الملحد وتشكيكه في مصدرية الدين للأخلاق
د. ربيع أحمد
أهمية وجود قِيَم أخلاقية مطلقة وثابتة
إن وجود قِيم أخلاقية مطلقة وثابتة يجعل من السهل الحكمَ على بعض السلوكيات بالخير أو الشر، بالخطأ أو الصواب، بالحُسن أو القُبح؛ لوجود مبادئَ أخلاقية مطلقة وثابتة يمكن أن نحتكم إليها، ونستند في حكمِنا على السلوكيات إليها.
وفي وجود قِيَم أخلاقية مطلقة وثابتة يسهل التمييز بين السلوك المحمود والسلوك المذموم، ويسهل التمييز بين السلوك الحسَن والسلوك القبيح؛ لوجود معايير أخلاقية مطلقة وثابتة يمكن أن تدلَّنا على السلوك الحسَن والسلوك القبيح.
وفي وجود قيم أخلاقية مطلقة وثابتة يسهل التحفيز على فعل السلوك المحمود، والتنفير من فعل السلوك المذموم، ويسهل الالتزام بالقيم الأخلاقية.
وفي وجود قيم أخلاقية مطلقة وثابتة يميز الإنسان بين السلوك الحسَن والسلوك القبيح، ويبحث عن أفضل العلاقات وأحسنِها في معاشرة الناس، وبذلك يتميز سلوك الإنسان عن سلوك البهائم، ويحافظ الإنسان على إنسانيَّته التي يرتفع بها عن الحيوان.
أهمية الالتزام بالقيم الأخلاقية
إن الالتزام بالقيم الأخلاقية ذو أهمية بالغة؛ إذ مع الالتزام بالقيم الأخلاقية يكثُر الخير والصلاح والصالحون، ويقل الشر والفساد والمفسدون.
وفي وجود قيم أخلاقية مطلقة وثابتة يتحلى أفراد المجتمع بها ويلتزمون بها: تجد الفرد والمجتمع يعيشون في سعادة؛ إذ الكل يفعل الخير ويجتنب الشر؛ فتنتشر الفضيلة وتختفي الرذيلة، والعيش في ظل الفضيلة يبعث السعادة والبهجة.
وفي وجود قيم أخلاقية مطلقة وثابتة يتحلى أفراد المجتمع بها ويلتزمون بها: تجد الفرد والمجتمع يعيشون في طمأنينة وأمان وسلام؛ إذ الكل يفعل الخير ويتوقَّعُه ممن حوله.
وفي وجود قيم أخلاقية مطلقة وثابتة يتحلى أفراد المجتمع بها ويلتزمون بها: يتخلص المجتمع من ظاهرة القلق والاضطرابات التي تسُوده؛ لانتشار الخير، والثقة المتبادلة والأُلفة والمحبة بين الناس.
أهمية الإلزام بالقيم الأخلاقية
القيم الأخلاقية لا معنى لها إذا لم تكن ملزِمة، ولا أخلاق بدون إلزام؛ إذ بدون الإلزام لا يهتم الإنسان بالأخلاق، ولا يُعِيرها اهتمامًا، وبانعدام الإلزام تنعدم المسؤولية الأخلاقية، وإذا انعدمت المسؤولية الأخلاقية التي تُلزم الإنسان بالعمل الخُلقي، ولا يوجد ما يحمله على الالتزام - ضاعت الأخلاق؛ فكلُّ شخص يفعل ما يحلو له.
مصدر الإلزام الأخلاقي في غياب الدِّين
إذا كانت الأخلاق لا معنى لها دون إلزام، فما مصدر الإلزام الأخلاقي في غياب الدِّين: هل هو الضمير أو العقل أو المجتمع أو المنفعة أو القانون؟
وإن قيل: مصدر الإلزام الضمير؛ فالجواب: لا يكفي وازعُ الضمير الإنساني وحده لحمل الإنسان على التحلي بالفضائل؛ فمِن الناس مَن يتميز بضعف الضمير، وكثيرًا ما تتحكَّمُ العواطف والانفعالات والعادات والتقاليد والمواقف الخاصة والمصالح الشخصية في ضمائر الناس وأحكامهم، وقد يخطئ الضمير بسبب العديد من المؤثرات، وقد ينحرف بسبب العديد من المؤثرات الخارجية، فيرى المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، والضمير ليس ملكة معصومة من الخطأ، بل يحتاج إلى مَن يرشده.
والضمير يختلف في البيئة الواحدة، وفي الجماعة الواحدة، فما يمليه ضمير شخص قد لا يمليه ضمير شخص آخر، وكما قيل: الناس في كل العصور، وفي جميع الأقطار، يستشيرون ضمائرهم، ولكنها لا تُسمِعهم جميعًا لحنًا واحدًا؛ إذ إن ما يظهر عدلًا وخيرًا لبعض النفوس المخلِصة في عصر خاص، لا يظهر عدلًا ولا خيرًا لنفوس أخرى، هي أيضًا مخلصة، ولكنها عاشت في عصر آخر أو مكان آخر.
وإن قيل: مصدر الإلزام الأخلاقي: العقل، فالجواب: لا يكفي وازع العقل وحده لحمل الإنسان على التحلي بالفضائل؛ فالعقول قاصرة لا تهدي أصحابها في جميع الأحوال، وأحكام العقول متناقضة، وما يحكم عليه شخص بأنه خيرٌ له يحكم عليه آخرُ بأنه شر له، والأخلاق عقليًّا من منظور مادي غير مربحة، بل ضارة، بل هي أكبر عبء على صاحبها.
وقد يخطئ العقل بسبب العديد من المؤثرات، وقد ينحرف بسبب العديد من المؤثرات الخارجية؛ فيرى المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، وقد يصاب عند بعض الناس بعلَّةٍ من العلل المرَضية، فيعشَى أو يعمَى، أو تختل عنده الرؤية، فيصدر أحكامًا فاسدة، والعقل ليس ملَكةً معصومة من الخطأ، بل يحتاج إلى من يرشده.
وإن قيل: مصدر الأخلاق والإلزام الأخلاقي هو المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، فالجواب: لا يمكن أن يكون المجتمع مصدرًا للأخلاق، ولا مصدرًا للإلزام الأخلاقي إلا إذا اعتبرنا المجتمع مجتمعًا مثاليًّا، أضف إلى ذلك أن ليس كل فرد مندمجًا في المجتمع؛ فالقِيَم الأخلاقية تتباين داخل المجتمع الواحد، ولك أن ترجع إلى التاريخ لترى أن بعض الأفراد من أنبياءَ ورسلٍ ومصلحين كانوا مصدرًا لقيم أخلاقية ساعدتِ المجتمعات على النهوض والتقدم.
وأعراف الناس متغيرة وغير ثابتة؛ إذ تختلف الأعراف باختلاف الزمان والمكان، فما كان مألوفًا متعارَفًا عليه في زمان أو مكان قد يكون منكَرًا ومستهجنًا في زمان آخر أو مكان آخر، والأخلاق تتمتع بالمطلقية والثبات في كل زمان ومكان.
واعتبار المجتمع مصدر الأخلاق والإلزام الأخلاقي يجعل الأخلاق خاضعة لِما تواضَع عليه الناس في المجتمع، وبدلاً مِن أن تُحدِث القِيَمُ الأخلاقية تحولاتٍ في الواقع والمجتمع تصبح الأخلاق مجرد انعكاس لهذا الواقع، وتبريرًا له، وبالتالي تفقِد الأخلاق مطلقيتها وإلزامها، وماذا لو تواضع الناس على جواز الزنا، وجواز اللواط، وجواز زنا المحارم، هل يلتزم الفرد بمثل هذه السلوكيات الفاسدة أو يخالف مجتمعه؟!
وإن قيل: مصدر الأخلاق والإلزام الأخلاقي هو المنفعة، فالجواب: الأخلاق التي تُبنى على المنفعة هي الأخلاق النفعية، والأخلاق النفعية لا تحمل من الأخلاق إلا اسمها، واعتبار المنفعة مقياسًا للأخلاق يجعل الأخلاق نسبية ومتغيرة؛ فيصبح السلوك الواحد خيرًا وشرًّا في آنٍ واحد، خيرًا عند الذي حقق له منفعة، وشرًّا عند الذي لم يتحقق له منفعة، وبالتالي لا يوجد خُلق حميد، ولا خُلق رذيل، وهذا مخالف للواقع؛ بدليل وجود قيم أخلاقية تحتفظ بقدرٍ مِن التوافق العام والتصور المشترك؛ كالعدالة، والفضيلة، والكرم.
واعتبار المنفعة مقياسًا للأخلاق يُلغي الأخلاق؛ لأن المبدأ الذي تستند إليه الأخلاق وتحتكم إليه مفقود؛ فالمنافع متعارضة، وما ينفعني قد لا ينفع غيري، مما يؤدي لحدوث التنازع، واصطدام مصالح الناس بعضها ببعض، وعموم الفوضى.
وربط الأخلاق بالمنفعة يحط من قيمة الأخلاق؛ لأنه ينزلها إلى مستوى الغرائز، والغرائز موجودة في الإنسان والحيوان معًا، فيصبح سلوك الإنسان لا يتميز عن سلوك الحيوان.
وإن قيل: مصدر الإلزام الأخلاقي هو القانون، فالجواب: لا يكفي القانون وحده وازعًا لحمل الناس على التحلي بالأخلاق؛ إذ يمكن التحايل عليه، ويستطيع الإنسان الإفلات منه، وتجاوزه، والهروب من العقوبة، وسلطان القانون على الظاهر لا على الباطن، والقانون قد يعاقب المسيء، لكنه لا يكافئ المحسن، وإذا كانت القوانين عاجزةً عن أن تزجر الإنسان عن الشر والفساد - بدليل كثرة الشر والفساد - فهي أشد عجزًا عن أن تدفعَ الإنسان إلى الخير والإصلاح.
ومن هنا لا يكفي كلٌّ من الضمير والعقل والمجتمع والمنفعة والقانون لأن يكون أحدهم مصدرًا للإلزام الأخلاقي، والاكتفاء بوضعِ باعثٍ واحد للالتزام أدعى إلى عدم الالتزام.
ولو جعلنا طرق الإلزام كلَّ هذه الطرق دون الإلزام بوازع الدِّين، فهذا لا يصح أيضًا؛ لأن الضمير متفاوت متغير، والعقول قاصرة متفاوتة في إدراك ما ينفعها، والمنفعة نسبية، فما ينفعني قد لا ينفع غيري، والمجتمع متغير، وما هو سائدٌ في هذا المجتمع قد لا يكون سائدًا في مجتمعي، والقانون سلطانه على الظاهر دون الباطن، فلا بد مِن مصدر مُتعالٍ يُهَيمِن على كل هذه المصادر، ويرشدها ويوجِّهها ويقوِّمها إذا اعوَجَّتْ.
الحاجة إلى الدِّين في تأسيس الأخلاق والإلزام بها
إن القيم الأخلاقية لا معنى لها إذا لم تكن مطلقة وملزِمة، ولا تكون القيم الأخلاقية كذلك إلا إذا استمدَّتْ وجودها وإلزاميتها من مصدر مُتعالٍ، وهذا المصدر المتعالي هو الدِّين[6]، وأمام الدِّين يصبح الإنسان أمام مرجعية عليا للأخلاق، بحيث يستند إليها في تقرير صحةِ القواعد والمبادئ الأخلاقية من عدمها، والمبادئ التي جاء بها الدِّين في المجال الأخلاقي مبادئُ ثابتة ومطلقة، وغير قابلة للتغيُّر والتبدل، وعزل القيم الأخلاقية عن هذا المصدر المتعالي يؤدِّي إلى زوال حقيقتها، فتصبح خاضعةً إما للضمير المتقلب المتغير، أو للعقل القاصر المتفاوت، أو للمنفعة النسبية، أو للمجتمع المتغير غيرِ المثالي.
وبغير الدِّين لا يهتم الإنسان بالأخلاق، ولا يُعِيرها اهتمامًا، ولم تُشهَدْ أمَّة أو جماعة التزمت القِيَم الأخلاقية وتقيَّدت بضوابطها دون الاعتماد على وازعٍ يقودها إلى ذلك، ولا يوجد وازع ينجح في حمل الناس على هذا الالتزام إلا الوازع الديني الذي يجعل الإنسانَ يشعر بمراقبة الله - سبحانه وتعالى - الدائمة والشاملة له؛ فالوازع الديني يعتبر أقوى إلزام للإنسان، وهو خيرُ ضمان لاستقامة الفرد في حياته.
وإن حضور الدِّين في مشاعر الحب والخوف، والرضا والغضب، والرغبة والكُرْه - ينمِّي في شخصية الإنسان مقاومة الانحراف والشر، بينما خلوُّ المشاعر من التدين يؤدي إلى سهولة انحراف الإنسان، والذي يستشعر أن اللهَ سبحانه هو الحسيب والرقيب يكون مِن أبعدِ الناس عن الغش والكذب والظلم، والذي لا يؤمن بإلهٍ خالق حسيب ورقيب يكون مِن أقربِ الناس إلى الغش والكذب والظلم، ويقول البعض: إذا لم يكن إلهٌ ولا دِين فليس غريبًا ولا مجافيًـا للواقع أن تعيث في الأرض فسادًا، ولو على حساب الآباء والأبناء، ويقول آخرون: إذا لم يكن لك دينٌ فلا مانع أن تخونَك زوجتك، ويسرقَك خادمك.
وفي المجتمعات غيرِ الملتزمة بالدِّين يمكن أن يُقدِم الناس على ارتكاب جميع أنواع الأعمال المنافية للأخلاق، لكن الشخص المتدين حقَّ التدين لا يمكن أن يفعل الأعمال المنافية للأخلاق، مثلاً لا يقبل أن يتعامل بالرشوة أو القِمار، أو أن يحسُدَ أحدًا، أو أن يكذب؛ لأنه يعلم أن عليه مراقبة أعماله، وتذكر الحساب بعد الموت، أما الشخص غير المتدين فلا يمنعه شيء عن ارتكاب هذه الأعمال.
وليس كافيًا أن يقول الشخص غير المتدين: أنا لا أؤمن بالله، ولكنني لا آخذ رشوة، أو أن يقول: أنا لا أؤمن بالله، ولكنني لا أقامر، أو أن يقول: أنا لا أؤمن بالله، ولكنني لا أسرق، أو أن يقول: أنا لا أؤمن بالله، ولكنني لا أزني، والسبب أن الإنسان الملحد الذي لا يخشى الله، ولا يستشعر رقابته، ولا يخاف الحساب بعد الموت - قد يرتكب أي فعل من هذه الأفعال عند تغيُّر المواقف أو الأوضاع من حوله.
وإذا قال شخص ما: أنا ملحد، ولكنني لا أزني؛ فالشخص نفسه قد يرتكب الزنا في مكان يعتبر فيه الزنا أمرًا عاديًّا، وممكن للشخص الذي لا يأخذ رشوة أن يقول: إني أحتاج المال، فعلَيَّ أن أقبل الرشوة، هذا إذا لم يكن في قلبه خوف من الله تعالى.
وفي حالة غياب الدِّين، فإن السرقة نفسها يمكن أن تصبح أمرًا مشروعًا تحت ظروف معينة؛ فالإنسان الذين لا دين له يمكن ألا يعتبر - حسب رأيه - أن أخذ المناشف وأدوات الزينة من الفنادق سرقة.
ومن ناحية أخرى، فإن الشخص المتدين لا يُظهر مثل هذا العمل؛ لأنه يخشى الله، ويعلم أن الله يعلم سرَّه وعلانيته؛ فالمؤمن يعمل بإخلاص، ويتجنب المعاصي، ويمكن لملحد أن يقول: أنا ملحد، ولكنني أتسامح مع الناس؛ فأنا لا أشعر برغبة في الانتقام، ولا أكره أحدًا، ولكن في يوم ما يمكن أن يحدث شيء ما يجعله يُظهِر تصرفًا غير متوقع منه؛ كأن يحاول قتل شخص ما، أو إيذاءَه؛ لأن الأخلاق التي لديه تتغير بحسب البيئة والظروف التي يوجد فيها، وانعدام الوازع الديني عند الملحد يجعله كلما تحركت في نفسه شهوةٌ أو نزوةٌ سارَعَ إلى قضائها.
أما الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان، فلا يَحيد أبدًا عن الأخلاق الفاضلة مهما كانت المؤثرات؛ فأخلاقه غير متقلبة، والوازع الديني عنده ومراقبة الله والخوف من ارتكاب الإثم، يجعَلُه يتجنب الوقوع في رذائل الأخلاق.
يتبع