مختصر الكلام على بلوغ المرام(47)
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
( أبواب: الْفَرَائِضِ، والوصايا، والوَدِيعَة، والنكاح )
بابُ الْفَرَائِضِ
904- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَلْحِقُوا اَلْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الفرائض المنصوصة في القرآن ست: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس، (قوله: فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) أي ما بقي من المال بعد أهل الفرائض فهو لأقرب عصبة الميت، وأقرب العصبات البنوّة. ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب ثم أبوه وإن علا، ثم الأخ لأبوين، ثم لأب، ثم بنو الإخوة وإن سفلوا، ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم المعتق، ثم عصباته.
905- وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رضي الله عنهما - أَنَّ اَلنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "لا يَرِثُ اَلْمُسْلِمُ اَلْكَافِرَ، وَلا يَرِثُ اَلْكَافِرُ اَلْمُسْلِمَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الحديث دليل لمذهب الجمهور في عدم التوارث بين المسلم والكافر مطلقاً.
906- وَعَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - فِي بِنْتٍ، وَبِنْتِ اِبْنٍ، وَأُخْتٍ -"قَضَى اَلنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلابْنَةِ اَلنِّصْفُ، وَلابْنَةِ اَلابْنِ اَلسُّدُسُ -تَكْمِلَةَ اَلثُّلُثَيْنِ- وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ" رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
الحديث دليل على أن الأخوات مع البنات عصبة، وهو إجماع.
907- وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" رَوَاهُ أحمد والأرْبَعَةُ إِلا اَلتِّرْمِذِيَّ، وأخْرَجَهُ الحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بهذا اللفظ.
الحديث دليل على أنه لا توارث بين أهل ملتين مختلفتين، والمراد بالملتين عند الجمهور الكفر والإسلام.
908- وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنَّ اِبْنَ اِبْنِي مَاتَ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: "لَكَ اَلسُّدُسُ" فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "لَكَ سُدُسٌ آخَرُ" فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ. فَقَالَ: "إِنَّ اَلسُّدُسَ اَلآخَرَ طُعْمَةٌ" رَوَاهُ أحمد والأرْبَعَةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ اَلْحَسَنِ اَلْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
صورة هذه المسألة أن الميت ترك بنتين، وهي من ستة فللبنتين الثلثان أربعة، وللجدّ السدس فرضاً والباقي تعصيباً، وفيه دليل على أن الإخوة لا يرثون مع الجد لترك الاستفصال عند وجود الاحتمال.
909- وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه -؛ "أَنَّ اَلنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ لِلْجَدَّةِ اَلسُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائيُّ وصحَّحَهُ ابن خزيمة وابن الجارود وقواه ابن عَدِيِّ.
الحديث دليل على أن ميراث الجدة السدس إذا لم يكن دونها أمّ، سواء كانت أم أم أو أم أب.
910- وَعَنْ اَلْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكرِبَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اَلْخَالُ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ" أَخْرَجَهُ أحمد والأرْبَعَةُ سِوَى اَلتِّرْمِذِيِّ وحسنه أبو زُرْعَةَ الرازيّ وصحَّحَهُ الحاكم وابن حِبَّانَ.
الحديث دليل على توريث الخال عند عدم الوارث من ذوي السهام ومن العصبة، وفيه دليل على توريث ذوي الأرحام، وهم أقدم من بيت المال، وقد قال الله تعالى: ï´؟ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ï´¾ [الأنفال: 75].
911- وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ - رضي الله عنه - قَالَ: "كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ - رضي الله عنهم -؛ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "اللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَـهُ" رَوَاهُ الأرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ وحسنه الترمذيُّ وصححه ابن حِبَّانَ.
الحديث دليل على أن مال من لا وارث له يصير لبيت المال عند عدم أهل الفرائض والعصبة وذوي الأرحام.
912- وَعَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - عَنْ اَلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إِذَا اِسْتَهَلَّ اَلْمَوْلُودُ وُرِّثَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
الاستهلال: الصراخ، وفي معناه العطاس والتنفس والارتضاع، وما يدل على الحياة، والحديث دليل على أنه إذا استهل ثبت الميراث، ويقاس عليه سائر الأحكام كالقود وغيره.
913- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ والدارقطنيُّ وَأَعَلَّهُ، وقواه ابن عبدالبر، وَالصَّوَابُ: وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَو.
الحديث دليل على عدم توريث القاتل عمداً كان أو خطأ، وهو قول أكثر العلماء، وأخرج البيهقي عن خلاس: "أن رجلاً رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك، فأراد نصيبه من ميراثها، فقال له إخوته: لا حق لك، فارتفعوا إلى عليّ، فقال له علي - رضي الله عنه -: حقك من ميراثها الحجر، فأغرمه الدية ولم يعطه من ميراثها شيئاً".
914- وَعَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "مَا أَحْرَزَ اَلْوَالِدُ أَوْ اَلْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ وابْنُ مَاجَهْ، وصَحَّحَهُ ابْنُ المَدِينِيّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
الحديث فيه قصة، ولفظه في السنن "أن رباب بن حذيفة تزوج امرأة فولدت له ثلاثة أغلمة، فماتت أمهم فوروثها رباعها وولاء مواليها، وكان عمرو بن العاص عصبة بنيها فأخرجهم إلى الشام فماتوا، فقدم عمرو بن العاص ومات مولى لها وترك مالاً فخاصمه إخوتها إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أحرز، الحديث". وفيه دليل على أن الولاء لا يورث فإذا أعتق رجل عبداً، ثم مات ذلك الرجل وترك أخوين أو ابنين، ثم مات أحد الابنين وترك ابناً أو أحد الأخوين وترك ابناً فميراثه للابن وحده.
915- وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "اَلْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ اَلنَّسَبِ، لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ" رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ: مِنْ طَرِيقِ اَلشَّافِعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وأَعَلَّهُ البَيْهَقِيُّ.
الحديث دليل على أن الولاء لا يكتسب ببيع ولا هبة لأنه كالنسب.
916- وَعَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ" أَخْرَجَهُ أحمدُ والأرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وابن حِبَّانَ والحاكم وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ.
فيه دليل على أن زيد بن ثابت أفرض الصحابة - رضي الله عنهم -، فلهذا اعتمده الشافعي، والله أعلم.
بابُ الوصايا
الوصية: عهد خاص يضاف إلى ما بعد الموت.
917- عَنْ اِبْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -؛ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "مَا حَقُّ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال الشافعي معناه: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، لأنه لا يدري متى تأتيه منيته، فتحول بينه وبين ما يريد، من ذلك (قوله: يريد أن يوصي فيه) يدل على أن الوصية ليست بواجبة؛ وأما من كان عليه حق شرعي يخشى أن يضيع إن لم يوص به فهي واجبة عليه، وفيه جواز الاعتماد على الكتابة إذا عرف الخط، ومثله خط الحاكم وعليه عمل الناس قديماً وحديثاً.
918- وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ الله! أَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إِلا اِبْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لا" قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: "لا" قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: "اَلثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ اَلنَّاسَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الحديث دليل على منع الوصية بأكثر من الثلث لمن له وارث.
919- وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - "أَنَّ رَجُلاً أَتَى اَلنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ واللفظ لمسلم.
فيه دليل على أن الصدقة من الولد تلحق الميت.
920- وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ اَلْبَاهِلِيِّ - رضي الله عنه - سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إِنَّ اَلله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" رَوَاهُ أحمدُ والأرْبَعَةُ إِلا النَّسَائِيَّ وحسنه أحمد والترمذيُّ وقواه ابن خزيمة وابن الجارود، وَرَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: "إِلا أَنْ يَشَاءَ اَلْوَرَثَةُ" وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
الحديث دليل على منع الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة.
921- وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اَللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ؛ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ" رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي اَلدَّرْدَاءِ. وَابْنُ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -. وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَقْوِّي بَعْضُهَا بَعْضاً. وَالله أَعْلَمُ.
الحديث دليل على مشروعية الوصية بالثلث، وأنه لا يمنع منه الميت، واتفق العلماء على أنه يقدم إخراج الدَّين على الوصية.
بابُ الوَدِيعَة
الوديعة: مندوبة إذا وثق من نفسه بالأمانة، وقد تكون واجبة.
922- عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ" أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وباب قسم الصدقات تقدم في آخر الزكاة، وباب قسم الفيء والغنيمة يأتي عقب الجهاد إن شاء الله تعالى.
وقع الإجماع على أنه ليس على الوديع ضمان إلا ما روي عن الحسن البصري أنه إذا اشترط عليه الضمان فإنه يضمن، وقد تؤوّل بأنه مع التفريط، والله أعلم.
كتاب النكاح
النكاح في اللغة: الضم والتداخل، وفي الشرع: عقد التزويج والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع.
923- عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعودٍ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ لَنَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتطاعَ مِنكم الباءَةَ فَلْيَتَزَوَجْ فإنَّهُ أَغَضُّ للْبَصَر وَأَحْصَنُ للْفرج، وَمَنْ لمْ يستطعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإنّهُ لَهُ وِجَاءٍ" مُتّفقٌ عَلَيْهِ.
الباءة: القدرة على الوطء ومؤن التزويج، وفي الحديث الحث على النكاح لما فيه من تحصين الفرج وغض البصر، والوجاء: الإخصاء.
924- وَعَنْ أَنَس بنِ مَالكٍ - رضي الله عنه -: أَنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَمِدَ الله وأَثنى عَلَيْهِ وقالَ: "لكِنِّي أَنا أُصَلِّي وَأَنَامُ وأَصُومُ وأُفْطِرُ وأَتَزوَّجُ النّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيْس مِنِّي" مُتّفقٌ عَلَيْهِ.
الحديث له سبب، وهو أنه جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أنتم الذين قلتم: كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أنا أصلي وأنام، الحديث وفيه دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الانهماك فيها والإضرار بالنفس وترك المألوف من الطيبات.
925- وعنه - رضي الله عنه - قالَ: كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأمُرُنا بالبَاءَة وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُل نهْياً شَديداً وَيَقُولُ: "تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْودُودَ فإني مُكاثِرٌ بكُمُ الأممَ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ" رَوَاهُ أَحْمَد وصححه ابن حِبَّانَ وله شاهد عند أبي داود والنسائيِّ وابن حِبان من حديث معقل بن يسار.
المراد بالتبتل هنا: الانقطاع في العبادة وترك النكاح.
926- وَعَن أَبي هُريرة - رضي الله عنه - عَن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "تُنْكحُ الْمَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لمالِها ولِحَسَبــِها ولِجَمَالِها وَلدينـِها: فَاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَدَاكَ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقيّةِ السّبْعَةِ.
فيه الحث على تزوج ذات الدين لأنها تعينه على دينه، وتحفظه في نفسها وماله. قال الله تعالى: ï´؟ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ï´¾ [النساء: 34].
927- وَعَنْهُ - رضي الله عنه - أَنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رَفَّأَ إنساناً إذا تزوجَ قالَ: "باركَ اللهُ لَكَ وباركَ عَلَيكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خَيْرٍ" رَوَاهُ الأرْبَعَةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وابن خزيمة وابن حِبَّانَ.
الرفاء: الموافقة وحسن المعاشرة، وكانوا يقولون في الجاهلية: بالرفاء والبنين، فعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الدعاء، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادماً أو دابة فليأخذ بناصيتها وليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
928- وَعَن عبْدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ - رضي الله عنه - قالَ: عَلّمَنَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - التّشَهُّدَ في الحاجَةِ: "إن الحمْدَ لله نحْمدُه ونستْعَيِنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بالله مِنْ شرور أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هاديَ لَـهُ، وَأَشْهدُ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وَأَشْهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُـهُ" وَيَقَرَأُ ثَلاثَ آياتٍ رَوَاهُ أحْمَدُ الأرْبعةُ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ والحاكمُ.
(قوله: في الحاجة) أي في النكاح وغيره فيقول: الحمد لله إلى آخره، و الآيات الثلاث: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 70، 71].
929- وعَنْ جابر - رضي الله عنه - قال: قالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا خَطَبَ أَحَدُكُم المرْأَةَ فإنِ اسْتطاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلى ما يدْعوهُ إلى نكاحهِا فَلْيَفْعلْ" رَوَاهُ أحْمَدُ وأَبُو داودَ، ورجاله ثقات، وصَحَّحهُ الحَاكمُ.
930- وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنِّسَائِيِّ عَنِ المُغِيرَةِ، وعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
931- وَلِمُسْلِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: "أَنَظَرْتَ إليْها؟" قالَ: لا، قالَ: "اذهَبْ فَانْظُرْ إليْهَا".
فيه دليل على استحباب النظر إلى من يريد نكاحها، فإن لم يمكنه ذلك بعث امرأة يثق بها.
يتبع