الملحد وتشكيكه في مصدرية الدين للأخلاق
د. ربيع أحمد
نظرات في كلام الملاحدة واللادينيين
قال بعضهم: (وُجِدت الأخلاق قبل الدِّين، واخترع الدِّين لتنظيم المسيرة الأخلاقية؛ فالأخلاق مستمدة من احتياجات الإنسان واهتماماته، بل الإنسان إذا وجد بعض القيم الخُلقية في الدِّين، فإنها مأخوذة من المجتمع الذي ظهر به هذا الدِّين)، وهذا الكلام غير صحيح؛ إذ مبناه على أن الدِّين جاء بعد فترة زمنية من وجود البشر، والدين موجود منذ أن وجدت البشرية، ولا يوجد على الإطلاق في أيِّ عصر من العصور، ولا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين، ولا بلا إله معبود، حقًّا كان أو باطلًا، فهناك اتجاه فطري إلى أن يكون هناك دين، وإله معبود، وكما قال البعض: لقد وُجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولم توجد جماعة بغير ديانة، وذكر آخرون أن فكرة التدين لم تخلُ منها أمةٌ مِن الأمم في القديم والحديث.
ولا يضير الدِّين الحق وجودُ أديان باطلة؛ فكل هذه أمور طارئة، والإنسان قد تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف عن الدِّين الحق، فإذا لم يهتدِ الإنسان إلى الله تعالى وإلى الدِّين الحق، فإنه يعبِّدُ نفسَه لأي معبود آخر؛ ليشبِع في ذلك نهمته إلى التدين، وذلك كمن استبد به الجوع، فإنه إذا لم يجدِ الطعام الطيب الذي يناسبه، فإنه يتناول كل ما يمكن أكله، ولو كان خبيثًا؛ ليسُدَّ به جوعته.
والدين ليس اختراعًا بشريًّا، بل عطاءً ربانيًّا من الله للبشر؛ ليهدي البشرية ويوجهها ويرشدها إلى خيرِ الدنيا والآخرة.
ولا يختص الدِّين بتنظيم السلوكيات الأخلاقية، بل يختص بتنظيم جميع السلوكيات وجميع أمور الناس؛ إذ يوجد بالدِّين جميع أنواع التشريعات؛ من تشريعات اجتماعية، وتشريعات اقتصادية، وتشريعات دولية، وتشريعات جنائية، وتشريعات أسرية، وتشريعات سياسية، وغير ذلك من التشريعات؛ فالدين منهج حياة.
والزعم بأن الأخلاق مستمدة من احتياجات الإنسان واهتماماته: زعمٌ باطل، وكلام بلا دليل، فأين الحاجة للتضحية والفداء؟ وأين الحاجة للكرم والجود؟ وأين الحاجة للإيثار؟ وأين الحاجة للعطف على الحيوانات؟ وأين الحاجة للعطف على الفقراء والمساكين والمرضى؟ وأين الحاجة للتعاطف مع الناس؟!
والزعم بأن القيم الأخلاقية الموجودة في الدِّين مأخوذة من المجتمع الذي ظهر به هذا الدِّين: زعمٌ باطل، وكلام عارٍ عن الصحة، فكم عارَض الدِّين أخلاقيات المجتمع الذي وجد فيه! والدين يصحح أخلاقيات المجتمع، فيرفض الأخلاقيات السيئة؛ كالعُرْيِ، وزنا المحارم، وزواج المِثْليِّين، واللواط، وتبرج النساء، والظلم، والعدوان.
وقال بعضهم: (وجود بعض الأخلاق في بلاد لا تدين بدين سماوي، ووجود بعض الأخلاق في بلاد يكثر فيها الإلحاد، وانتشار الفساد في البلاد الإسلامية؛ أي: يوجد مَن هو متدين بدين وليس لديه أخلاق، بينما يوجد من هو لاديني ولديه أخلاق - هذا دليل على عدم مصدرية الدِّين للأخلاق).
وهذا قول باطل؛ إذ وجود بعض الأخلاق في بلاد لا تدين بدين سماوي، ووجود بعض الأخلاق في بلاد يكثر فيها الإلحاد، ليس دليلاً على عدم مصدرية الدِّين للأخلاق، بل دليل على وجود دين كانت تدين به هذه البلاد، وهذه الأخلاق من بقايا آثار هذا الدِّين.
وإن كان مصدر الأخلاق هو الدِّين فإن ممارسة الأخلاق قد تستمر مع غياب هذا الدِّين أو اندثاره، فتظل الأخلاق موروثًا دينيًّا يمتد حتى بعد غياب الدِّين، أو تشوُّهِ حقائقه، كما تظل بعض التقاليد والعادات تنتقل بين الأجيال برغم تغيُّر الأديان والعقائد والثقافات، فتظل موروثًا ثقافيًّا مستمرًّا، وإن جهِلْنا أصله ومنشأه.
وقولهم: يوجد من هو متدين بدين وليس لديه أخلاق، بينما يوجد من هو لاديني ولديه أخلاق - ليس دليلاً على عدم مصدرية الدِّين للأخلاق؛ إذ الأخلاق - كمبدأ - لا يمكن وجودها بغير دين، أما الأخلاق - كممارسة أو حالة معينة من السلوك - فإنها لا تعتمد مباشرة على التدين[7].
والتصديق بالشيء لا يستلزم العمل له حتى يصبح إرادة جازمة، وإن كان دافعًا على العمل له؛ فالناس تعلم وتتيقن أن النار محرقة، وبعضهم يحرق نفسه بالنار، وأيضًا قد تجد أن الولد الذي يعلم أن فلانًا أبوه لا يبَرُّ هذا الأب، وأيضًا قد تجد أن المَدِينَ لا يعطي المال للدائن، وبعض الناس يعلم أن الزنا يكون سببًا في العديد من الأمراض الجنسية، ومع ذلك يرتكبه، وبعض الناس يعلم أن مَن قتَل سيعاقب من الحكومة، ومع ذلك يقتل.
واحتج بعضهم: (أن الدِّين ثابت، وأخلاقيات بعض المنتسبين إلى الدِّين تتغير مع الوقت).
والجواب: أن تغير أخلاقيات بعض المنتسبين إلى الدِّين دليلٌ على ضعف التدين عندهم، وليس دليلاً على عدم مصدرية الدِّين للأخلاق؛ ففرقٌ بين العلم بالدِّين وبين العمل بالدين، أو ممارسة الدِّين؛ فقد لا يعمل الشخص بما علِم بسبب هوًى في النفس، أو شُبهة، أو مغالطة، أو تعلق قلبه بشيء آخر، وعلى سبيل المثال كثير ممن يدخِّن يعلم الآثار السيئة للتدخين، ومع ذلك يدخن، ومن يقتل شخصًا يعلم أن القتل مجرَّمٌ دينيًّا وقانونيًّا، ومع ذلك يقتل.
وقال بعضهم: (ليس من الأخلاق قطع يد السارق ورجم الزاني، وكيف يكون الدِّين مصدرًا للأخلاق ويشترط شهادة أربعة رجال لتطبيق حد الزنا، فلو فعلها الشخص دون علم أحد أو أمام سيدات لا بأس بذلك؟).
وقطع يد السارق ورجم الزاني من الأحكام الدينية، وليس من الأحكام الأخلاقية؛ فإدخاله في الأخلاق مغالَطة وتزييف، والعقوبة على قدر الجريمة، وغلظة العقوبة بسبب غلظة الجريمة، وهذه العقوبات المغلظة الهدف منها: التخويفُ والردع، وهؤلاء الملاحدة نظروا إلى غلظة العقوبة، ولم ينظروا إلى شناعة الجريمة، وهذا ليس من العدل والإنصاف في شيء.
أما قول بعضهم: (ويشترط شَهادة أربعة رجال لتطبيق حد الزنا، فلو فعلها الشخص دون علم أحد أو أمام سيدات لا بأس بذلك؟) فهذا الكلام ينم عن الجهل الشديد بالشريعة الإسلامية وأحكامها؛ فقد اشترط الشرع شَهادةَ أربعة رجال لتطبيق حد الزنا؛ تغليظًا على من يرمي شخصًا بالزنا؛ لأن شهادة المدَّعي قد يترتب عليها قتلٌ وعارٌ دائم، وليس هذا الشرط لجواز الزنا، بل لسدِّ السبيل على الذين يتهمون الأبرياء ظلمًا، وكذلك سد السبيل على الذين يريدون إشاعةَ الفاحشة في المجتمع.
والإسلام قد حرم الزنا؛ فقد قال تعالى: ï´؟ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ï´¾ [الإسراء: 32]، وقال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ï´¾ [الفرقان: 68]، وقال تعالى: ï´؟ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ï´¾ [الأعراف: 33]، ومِن المعلوم أن الزِّنا مِن أفحش الفواحش وأشدِّ الجرائم، وأبشعِ المعاصي، وأقبح الذنوب.
وقال البعض: (ليس الدِّين مصدر الأخلاق؛ إذ كيف يضبط السلوك الاجتماعي عن طريق التهديد بالعذاب الأبدي بواسطة كائن فوق الطبيعة؟ وعدم التخلق بالخُلق السيئ خوفًا من النار، كأنه تقديم رشوة للرب، وأسلوب الترغيب في الأخلاق الحسنة بدخول الجنة، والترهيب من الأخلاق السيئة بدخول النار ليس من الأخلاق في شيء).
ودعواهم أن السلوك الاجتماعي لا يضبط عن طريق التهديد بالعذاب، كلامٌ مخالف للواقع؛ فكم من شخص ارتدع عن فعل معصية خوفًا من عذاب الله يوم القيامة! لكن الناس طبائع شتى، منهم من يرتدع بالترهيب، ومنهم من يرتدع بالترغيب، ومنهم من يرتدع بوازع الضمير، ومنهم من يرتدع بوازع العقل، ومنهم من يرتدع بوازع السلطان، والدِّين قد عدد طرق الإلزام؛ لمعرفتِه بطبيعة النفس البشرية.
وقول بعضهم: (عدم التخلُّق بالخُلق السيئ خوفًا من النار، كأنه تقديم رشوة للرب، وأسلوب الترغيب في الأخلاق الحسنة بدخول الجنة، والترهيب من الأخلاق السيئة بدخول النار، ليس من الأخلاق في شيء) فيه تشويه للحقائق؛ فالمؤمن يعبد الله، ويتخلق بالخُلق الحسن؛ طاعة لله المتفضل عليه بالنعم، وخوفًا من العذاب، وطمعًا في الثواب، فأين هذا الحال من حال المرتشي والراشي الذي يفعل فعلاً مَشينًا؟! والناس تحب وتمدَح من يعبد الله خوفًا من العذاب، وطمعًا في الثواب، لكنها تذُمُّ المرتشي والراشي، فأين هذا من هذا؟
والرشوة كل مال دُفِع لذي جاه عونًا على ما لا يحل، أما التخلق بالخُلق الحسن خوفًا من العذاب وطمعًا في الثواب، فهو فِعل ما يستحسن أن يفعل - أي التحلي بالخُلق الحسن - ويستقبح ألا يفعل - أي عدم التحلي بالخُلق الحسن - فأين هذا من هذا؟ والرشوة يترتب عليها ضياعُ الحقوق، وفساد المجتمعات، والعبادة والتخلق بالخُلق الحسن طاعةً لله وخوفًا من العذاب وطمعًا في الثواب يترتَّبُ عليها سعادة الفرد والمجتمع، وصلاح الفرد والمجتمع، فأين هذا من هذا؟
والملحد يتوهَّمُ أن أسلوب الترغيب والترهيب يقلِّل مِن الأخلاق، وكأنه يريد أن يقول: إن الأخلاق الحسَنة يجب فعلُها، بصرف النظر عما يترتب عليها مِن جزاء أو مكافأة، وإن الأخلاق السيئة يجب تركها، بصرف النظر عما يترتب عليها مِن عقاب، وهذه أخلاق كانط، ومثل هذه الأخلاق إن تصلح لفئة خاصة أمثال كانط، فإنها لا تصلح لجميع الفئات، والأخلاق الإسلامية جاءت لجميع الفئات، مراعيةً لجميع النفوس، ولجميع الفروق الفردية[8].
ومن طبيعة النفس البشرية: محبة ما فيه نفعها ومصلحتها، والإقبال عليه، وكُرْه ما يضرها ويؤذيها ويُفسِد عليها أمرها، والنفور منه، ويُعَدُّ الثواب والعقاب هو الأسلوبَ الذي يتفق مع الفطرة الإنسانية، والذي ثبتت صلاحيته في كل زمان ومكان[9]، وربط الأخلاق بالجزاء أمر ضروري؛ لأنه يَزيد قيمة الأخلاق، كما تَزيد قيمةَ الشجرة ثمرتُها، وبذلك اختلفت الأخلاق الإسلامية عن الأخلاق الكانطية، التي لا تربط الأخلاق بالجزاء والمكافأة، والأخلاق من غير جزاء ومكافأة جافَّة لا طعم فيها، أو قليلة الفائدة وناقصة القيمة[10].
وقال البعض: (لا يحِقُّ لأي دين أن يفرض رؤيته للفضيلة الأخلاقية، والإثم، والسلوك الجنسي، والزواج والطلاق، والتحكم في النسل أو الإجهاض، أو أن تسن القوانين بحسب تلك الرؤية على بقية المجتمع، والمبادئ الأخلاقية من الممكن أن تكتشف في سياق التشاور الأخلاقي والديموقراطية).
وهذا الكلام فيه إجحاف لحق الخالق؛ فالخالق له الحقُّ أن يشرَعَ لخلقه ما يصلحهم، وهو أعلم بمصالح خَلقِه منهم، ولو أن كل فرد في المجتمع له الحق في أن يفعل ما يريد ويشتهي، ولا يحق للدين أن يمنعه، فإن ذلك سيستلزم حدوث الهرج والمرج.
وقول بعضهم: (والمبادئ الأخلاقية من الممكن أن تكتشف في سياق التشاور الأخلاقي والديموقراطية) كلام في غاية السُّخف والسقوط، والناس بفطرتهم يحبون الأخلاق الحسنة؛ كالعدل، والكرم، والوفاء، كما ينفِرون بفطرتهم من الأخلاق السيئة؛ كالكذب، والغدر، والخيانة، وهل مثل هذه الأمور تحتاج للتشاور؟ إن من يريد التشاور في معرفة الأخلاق الحسنة والسيئة كمن يريد التشاور في معرفة أن الواحد نصف الاثنين، وأن النقيضينِ لا يجتمعان.
وإن أرادوا التشاور في الإلزام بالأخلاق الحسنة، واجتناب الأخلاق السيئة عن طريق وضع قانون - فهذا القانون سلطانه على بعض الظاهر، فضلاً عن الباطن، وهذا القانون من الممكن التحايلُ عليه، والإفلات منه، والقانون من الصعب أن يطبَّق على كل الأخلاق.
والقوانين ليس لها سلطان على النفوس، ولا تقوم على أساس من العقيدة والإيمان، كما هو الحال بالنسبة للإسلام؛ ولهذا فإن النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك، وقدرةً على الإفلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء، ورأت في هذه المخالفة اتباعًا لأهوائها، وتحقيقًا لرغباتها.
إن القانون لا يكفي أن يكون صالحًا، بل لا بد له من ضمانات تكفل حُسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات: إيجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس، ويحمِلهم على الرضا به، والانقياد له عن طواعيةٍ واختيار.
ولا يحقِّق مِثلَ هذه الضمانة مثلُ الإسلام؛ لأنه أقام تشريعاته على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الالتزام الاختياري بهذه التشريعات واحترامها هو مقتضى هذا الإيمان[11].
وقال البعض: (العقل والإنسانية كفيلان بجعل الإنسان يتخلق بالخلق الحسَن، ومن طبائع الإنسانية - ودون حاجة لتوجيه ديني مباشر أو غير مباشر - مسائل مثل: تجريم القتل، والسرقة، والخيانة المالية والزوجية، والعلاقات الممنوعة بين المحارم، والأخلاق موجودة في الضمير الإنساني، والحاجة للدين؛ كي يبين أن ممارسة جنس المحارم وقتل الإنسان هي شيء خاطئ، يصور الإنسان كأنه كائن لاأخلاقي وحشي، وإذا كان هذا الوحش موجودًا داخل أي إنسان، فلن ينفع لا الدِّين ولا القوانين في القضاء عليه).
وهذا الكلام باطل ومخالف للواقع؛ فمن الناس مَن لا ينفع معه وازع العقل، ولا ينفع معه وازع الضمير الإنساني، وكم مِن أناس خالفوا عقولهم، وباعوا ضمائرهم بسبب الهوى والشهوة! ومن الممكن أن ينحرف العقل والضمير عن الحق بسبب بعض المؤثرات؛ ولذلك لا بد من موجِّه ومرشد للعقل والضمير؛ حتى لا يحيدا عن الحق.
أما قول بعضهم: (الحاجة للدين؛ كي يبين أن ممارسة جنس المحارم وقتل الإنسان هي شيء خاطئ، يصور الإنسان كأنه كائن لاأخلاقي وحشي) فهذا الكلام ينمُّ عن الجهل الشديد بالدِّين؛ فالدِّين لا يعرِّفنا الأخلاق الحسنة والأخلاق السيئة فقط، بل يُلزمنا بفعل الخُلق الحسن، واجتناب الخُلق الرذيل، ويعرِّفنا ثواب الخُلق الحسن، وعقاب الخُلق الرذيل، ويشجِّعنا على فعل الخلق الحسن، واجتناب الخُلق الرذيل، وبذلك يكون الدِّين عونًا في إيقاظ الدوافع النبيلة في النفس البشرية، وعونًا في إخمادِ دوافع الشرِّ في النفس البشرية.
ولأن مِن الناس مَن يقلُّ عنده الوازع الديني، ومنهم من لا يجدي معه وازع الترغيب والترهيب، ومنهم من لا يجدي معه وازع العقل، ومنهم من لا يجدي معه وازع الضمير؛ لذلك نوَّع الشرع طرق الإلزام، فمن لا يجدي معه وازع الدِّين قد يجدي معه وازع المجتمع الآمرِ بالمعروف الناهي عن المنكَر، ومن لا يجدي معه وازع الدِّين قد يجدي معه وازع السلطان.
أما قول بعضهم: (وإذا كان هذا الوحش موجودًا داخل أي إنسان، فلن ينفع لا الدِّين ولا القوانين في القضاء عليه) فهذا الكلام مخالفٌ للواقع والتاريخ، فكم غيَّر الدِّين مجتمعاتٍ كانت تألَفُ المحرَّمات، وترتكب المحظورات، وتفعل الموبِقات! وكم غيَّر بعضُ المصلحين مجتمعاتهم!
وقال البعض: (الافتراض بأن الخوف والطمع يدفعان الإنسان لعمل الخير أو اجتناب الشر، يصوِّر الإنسان كأنه شريرٌ بالفطرة؛ لذلك لا بد من ترويضه بالقوة، كالحيوان المتوحِّش)، وهذا الكلام فيه تشويهٌ للحقائق؛ إذ مِن طبيعة النفس البشرية محبة ما فيه نفعها ومصلحتها، والإقبال عليه، وكُرْهُ ما يضرها ويؤذيها ويُفسِد عليها أمرها، والنفور منه، ويُعَدُّ الثواب والعقاب هو الأسلوبَ الذي يتفق مع الفطرة الإنسانية، والذي ثبتت صلاحيتُه في كل زمان ومكان[12].
والجزاءات المترتبة على السلوكيات الأخلاقية تُعَد من أقوى الحوافز والدوافع القوية إلى الالتزام الدائم بالقيم الأخلاقية؛ ذلك أنه بقدر ما يعرف الإنسان قيمة الشيء يلتزم به، وبقدر ما يعرف العواقب الوخيمة لسلوكيات سيئة يتجنبها، وهذا وذلك يدفعانِه إلى مزيدٍ من التضحية مِن أجل التمسك بالقيم في هذه الحياة [13].
والإنسان بطبيعته يتصرف - في كثير من الأحيان - وَفْقَ الخوف والطمع؛ فهو يفعل أمرًا طمعًا في شيء معين، ولا يفعل أمرًا آخرَ خوفًا مِن شيء معين، وعلى سبيل المثال يعمل الإنسان طلبًا للمال، ويَزيد في عمله ويجِدُّ طمعًا في الحوافز والترقيات، ولا يتأخَّر عن عمله خوفًا من الجزاءات، فهل هذا السلوك سلوك مذموم؟ والطالب يذاكر طمعًا في النجاح، وخوفًا من الرسوب، فهل هذا السلوك سلوك مذموم؟ والسائق يلتزم بإشاراتِ المرور خوفًا من الغرامة، فهل هذا السلوك سلوك مذموم؟
وقال البعض: (القول بأن الأديان مصدر الأخلاق مسألة غير عملية لا تصمُدُ أمام التجارِبِ الحقيقية على أرض الواقع)، وهذا الكلام مخالفٌ للحقائق؛ إذ الدِّين موجودٌ منذ أن وجدت البشرية، ولا يوجد على الإطلاق في أي عصر من العصور، ولا في أي أمة من الأمم مجتمعٌ بلا دين، ويمثل الاهتمامُ بالأخلاق قاسمًا مشتركًا في جميع الأديان، ولا توجد ديانة إلا وهي تدعو أتباعَها إلى الالتزام بالقيم الأخلاقية، على اختلاف في التفاصيل.
ولم تُشهَدْ أمةٌ أو جماعة التزمت القِيَم الأخلاقية وتقيدت بضوابطها دون الاعتماد على وازع يقودها إلى ذلك، ولا يوجد وازع ينجح في حمل الناس على هذا الالتزام إلا الوازع الديني، الذي يجعل الإنسان يشعر بمراقبة الله - سبحانه وتعالى - الدائمة والشاملة له؛ فالوازع الديني يعتبر أقوى إلزام للإنسان، وهو خيرُ ضمانٍ لاستقامة الفرد في حياته، وبغير الدِّين لا يهتمُّ الإنسان بالأخلاق، ولا يُعِيرها اهتمامًا.
وقال البعض: (إن خصصنا الأديانَ كمصدر للأخلاق لوجود نصوص أخلاقية، فعليه سنقول: الأديانُ مصدر القتل؛ لوجود تعاليم ترتبط بالقتل، وإنها مصدر الحرب؛ لوجود تعاليمَ ترتبط بالحرب)، وهذا الكلام تشويهٌ للحقائق؛ فالدِّينُ مصدر الأخلاق؛ لأنه منهجُ حياةٍ وضَعه الله للبشر؛ لسعادة الدارين، والدِّين عقيدة وعمل، والدِّين عقيدة وعبادات، ومعاملات وأخلاق، والكلام عن الأخلاق الدينية فرع عن الكلام عن الدِّين، فإذا ثبت بالأدلة أن دينًا معيَّنًا هو الدِّين الحق، فلا بدَّ مِن الإيمان والانقياد والتسليم لكل ما جاء به هذا الدِّين من عقائدَ وعبادات، ومعاملات وأخلاق، وعزلُ القِيَم الأخلاقية عن الدِّين يؤدي إلى زوال حقيقتها، فتصبح خاضعة إما للضمير المتقلب المتغير، أو للعقل القاصر المتفاوت، أو للمنفعة النسبية، أو للمجتمع المتغيِّر غير المثالي.
وقال البعض: (لنفرض أن أمامنا عدة كتب (التوراة، الإنجيل، القرآن، ...) كل منها يزعم أنه الصحيح، ويحتوي على الأخلاق الصحيحة، وهو فقط يمتلك هذه المعرفة، كيف سيكون بإمكاننا معرفة أي منها هو الصادق إذا لم نعرف أصلًا ما تَعنيه الأخلاق؟ أي: كيف يمكننا أن نقول: إن كتابًا معينًا هو الصحيح من وجهة نظر أخلاقية إذا لم تكن لدينا فكرةٌ مسبقة مستقلة عما يَعنيه أن يكون حكمٌ ما أخلاقيًّا أو لا؟ بأي معيار أستطيع أن أقول: إن كتابًا معينًا صادق في حكم أخلاقي ما (أو في كل أحكامه الأخلاقية) بدون أن أعرف ما تعنيه الأخلاق؟ بالتالي من هنا ضرورة أن تكون المعرفة الأخلاقية سابقة ومستقلة وذات أولية على الدِّين، ما يؤدي إلى أن الكتب الدينية لا يمكنها أن تكون مصدرًا للأخلاق)، وهذا الكلام سفسطةٌ باطلةٌ؛ إذ الكلام عن الأخلاق الدينية فرع عن الكلام عن الدِّين، فإذا ثبت بالأدلة أن دينًا معينًا هو الدِّين الحق، فلا بد من الإيمان والانقياد والتسليم لكل ما جاء به هذا الدِّين؛ من عقائد وعبادات، ومعاملات وأخلاق، وصِدق الدِّين يستلزم صدق التعاليم التي جاء بها، والتي من ضمنها التعاليمُ الأخلاقية، وصِدق الدِّين يستلزم أن تكون تعاليمُه مصدرًا للعقيدة، ومصدرًا للعبادات، ومصدرًا للمعاملات، ومصدرًا للأخلاق.
والمعرفة الأخلاقية لا تستقل بنفسها في تأسيس الأخلاق، بل تحتاج إلى الدِّين، ولا يمكن أن نستغنيَ بها عن الدِّين؛ إذ القضيةُ ليست مجرد معرفة الحُسن والقُبح للسلوك الأخلاقي فقط، فما فائدة العلم بحُسن الصدق مع عدم التحلي به؟ وما فائدة العلم بقُبح الكذب مع اقترافه؟ وعليه فالمعرفة الأخلاقية لا تؤتي ثمرتها إذا لم يعمل بمقتضاها، وكي تؤتيَ المعرفة ثمارها لا بد أن تكون ملزِمة، وهذا قدر زائد على المعرفة يتميز به الدِّين عن المعرفة؛ إذ الأخلاق الدينية ملزِمة، والأخلاق الدينية يترتب عليها ثواب وعقاب؛ أي: مرتبطة بالجزاء، وربط الأخلاق بالجزاء يَزيد قيمةَ الأخلاق، والأخلاق من غير جزاء ومكافأة قليلةُ الفائدة، وناقصة القيمة.
والدِّين يعرِّفنا الأخلاق المحمودة، ويلزِمنا بها، ويحث على فعلها، ويبيِّن ثواب الامتثال بالفعل، ويكون عونًا في إيقاظ دوافع السلوك الحميد في النفس البشرية، ويعرِّفنا الدِّين أيضًا الأخلاق المذمومة، ويلزِمنا بتركها، ويحثُّنا على تركها، ويبيِّن عقاب عدمِ الامتثال بالترك، ويكون عونًا في إخمادِ دوافع السلوك المذموم في النفس البشرية.
ولم تُشهَدْ أمةٌ أو جماعة التزمت القيم الأخلاقية وتقيدت بضوابطها دون الاعتماد على وازع يقودها إلى ذلك، ولا يوجد وازع ينجح في حمل الناس على هذا الالتزام إلا الوازع الديني، الذي يجعل الإنسان يشعر بمراقبة الله - سبحانه وتعالى - الدائمة والشاملة له؛ فالوازع الديني يعتبر أقوى إلزام للإنسان، وهو خيرُ ضمان لاستقامة الفرد في حياته، وبغير الدِّين لا يهتم الإنسان بالأخلاق، ولا يُعِيرها اهتمامًا.
وقال البعض: (الدِّين هو مصدر الأخلاق: هي مقولة خاطئة؛ لأنها تؤدي إلى تناقض ذاتي، لنفرض أن إنسان (أ1) يتبع الأخلاق التي يمليها عليه دينه (د1)، وأما الإنسان (أ2) فيتبع الأخلاق التي يمليها عليه دينه (د2)، في حال اختلاف الدينين فيما يطالبان به بخصوص حالة معينة (كضرورة أو عدم ضرورة رجم الزانية مثلاً) فإن هذا العمل ذاته سيكون أخلاقيًّا من منظور الدِّين الأول، وغير أخلاقي من منظور الدِّين الثاني؛ أي: إن الحكم الموضوعي على العمل نفسه لن يكون ممكنًا إذا كان مرجعنا فيما يجب فعله، أو الاستنكاف عن عمله - هو فقط ما يسوِّغه دينٌ معين أو غيره)، وهذا الكلام سفسطة؛ فمن المشاهد أن أهل كل مجال معين قد يختلفون في الحكم على شيء معين، لكن هذا لا ينفي مصدريتَهم في الحكم على هذا الشيء، وعلى سبيل المثال مريض يشتكي من أعراض مرَضية لمرض معين، يمكن أن يذهب إلى خمسة أطباء، كل منهم يشخصه غير الآخر، بل عكس الآخر، هل يمكن أن ننفي مصدرية الأطباء في الحكم على المسائل الطبية بسبب هذا الاختلاف؟ ومثال آخر: مسألة قانونية تعرض على عشرة مستشارين، كل منهم يحكم فيها غير الآخر، بل عكس الآخر، هل يمكن أن ننفي مصدرية المستشارين في الحكم على المسائل القانونية بسبب هذا الاختلاف؟
هذا، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.
مراجع المقال:
أصول الدعوة للدكتور عبدالكريم زيدان.
الإسلام بين الشرق والغرب للفيلسوف علي عزت.
التعريفات للجرجاني.
بناء المجتمع الإسلامي للدكتور نبيل السمالوطي.
دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبدالعزيز الخلف.
علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن.
موسوعة الأخلاق لخالد عثمان الخراز.
[1] التعريفات للجرجاني ص 104.
[2] موسوعة الأخلاق لخالد عثمان الخراز ص 22 - 23.
[3] دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبدالعزيز الخلف ص 9.
[4] دائرة المعارف للبستاني مادة (دين).
[5] دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبدالعزيز الخلف ص 10.
[6] نحن نتكلم عن الدين السماوي لا الأديان الوضعية، وبالأخص الدين الإسلامي.
[7] الإسلام بين الشرق والغرب للفيلسوف علي عزت ص 193.
[8] علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن ص 289.
[9] بناء المجتمع الإسلامي للدكتور نبيل السمالوطي ص 45.
[10] علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن ص 288.
[11] أصول الدعوة للدكتور عبدالكريم زيدان ص 49 - 50.
[12] بناء المجتمع الإسلامي للدكتور نبيل السمالوطي ص 45.
[13] علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن ص 289.