وقال صاحب "الهداية" أيضًا: إن قال: اختاري، ينوي به الطلاق فلها أن تُطلق نفسها ويقع بائنًا، فلو لم ينو فهو باطل، وكذا لو قال: اختاري، فقالت: اخترت، فلو نوى فقالت: اخترت نفسي، وقعت طلقة رجعية[89].
وقال الخطابي[90]: يُؤخذ من قول عائشة: "فاخترناه فلم يكن ذلك طلاقًا": أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقًا، ووافقه القرطبي في "المفهم" فقال في الحديث: إن المخيرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار يكون طلاقًا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدل على الطلاق، قال: وهو مقتبس من مفهوم قول عائشة المذكور[91].
قال الحافظ: لكن ظاهر الآية: أن ذلك بمجرده لا يكون طلاقًا، بل لا بُد من إنشاء الزوج الطلاق؛ لأن فيها: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ}، أي: بعد الاختيار، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم.
واختلفوا في التخيير، هل هو بمعنى التمليك أو بمعنى التوكيل؟ وللشافعي فيه قولان[92]: المصحح عند أصحابه: أنه تمليك، وهو قول المالكية بشرط مبادرتها له حتى لو أخرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب في العقد ثم طلقت لم يقع.
وفي وجهٍ: لا يضر التأخير ما داما في المجلس، وبه جزم ابن القاص، وهو الذي رجحه المالكية[93] والحنفية[94]، وهو قول الثوري والليث والأوزاعي.
وقال ابن لمنذر: الراجح أنه لا يتقيد ولا يشترط فه الفور، بل متى طلقت نفذ، وهو قول الحسن والزهري، وبه قال أبو عبيد، ومحمد بن نصر من الشافعية، والطحاوي من الحنفية، وتمسكوا بحديث الباب حيث وقع فيه: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك..." الحديث[95]، فإنه ظاهر في أنه فسخ لها؛ إذ أخبرها ألا تختار شيئًا حتى تستأذن أبويها، ثم تفعل ما يُشيران به عليها، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير[96].
قال الحافظ: ويُمكن أن يُقال: يشترط الفور، أو ما دام في المجلس عند الإطلاق، فأما لو صرَّح الزوج بالفسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك فيتراخى، وهذا الذي وقع في قصة عائشة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل خيار كذلك، والله أعلم"[97].
وقال في "الاختيارات": "قال القاضي: إن قال لها: اختاري نفسك، فذكرت أنها اختارت نفسها، فأنكر الزوج، فالقول قوله؛ لأن الاختيار مما يمكنها إقامة البينة عليه فلا يُقبل قولها في اختيارها.
قال أبو العباس: يتوجه أن يُقبل قولها كالوكيل، على ما ذكره أصحابنا في أن الوكيل يُقبل قوله في كل تصرف وُكِّل فيه[98]، ولو ادعى الزوج أنه رجع قبل إيقاع الوكيل لم يُقبل قوله إلا ببينة، نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي الحارث[99]، ذكره القاضي في "المجرَّد"[100].
[1] الروض المربع ص417.
[2] شرح منتهى الإرادات 5/ 395 - 397، وكشاف القناع 12/ 230 - 235.
[3] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 299 - 300.
[4] المقنع 3/ 153 - 155.
[5] شرح منتهى الإرادات 5/ 395، وكشاف القناع 12/ 230.
[6] المنتقى شرح الموطأ 4/ 19.
[7] المهذب 2/ 105 - 106، وتحفة المحتاج 8/ 25.
[8] المهذب 2/ 105 - 106، وتحفة المحتاج 8/ 25.
[9] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 278 - 280.
[10] شرح منتهى الإرادات 5/ 395، وكشاف القناع 12/ 232.
[11] حاشية الدسوقي 2/ 412.
[12] الأم 8/ 296 - 297.
[13] فتح القدير 3/ 99، وحاشية ابن عابدين 3/ 331 - 333.
[14] شرح منتهى الإرادات 5/ 395 - 396، وكشاف القناع 12/ 232 - 233.
[15] فتح القدير 3/ 101، وحاشية ابن عابدين 3/ 336.
[16] الشرح الصغير 1/ 471، وحاشية الدسوقي 2/ 409.
[17] كشاف القناع 12/ 233.
[18] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 282.
[19] فتح القدير 3/ 103، وحاشية ابن عابدين 3/ 338 - 339.
[20] الشرح الصغير 1/ 471، وحاشية الدسوقي 2/ 409.
[21] شرح منتهى الإرادات 5/ 396، وكشاف القناع 12/ 233 - 234.
[22] حاشية الدسوقي 2/ 412.
[23] الأم 8/ 296 - 297.
[24] فتح القدير 3/ 99، وحاشية ابن عابدين 3/ 331 - 333.
[25] حاشية الدسوقي 2/ 412.
[26] شرح منتهى الإرادات 5/ 397، وكشاف القناع 12/ 237.
[27] المهذب 2/ 105.
[28] البخاري 5263، ومسلم 1477.
[29] شرح منتهى الإرادات 5/ 398، وكشاف القناع 12/ 237.
[30] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 293.
[31] كشاف القناع 12/ 195 - 196.
[32] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 164.
[33] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 162.
[34] في حاشية الأصل: "لعله: جوابه".
[35] شرح منتهى الإرادات 5/ 371، وكشاف القناع 12/ 238.
[36] شرح منتهى الإرادات 5/ 371، وكشاف القناع 12/ 239.
[37] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 298.
[38] شرح منتهى الإرادات 5/ 371، وكشاف القناع 12/ 238.
[39] كشاف القناع 12/ 239 - 240.
[40] شرح منتهى الإرادات 5/ 398، وكشاف القناع 12/ 239.
[41] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 299 - 300.
[42] الشرح الصغير 1/ 457، وحاشية الدسوقي 2/ 379.
[43] فتح القدير 3/ 89 - 90.
[44] الأم 7/ 184، ونهاية المحتاج 6/ 430 - 431.
[45] انظر: حاشية المقنع 3/ 153 - 155، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 22/ 278 - 300.
[46] فتح القدير 3/ 107 - 108، وحاشية ابن عابدين 3/ 341.
[47] المنتقى شرح الموطأ 4/ 19، والشرح الصغير 1/ 470. وحاشية الدسوقي 2/ 408.
[48] المهذب 2/ 105 - 106، وتحفة المحتاج 8/ 25.
[49] شرح منتهى الإرادات 5/ 395، وكشاف القناع 12/ 230.
[50] فتح القدير 3/ 117، وحاشية ابن عابدين 3/ 348.
[51] النوادر والزيادات 5/ 223.
[52] مغني المحتاج 3/ 287.
[53] شرح منتهى الإرادات 5/ 395، وكشاف القناع 12/ 238 - 239.
[54] الإفصاح 3/ 217 - 218.
[55] المدونة 2/ 374، والشرح الصغير 1/ 468، وحاشية الدسوقي 2/ 406.
[56] الشرح الصغير 1/ 471، وحاشية الدسوقي 2/ 409 - 410.
[57] حاشية الدسوقي 2/ 412.
[58] الشرح الصغير 1/ 468، وحاشية الدسوقي 2/ 406.
[59] المهذب 2/ 105.
[60] الشرح الصغير 1/ 470 - 471، وحاشية الدسوقي 2/ 409 - 410.
[61] فتح القدير 3/ 108، وحاشية ابن عابدين 3/ 347.
[62] أخرجه عبد الرزاق 6/ 520 11914، والطبراني 9/ 332 9649، والبيهقي 7/ 347.
[63] المحلى 10/ 116 - 121.
[64] حاشية الدسوقي 2/ 412.
[65] الأم 8/ 296 - 297.
[66] فتح القدير 3/ 99، وحاشية ابن عابدين 3/ 331 - 333.
[67] تحفة المحتاج 8/ 24، ونهاية المحتاج 6/ 440.
[68] البخاري 5263، ومسلم 1477.
[69] فتح القدير 3/ 107، وحاشية ابن عابدين 3/ 341. والمهذب 2/ 105.
[70] الشرح الصغير 1/ 471، وحاشية الدسوقي 2/ 411.
[71] الشرح الصغير 1/ 470، وحاشية الدسوقي 2/ 408.
[72] تحفة المحتاج 8/ 25.
[73] حاشية الدسوقي 2/ 410.
[74] تحفة المحتاج 8/ 25، ونهاية المحتاج 6/ 439 - 440.
[75] فتح القدير 3/ 108، وحاشية ابن عابدين 3/ 343.
[76] فتح القدير 3/ 103، والمنتقى شرح الموطأ 4/ 58. والأم 7/ 181. وشرح منتهى الإرادات 5/ 397، وكشاف القناع 12/ 237.
[77] أخرجه عبد الرزاق 7/ 10 1979.
[78] بداية المجتهد 2/ 66 - 68.
[79] الدراري المضية شرح الدرر البهية 2/ 223.
[80] البخاري 5262.
[81] البخاري 5263.
[82] المنتقى 4/ 58 - 60. والمهذب 2/ 105. وشرح منتهى الإرادات 5/ 397، وكشاف القناع 12/ 237.
[83] الترمذي بعد الحديث 1179.
[84] ابن أبي شيبة 5/ 59.
[85] مذهب مالك أنه إن خيرها فاختارت المقام معه فلا يكون طلاقًا، وإن اختارت نفسها فثلاث، انظر: المنتقى شرح الموطأ 4/ 58 - 59.
[86] فتح القدير 3/ 101، وحاشية ابن عابدين 3/ 343.
[87] المهذب 2/ 105.
[88] الهداية 2/ 559.
[89] الهداية 2/ 558.
[90] معالم السنن 3/ 131 2117.
[91] المفهم 4/ 258.
[92] المجموع 18/ 234.
[93] الفواكه الدواني 2/ 75 - 76، وحاشية الدسوقي 2/ 412.
[94] فتح القدير 3/ 99، وحاشية ابن عابدين 3/ 331 - 332.
[95] البخاري 4786، ومسلم 1475.
[96] انظر: نيل الأوطار 6/ 287.
[97] فتح الباري 9/ 367 - 369.
[98] الفروع 4/ 396.
[99] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/ 163 - 164.
[100] الاختيارات الفقهية ص258.