وقال أحمد[54]: عليه في الجميع كفارة يمين، وتقدم بيان بقية الاختلاف في الباب الذي قبله.
قال البيهقي بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند رجاله ثقات من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرَّم، فجعل الحرام حلالًا، وجعل في اليمين كفارة[55]، قال: فإن في هذا الخبر تقوية لقول من قال: إن لفظ الحرام لا يكون بإطلاقه طلاقًا ولا ظهارًا ولا يمينًا.
قوله: وقال الليث عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سُئل عمن طلق ثلاثًا، قال: لو طلقت مرةً أو مرتين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا: فإن طلقتها ثلاثًا حرمُت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك. وهذا الحديث مختصر من قصة تطليق ابن عمر امرأته...
إلى أن قال: وأرد البخاري بإيراد هذا هنا الاستشهاد بقول ابن عمر: حرمت عليك، فسماها حرامًا بالتطليق ثلاثًا، كأنه يريد أنها لا تصير حرامًا بمجرد قوله: أنت علي حرام، حتى يريد به الطلاق أو يُطلقها بائنًا، ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة؛ لقوله فيه: "لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عُسيلتك"[56].
تنبيه: زعم ابن بطال[57] أن البخاري يرى أن التحريم يتنزل منزلة الطلاق الثلاث، وشرح كلامه على ذلك فقال -بعد أن ساق الاختلاف في المسألة-: وفي قول مسروق: ما أُبالي حرمت امرأتي أو جفنة ثريد، وقول الشعبي: أنت علي حرام أهون من فعلي، هذا القول شذوذ، وعليه رد البخاري قال: واحتج من ذهب أن من حرَّم زوجته أنها ثلاث تطليقات بالإجماع[58] على أن من طلق امرأته ثلاثًا أنها تحرم عليه[59]، قال: فلما كانت الثلاث تُحرمها كان التحريم ثلاثًا.
قال: وإلى هذه الحجة أشار البخاري بإيراد حديث رفاعة؛ لأنه طلق امرأته ثلاثًا، فلم تحل له مراجعتها إلا بعد زوج، فكذلك من حرَّم على نفسه امرأته فهو كمن طلقها.
قال الحافظ: وفيما قاله نظر، والذي يظهر من مذهب البخاري: أن الحرام ينصرف إلى نية القائل؛ وللك صدَّر الباب بقول الحسن البصري، وهذه عادته في موضع الاختلاف مهما صدر به من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره، وحاشا البخاري أن يستدل بكون الثلاث تحرم أن كل تحريم له حكم الثلاث مع ظهور منع الحصر؛ لأن الطلقة الواحدة تحرم غير المدخول بها مُطلقًا، والبائن تُحرم المدخول بها إلا بعد عقد جديد، وكذلك الرجعية إذا انقضت عدتها، فلم ينحصر التحريم في الثلاث، وأيضًا فالتحريم أعم من التطليق ثلاثًا، فكيف يستدل بالأعم على الأخص.
ومما يؤيد ما اخترناه أولًا: تعقيب البخاري الباب بترجمة: ï´؟ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ï´¾ وساق فيه قول ابن عباس: إذا حرَّم امرأته فليس بشيء، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: إذا حرَّم امرأته ليس بشيء، كذا للكشميهني، وللأكثر: ليست، أي: الكلمة، وهي قوله: أنت علي حرام، أو محرمة، أو نحو ذلك.
قوله: وقال -أي: ابن عباس- مستدلًا على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ï´؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ï´¾ [الأحزاب: 21] يشير بذلك إلى قصة التحريم، وقد وقع بسط ذلك في تفسير سورة التحريم، وذكرت في باب موعظة الرجل ابنته في كتاب النكاح، في شرح الحديث المطول في ذلك، من رواية ابن عباس عن عمر[60] بيان الاختلاف: هل المراد تحريم العسل أو تحريم مارية؟ وأنه قيل في السبب غير ذلك، واستوعب ما يتعلق بوجه الجمع بين تلك الأقوال بحمد الله تعالى.
وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرَّمها، فأنزل الله هذه الآية: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ï´¾[61]، وهذا أصح طرق هذا السبب.
وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم -التابعي الشهير- قال: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله، في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها عليه حرامًا، فقالت: يا رسول الله، كيف تُحرم عليك الحلال؟! فحلف لها بالله لا يُصيبها، فنزلت: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ï´¾.
قال زيد بن أسلم: فقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ حرام، لغو، وإنما تلزمه كفارة يمين إن حلف[62].
وقوله: "ليس بشيءٍ" يحتمل أن يريد بالنفي التطليق، ويحتمل أن يريد به ما هو أعمُّ من ذلك، والأول أقرب، ويؤيده: ما تقدم في التفسير من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير -بهذا الإسناد- موضعها في الحرام يُكفر، وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري، عن معاوية بن سلام، بإسناد حديث الباب بلفظ: "إذا حرَّم الرجل امرأته فإنما هي يمين يُكفرها"[63]، فعُرف أن المراد بقوله: "ليس بشيء" أي: ليس بطلاقٍ.
وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلًا جاءه فقال: إني جعلت امرأتي علي حرامًا؟ قال: كذبت، ما هي عليك بحرام، ثم تلا: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ï´¾ ثم قال له: عليك رقبة[64].
قال الحافظ: وكأنه أشار عليه بالرقبة؛ لأنه عرف أنه موسر، فأراد أن يُكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق الرقبة، ويدل عليه ما تقدم عنه من التصريح بكفارة اليمين.
ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة شُرب النبي صلى الله عليه وسلم العسل عند بعض نسائه...
إلى أن قال: واستدل القرطبي وغيره بقوله: "حلفت"، على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى: ï´؟ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ï´¾ [التحريم: 2] هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: حلفت، فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم، وهو استدلال قوي لمن يقول: إن التحريم لغوٌ لا كفارة فيه بمجرده، وحمل بعضهم قوله: (حلفت)، على التحريم، ولا يخفى بعده، والله أعلم"[65].
[1] الروض المربع ص 416.
[2] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 265 - 267، وشرح منتهى الإرادات 5/ 393، وكشاف القناع 12/ 228.
[3] شرح منتهى الإرادات 5/ 393، وكشاف القناع 12/ 228.
[4] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 272 - 273.
[5] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 274، وشرح منتهى الإرادات 5/ 394، وكشاف القناع 12/ 229.
[6] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 271 - 277.
[7] المقنع 3/ 151 - 152.
[8] شرح منتهى الإرادات 5/ 539، وكشاف القناع 12/ 473.
[9] المهذب 2/ 106، وتحفة المحتاج 8/ 17 - 18، ونهاية المحتاج 7/ 85 - 86.
[10] فتح القدير 3/ 196 - 197.
[11] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 267.
[12] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 267.
[13] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 267.
[14] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 273.
[15] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 271 - 273.
[16] فتح القدير 3/ 196 - 197، وحاشية ابن عابدين 3/ 455 - 456.
[17] تحفة المحتاج 8/ 17، ونهاية المحتاج 6/ 433.
[18] الشرح الصغير 1/ 458، وحاشية الدسوقي 2/ 383.
[19] شرح منتهى الإرادات 5/ 393، وكشاف القناع 12/ 228.
[20] شرح منتهى الإرادات 5/ 393، وكشاف القناع 12/ 228.
[21] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 265 - 267.
[22] فتح القدير 3/ 196 - 197، وحاشية ابن عابدين 3/ 455.
[23] المهذب 2/ 106، وتحفة المحتاج 8/ 17 - 18، ونهاية المحتاج 7/ 85 - 86.
[24] البخاري 4911، ومسلم 1473.
[25] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 275 - 276.
[26] انظر: حاشية المقنع 3/ 151 - 152، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 22/ 265 - 275.
[27] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 276 - 277.
[28] شرح منتهى الإرادات 5/ 394 - 395، وكشاف القناع 12/ 229 - 230.
[29] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 276 - 277.
[30] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 22/ 276 - 278.
[31] الشرح الصغير 1/ 458، وحاشية الدسوقي 2/ 383.
[32] تحفة المحتاج 8/ 17، ونهاية المحتاج 6/ 433 - 434.
[33] فتح القدير 3/ 196 - 197، وحاشية ابن عابدين 3/ 455 - 456.
[34] البخاري 4911.
[35] مسلم 1473.
[36] ذكر في الهامش: لعله أنها مغلظة.
[37] بداية المجتهد 2/ 72 - 73.
[38] البخاري 5264.
[39] البخاري 5265.
[40] البخاري 5266.
[41] البخاري 5267.
[42] المهذب 2/ 106، وحاشية تحفة المحتاج 8/ 182، ونهاية المحتاج 7/ 85.
[43] "النووي" كذا في الأصل والفتح، وعلق المؤلف في حاشية الأصل: "لعله: الثوري"، قلت: وهو الصواب، انظر: المصنف لعبد الرزاق 6/ 404 11390.
[44] فتح القدير 3/ 196 - 197، وحاشية ابن عابدين 3/ 455 و456.
[45] كذا في الأصل، وفي الفتح: "تُكفر".
[46] شرح منتهى الإرادات 5/ 539، وكشاف القناع 12/ 473.
[47] مشكل الآثار 1/ 224 - 225.
[48] هذا هو قول محمد، أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف إن نوى الظهار فهو ظهار، انظر فتح القدير 3/ 197.
[49] الشرح الصغير 1/ 458، وحاشية الدسوقي 2/ 380.
[50] تفسير القرطبي 18/ 180 - 183.
[51] المنتقى شرح الموطأ 4/ 9 - 10.
[52] أخرجه البيهقي 7/ 351.
[53] المهذَّب 2/ 106، وتحفة المحتاج 8/ 18 - 19، ونهاية المحتاج 6/ 433 - 434.
[54] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 265 - 267.
[55] الترمذي 1201، وابن ماجه 2072، والبيهقي 7/ 352.
[56] البخاري 5265.
[57] شرح صحيح البخاري 7/ 400 - 402.
[58] الإجماع 399.
[59] فتح القدير 3/ 175 - 176، وحاشية ابن عابدين 3/ 434 - 435. والمنتقى شرح الموطأ 3/ 299، والشرح الصغير 1/ 402 - 403، وحاشية الدسوقي 2/ 257. وتحفة المحتاج 7/ 311، ونهاية المحتاج 6/ 281. وشرح منتهى الإرادات 5/ 514 - 515 وكشاف القناع 12/ 426.
[60] البخاري 5119.
[61] النسائي 7/ 71.
[62] الطبري في "تفسيره" 12/ 147.
[63] أخرجه الدارقطني 4/ 41، من طريق محمد بن المبارك الصوري، به.
وأخرجه مسلم 1473، من طريق معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم أخبره أن سعيد بن جبير أخبره أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا حرَّم الرجل عليه امرأته فهي يمينٌ يُكفرها.
[64] النسائي 6/ 151.
[65] فتح الباري 9/ 376.