك.
7. المحبَّة المنافية لضدِّها من العداوة والبغضاء.
كما بيَّن الشيخ - رحمه الله.
فاعلم - رحمك الله - أنَّ تارك العمل بالكلية مع القُدرة، تاركٌ للانقياد، وهو شرْطٌ للانتفاع بـ(لا إله إلا الله) في الآخرة.
الشبهة الثانية عشرة
أنَّ الله أثبت النجاة لمن لم يعملْ خيرًا قطّ:
والمقصود حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: ((فيقول الله - عزَّ وجلَّ -: شَفعتِ الملائكةُ، وشفَع النبيُّون، وشفَع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحمُ الراحمين، فيقبِضُ قبضةً من النار، فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قطُّ، قد عادوا حُممًا، فيلقيهم في نهْر في أفواه الجَنَّة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كاللؤلؤ في رِقابهم الخواتم يَعرِفُهم أهل الجنة، هؤلاء عُتقاءُ الله الذين أدخلَهم الجنة بغيْر عملٍ عملوه، ولا خيرٍ قدَّموه))[52].
فعلَى هذا لا يُشترط العمل لصحَّة الإيمان.
والجواب على هذا - وبالله التوفيق - أقول:
• لا بدَّ من الجمْع بين نصوص الكتاب والسنَّة، وعدم أخْذ بعضها، وترْك البعض الآخر، ولا شكَّ أنَّ بعضها يُفسِّر البعضَ الآخر.
والأدلَّة التي تدلُّ على أنَّ العمل لا بدَّ منه في الإيمان، وأنَّ مَن لم يأتِ به يكفر - كثيرةٌ متضافرة، وهي أدلَّة مُحكَمة؛ لأنَّها مفسرة، وليستْ مجملة، بينما هذا النصُّ يحتاج إلى بعضِ التفسير.
• مما يُفسِّر هذا النصَ حديثُ أبي هريرة وحديث جابر - رضي الله عنهما -: فأمَّا حديث أبي هريرة، وقد جاء هو وحديث أبي سعيد بإسنادٍ واحد - الزهري عن عطاء بن يزيد عنهما - وهما حديث واحدٌ، ولكن في أحدهما ما ليس في الآخر، فقد جاء في حديث أبي هريرة: ((حتى إذا فرَغَ الله مِن القضاء بيْن العباد، وأراد أن يُخرجَ برحمته مَن أراد من أهل النار، أمَر الملائكة أن يُخرجوا من النار مَن كان لا يشرك بالله شيئًا ممَّن أراد الله أن يرحمَه ممَّن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأَثَر السجود، تأكل النارُ مِن ابن آدم إلا أثرَ السجود، حرَّم الله على النار أن تأكلَ أثرَ السجود...))[53].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|