عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-02-2020, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,495
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تعريف الاجتهاد لغة واصطلاحا



وخص بعضهم الأول بيقين التدبر، أما العيان فلا يقال فيه إلا العلم[47].





والظن في اصطلاح الأصوليين: تجويز أمرين أحدهما أقوى من الآخر[48]، وقيل غير ذلك[49]، وقوله: بالعلم أو الظن: يشمل بذل الوسع في تحصيل علم، أو ظن في الذوات، أو الصفات، أو الأفعال، أو الأحكام.





كما يشمل بذل الوسع لتحصيل ما كان سبيله الاعتقاد اليقيني الجازم، أو ما كان سبيله مجرد الظن.












وقوله: أو: أوردها هنا للتفصيل؛ إذ قد تكون نتيجة الاجتهاد إما قطعًا أو ظنًّا.





وقوله: "بالحكم": الحكم أصله حكم، وهو أصل يدل على المنع، وحكم بالأمر إذا قضى به، وحكم فلانًا إذا منعه عما يريده وردَّه، وحكم بينهما إذا فصل[50].





والحكم في العرف العام: إسناد أمر لأمر، أو نفيه عنه[51].





وهو عند الأصوليين - على أشهر تعريفاتهم -: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع[52].












وتقييده بـ: "حكم": يخرج العلم أو الظن بالذوات والصفات والأفعال.





إلا أنه أطلق الحكم ولم يقيده، فلا يخلو:





أولًا: أن يريد به الحكم الشرعي المصطلح على تعريفه بأنه: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، فيكون إطلاقه من باب اعتماده على عرف الأصوليين، لا سيما وهو يتكلم في فنهم.





وإذا صح ذلك خرج به الحكم غير الشرعي، كالعقلي والحسي والعرفي.





والعقلي: كقولهم: الواحد نصف الاثنين، والجزء أقل من الكل، والحسي: كقولهم: النار محرقة والشمس طالعة، والعرفي: كقولهم: الفاعل مرفوع - في عُرف النحويين - وكالإنسان لا يطير في الهواء.












ثانيًا: أن يريد ما هو أعم من ذلك، وهو إدراك الثبوت والانتفاء، فيكون شاملًا لما سبق من الأحكام العقلية والحسية والعرفية.





فيكون الحد غير مانع حينئذ؛ لأنه يعرف الاجتهاد بالعرف الشرعي، وهو لا يكون إلا في الأحكام الشرعية، بل وليس الاجتهاد المعرَّف يعم جميع الأحكام الشرعية كما هو معلوم، وإنما يخص الفقه دون غيره، وهذا ما عناه الأصوليون حينما أوردوا تعريف الاجتهاد في مؤلفاتهم.












أما عمن وافق الشَّاطبي في تعريفه للاجتهاد فيقتضي بيان ذلك أن نعرض لكل لفظة من تعريف الشَّاطبي، ثم نقارنها بأبرز تعريفات الأصوليين لنرى من وافقه الشَّاطبي واستفاد منه، أو وافق الشَّاطبي في تعريفه، علمًا أننا لا يمكننا تقصي كل ما ورد من تعريفات للأصوليين ومقارنتها بتعريف الشَّاطبي؛ لأن ذلك يقتضي طولًا فائدته لفظية؛ ولذا كان الأولى الإمساك عن ذلك، وعرض ما يناسب المقام دون إطالة مملة، ثم بعد ذلك نخلص إلى التعريف الذي أراه مناسبًا للاجتهاد في اصطلاح الأصوليين، وفيما يلي نبين من وافق الشَّاطبي في ألفاظ تعريفه:





أولًا: فيما هو كالجنس: قال الشَّاطبي فيما هو كالجنس في التعريف: استفراغ الوسع:





وقد وافق الشَّاطبي على بداية التعريف بهذا اللفظ: الرازي، فقال في تعريف الاجتهاد: استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه[53]، وتبعه على هذا التعريف السراج الأرموي[54] والصفي الهندي[55]، واختصره القَرافي موافقًا له في بدايته، فقال: استفراغ الوسع في النظر فيما يلحقه لوم شرعي[56].





واختار هذا الجنس في التعريف: الآمدي، فقال: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه[57].





وابن الحاجب، فقال: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي[58]، وتبعه التفتازاني[59].





وابن مفلح، فقال: استفراغ الفقيه وسعه لدرك حكم الشرعي[60]، وتبعه المرداوي[61]، وابن النجار[62].





وابن السبكي، فقال: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم[63]، وتبعه البرماوي في ألفيته[64].





وابن جُزَي، فقال: استفراغ الوسع في النظر في الأحكام الشرعية[65].





ومن هؤلاء من وافقه في كلمة استفراغ وخالفه في كلمة الوسع:





كالتاج الأرموي فقال: استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية[66]، وتبعه البيضاوي[67].





وبعض الأصوليين خالف الشَّاطبي في اختيار ما هو كالجنس للتعريف، فاختار كلمة: بذل، وبذل كلمة تطلق ويراد بها ترك صيانة الشيء، يقال: بذل الشيء إذا سمح به وأعطاه غيره، وبذل يمينه؛ أي: ما قدر عليه، والبذل ضد المنع[68].












ومن هؤلاء من خالفه في الكلمة الأولى، وهي قوله: استفراغ، ووافقه في كلمة الوسع:





ومنهم الغزالي، فقال: بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة[69].





والقرافي في تعريفه الآخر، فقال: بذل الوسع في الأحكام الفروعية الكلية ممن حصلت له شرائط الاجتهاد[70].





والزركشي، فقال: بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط[71].





والبرماوي، فقال في شرح ألفيته: بذل الوسع من الفقيه في تحصيل ظن بحكم شرعي[72].





ومن الأصوليين من خالفه في كلمتي الجنس:





كابن قدامة؛ حيث قال: بذل الجهد في العلم بأحكام الشرع[73].





والتبريزي؛ حيث قال: بذل الجهد في تعريف الأحكام الفروعية التي هي مجاري الظنون[74].





والطُّوفي؛ إذ قال: بذل الجهد في تعرُّف الحكم الشرعي[75].





وابن الهمام، فقال: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني[76]، وتبعه ابن عبدالشكور[77].












وبتأمل ما هو كالجنس في التعريف: يلحظ ما يلي:





أولًا: أن بعض الأصوليين عبر ببذل الجهد، أو استفراغ الجهد، أو المجهود، وهذا لا ينبغي؛ لأنه تعريف للاجتهاد بما هو من مادته، ويلزم من ذلك الدور.





ثانيًا: أن بقية الألفاظ في التعبير عما هو كالجنس - كقول بعضهم: استفراغ الوسع، أو بذل الوسع، أو بذل الطاقة - متقاربة ومؤدية للغرض، إلا أنني أرشح ما اختاره الشَّاطبي، وهي كلمة استفراغ[78]؛ وذلك لما يلي:





أولًا: أن أكثر المعرفين اختاروا هذا الجنس دون غيره.





ثانيًا: أن كلمة "استفراغ" أصلها مادة فرغ، وهي تدل على الخلو والفراغ خلاف الشغل، وفي ذلك إلماح إلى الحالة التي كان عليها المجتهد قبل طلبه وبحثه عن حكم الواقعة؛ إذ غالبًا ما يكون المجتهد فارغ الذهن عن الحكم الذي يطلبه، وهذا يوافق ما يدل عليه أصل مادة: "فرغ".





ثالثًا: أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، ومن المعلوم أن الألف والسين والتاء تدل على الطلب.





رابعًا: أنها أكثر موافقة للحالة التي يكون عليها المجتهد، لا سيما إذا انتهى من طلبه وتوصل إلى الحكم؛ إذ قوله: استفرغ وسعه يدل على عجزه التام عن مزيد طلب؛ فهو قد اجتهد حتى فرغ ما لديه من الجهد، فأصبح فارغ الجهد.












ثانيًا: حذف من يقوم بالاجتهاد:





قال الشَّاطبي في تعريفه: استفراغ الوسع، ولم يقيد ذلك بمن يقوم بعملية الاجتهاد.





وقد وافق الشَّاطبيَّ على ذلك جملةٌ من الأصوليين، كما يظهر ذلك من التعريفات السابقة؛ كالرازي، والسراج الأرموي، والتاج الأرموي، وابن قدامة، والآمدي، والتبريزي، والقَرافي، والصفي الهندي، والطوفي، والزركشي، وابن جزي، والبرماوي.





وخالفه آخرون، فقيدوه بمن يقوم لعملية الاجتهاد.





ومنهم من قيده بالمجتهد: كالغزالي.





ومنهم من قيَّده بالفقيه: كابن الحاجب، وابن مفلح، وابن السبكي، والبرماوي، والتفتازاني، والمرداوي، وابن الهمام، وابن النجار، وابن عبدالشكور.












ويمكن أن يلاحظ:





أولًا: أن تقييد التعريف بالمجتهد يلزم منه الدور؛ لأن المجتهد لا يمكن معرفته إلا بمعرفة الاجتهاد[79].





ثانيًا: أن من الأصوليين من قيده بالفقيه، وهو في اصطلاح الأصوليين: المجتهد العالم بأصول الفقه، القادر على استخراج الأحكام من الأدلة، أما إطلاقه على من يحفظ الفروع فليس من اصطلاحهم[80]، وهذا القيد مخرج للعامي، ومن لا يطلق عليه مسمى الفقيه؛ كالرسول صلى الله عليه وسلم[81]، وقد اعترض على هذا القيد من أوجه:





الوجه الأول: أن معرفة الفقه غير مشترط في المجتهد، فكيف يشترط أن يكون فقيهًا، كما أن غير الفقيه لو اجتهد في الأحكام الشرعية، وقد جاء بشروط الاجتهاد، لصح اجتهاده[82].





الوجه الثاني: ما ذكره التفتازاني من أن الفقيه لا يصير فقيهًا إلا بعد الاجتهاد؛ ولذا فالأولى حذف هذا القيد حتى لا يلزم منه الدور[83].





الوجه الثالث: أنه أخرج اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يسمى في العرف فقيهًا[84].












وأجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة:





الجواب الأول: أن القيد في محله؛ لأن استفراغ الوسع جنس قد يقع من الفقيه ومن غيره، ولا يتصور فقيه غير مجتهد، ولا مجتهد غير فقيه، وما شاع من إطلاق الفقيه على غير المجتهد مخالف لعرف الأصوليين واجتهادهم[85].





الجواب الثاني: أن الفقيه يراد به هنا المتهيئ لمعرفة الأحكام، فيكون من باب المجاز الشائع، وهذا ما ذكره التفتازاني بعد إيراده الاعتراض المتقدم؛ حيث قال جوابًا عليه: "اللهم إلا أن يراد بالفقه التهيؤ لمعرفة الأحكام"[86].





ونوقش بأن هذا فيه تكلف، وإنما يُحمَل اللفظ على المجاز عند القرينة، ولا قرينة، والأصل في التعريفات الحقيقة لا المجاز[87].






وقد يقال: القرينة هي العرف السائد المنتشر[88].





الجواب الثالث: أن المراد تعريف اجتهاد الفقيه، لا مطلق الاجتهاد[89].












ثالثًا: مما يلاحظ أن أغلب الأصوليين لم يقيدوا التعريف بمن يقوم بعملية الاجتهاد تمامًا كما فعل الشَّاطبي، ولعلهم فعلوا ذلك؛ لأن المعنى المفهوم من عموم التعريف يدل على ذلك، وغاية ما في تلك اللفظة أنها مخرجة لاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتهاد العامي، وعلى القول بجواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فهو أول المجتهدين من هذه الأمة، ولا يخرج بإطلاق هذا اللفظ، وبالتالي فلا داعي لإخراجه من التعريف، أما العامي فإن كان المراد بالتعريف عموم الاجتهاد، وليس المراد هو الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه، فلا حاجة لإخراجه من التعريف، وهذا موافق لرأي الشَّاطبي من إطلاق الاجتهاد على تحقيق المناط بأنواعه، أما إن كان المراد هنا الاجتهاد المصطلح عليه، فإنه يتوجه على التعريف خلوه من قيد يخرج العامي، وهو وإن كان قد يفهم ذلك من مفهوم التعريف إلا أن الأولى في التعريف الوضوح، وعدم الاعتماد على المعنى.












ثالثًا: في الكلمة الثالثة في التعريف: قال الشَّاطبي: في تحصيل:





وقد وافق الشَّاطبي على هذه اللفظة: ابن حاجب، وابن السبكي، والتفتازاني، والبرماوي، وابن الهمام، وابن عبدالشكور.





وخالفه بعضهم، فقال: في النظر: كالرازي، والسراج الأرموي، والصفي الهندي، والقَرافي، وابن جُزي.





وبعضهم قال: في طلب: كالغزالي، والآمدي.





وبعضهم قال: لدرك: كالتاج الأرموي، والبيضاوي، وابن مفلح، والمرداوي، وابن النجار.





وبعضهم قال: في تعرُّف: كالتبريزي، والطوفي.





وبعضهم قال: في نيل: كالزركشي.





والكلمات المذكورة كلها مؤدية للغرض وافية بالمطلوب، إلا النظر، فإنه اعترض عليه بأن النظر إما أن يراد به معناه في اللغة، فيكون تعريفًا بالمغاير، أو يراد به المعنى الاصطلاحي، فيكون تعريفًا بالأخفى[90]، والنظر في اللغة بمعنى: تأمل الشيء ومعاينته[91]، والمراد هنا هو الأول، وهو ما يكون بالقلب والفكر، وهو في الاصطلاح: الفكر في حال المنظور فيه[92].












أما الطلب فهو ابتغاء الشيء[93]، والإدراك يطلق على الوصول إلى الشيء[94]، والمجتهد يصل إلى القول الراجح بعد بذل الجهد.





أما المعرفة فتطلق على سكون النفس إلى الشيء والطمأنينة به، أو تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض[95]، والنفس تسكن إلى القول الأرجح عندها، والعلم به قد يتتابع ولا يكون جملة واحدة.





ونيل الشيء هو بلوغ المقصود منه[96]، والمجتهد باجتهاده يبلغ المقصود، وهو القول الراجح.












وفي نظري أن أنسب هذه الكلمات - وإن كانت كلها مؤدية للغرض - هي كلمة: "درك"، ولعل مما يرشحها أن الإدراك بمعنى الإحاطة، والإحاطة أشمل من المعرفة؛ ولذا يوصف الله سبحانه بأنه محيط، ولا يوصف بأنه عارف[97]، وهذا موافق لحالة المجتهد؛ إذ عليه أن يحيط بجوانب المسألة التي يطلب الحكم فيها، كما أن هذه الكلمة أوفق من بقية الكلمات للحالة التي عليها المجتهد.












يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.06 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]