وقال ابن رُشد: "الباب الخامس: ومما يُعد من أنواع الطلاق مما يرى أن له أحكامًا خاصة: التمليك والتخيير، والتمليك عن مالك[55] في المشهور غير التخيير، وذلك أن التمليك هو عنده تمليك المرأة إيقاع الطلاق، فهو يحتمل الواحدة فما فوقها؛ ولذلك له أن يُناكرها عنده فيما فوق الواحدة، والخيار بخلاف ذلك؛ لأنه يقتضي إيقاع طلاق تنقطع معه العصمة إلا أن يكون تخييرًا مقيدًا، مثل أن يقول لها: اختاري نفسك، او اختاري تطليقة، أو تطليقتين، ففي الخيار المُطلق عند مالك[56]: ليس لها إلا أن تختار زوجها، أو تبين منه بالثلاث، وإن اختارت واحدة لم يكن لها ذلك والمملكة لا يبطل تمليكها عنده إن لم تُوقع الطلاق حتى يطول الأمر بها على إحدى الروايتين، أو يتفرقا من المجلس.
والرواية الثانية: أنه يبقى لها التمليك إلى أن ترد أو تطلق[57].
والفرق عند مالك[58] بين التمليك وتوكليه إياها على تطليق نفسها: أن في التوكيل له أن يعزلها قبل أن تُطلق، وليس له ذلك في التمليك.
وقال الشافعي[59]: اختاري وأمرك بيدك، سواء، ولا يكون ذلك طلاقًا إلا أن ينويه، وإن نواه فهو ما أراد، إن واحدة فواحدة، وإن ثلاثًا فثلاث، فله عنده أن يناكرها في الطلاق نفسه، وفي العدد في الخيار أو التمليك، وهي عنده إن طلَّقت نفسها رجعية، وكذلك هي عند مالك[60] في التمليك.
وقال أبو حنيفة[61] وأصحابه: الخيار ليس بطلاق، فإن طلَّقت نفسها في التمليك واحدة فهي بائنة.
وقال الثوري: الخيار والتمليك واحد لا فرق بينهما، وقد قيل: القول قولها في أعداد الطلاق في التمليك، وليس للزوج مناكرتها، وهذا القول مرويٌّ عن علي وابن المسيب، وبه قال الزهري وعطاء.
وقد قيل: إنه ليس للمرأة في التمليك إلا أن تُطلق نفسها تطليقة واحدة، وذلك مروي عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهم.
رُوي أنه جاء ابن مسعود رجلٌ فقال: كان بيني وبين امرأتي بعض ما يكون بين الناس فقالت: لو أن الذي بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع! قال: فإن الذي بيدي من أمرك بيدك، قالت: فأنت طالقٌ ثلاثًا، قال: أراها واحدة، وأنت أحق بها ما دامت في عدتها، وسألقى أمير المؤمنين عمر، ثم لقيه فقص عليه القصة فقال: صنع الله بالرجال وفعل، يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم فيجعلونه بأيدي النساء، بفيها التراب! ماذا قلت فيها؟ قال: قلت: أراها واحدة، وهو أحقُّ بها، قال: وأنا أرى ذلك، ولو رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب[62].
وقد قيل: ليس التمليك بشيءٍ؛ لأن ما جعل الشرع بيد الرجل ليس يجوز أن يرجع إلى يد المرأة بجعل جاعل، وكذلك التخيير، وهو قول أبي محمد ابن حزم[63]، وقول مالك[64] في المملَّكة: إن لها الخيار في الطلاق أو البقاء على العصمة ما دامت في المجلس، وهو قول الشافعي[65]، وأبي حنيفة[66]، والأوزاعي، وجماعة فقهاء الأمصار.
وعند الشافعي[67] أن التمليك إذا أراد به الطلاق كالوكالة، وله أن يرجع في ذلك متى أحب ذلك ما لم يوقع الطلاق، وإنما صار الجمهور للقضاء بالتمليك، أو التخيير، وجُعل ذلك للنساء لما ثبت من تخيير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قالت عائشة: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يكن طلاقًا[68].
لكن أهل الظاهر يرون أن معنى ذلك: أنهنَّ لو اخترن أنفسهن طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أنهن كُنَّ يطلقن بنفس اختيار الطلاق، وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن التخيير والتمليك واحد في الحكم[69]؛ لأن من عُرف دلالة اللغة أن من ملَّك إنسانًا أمرًا من الأمور إن شاء أن يفعله أو لا يفعله؛ فإنه قد خيَّره.
وأما مالك[70] فيرى أن قوله لها: اختاريني، أو اختاري نفسك، أنه ظاهر بعُرف الشرع في معنى البينونة بتخيير رسول الله صلى الله عليه وسلن نساءه؛ لأن المفهوم منه إنما كان البينونة.
وإنما رأى مالك[71] أنه لا يُقبل قول الزوج في التمليك: إنه لم يرد به طلاقًا إذا زعم ذلك؛ لأنه لفظ ظاهر في معنى جعل الطلاق بيدها.
وأما الشافعي[72]: فلما لم يكن اللفظ عنده نصًا اعتبر فيه النية.
فسبب الخلاف: هل يُغلَّب ظاهر اللفظ، أو دعوى النية؟ وكذلك فعل في التخيير.
وإنما اتفقوا على أن له مناكرتها في العدد -أعني: في لفظ التمليك- لأنه لا يدلُّ عليه دلالة محتملة، فضلًا عن ظاهرة، وإنما رأى مالك[73] والشافعي[74] أنه إذا طلَّقت نفسها بتمليكه إياها طلقةً واحدةً أنها تكون رجعية؛ لأن الطلاق إنما يحمل على العُرف الشرعي، وهو طلاق السُّنة، وإنما رأى أبو حنيفة[75] أنها بائنة؛ لأنه إذا كان له عليها رجعة لم يكن لما طلبت من التمليك فائدة، ولما قصد هو من ذلك.
وأما من رأى أن لها أن تُطلق نفسها في التمليك ثلاثًا، وأنه ليس للزوج مناكرتها في ذلك، فلأن معنى التمليك عنده إنما هو تصيير جميع ما كان بيد الرجل من الطلاق بيد المرأة، فهي مُخيرة في ما توقعه من أعداد الطلاق.
وأما من جعل التمليك طلقة واحدة فقط أو التخيير فإنما ذهب إلى أنه أقل ما ينطلق عليه الاسم، واحتياطيًا للرجل؛ لأن العلة في جعل الطلاق بأيدي الرجال دون النساء هو لنقصان عقلهن، وغلبة الشهوة عليهن مع سوء المعاشرة، وجمهور العلماء على أن المرأة إذا اختارت زوجها أنه ليس بطلاق؛ لقول عائشة المتقدم[76].
ورُوي عن الحسن البصري: أنها إذا اختارت زوجها فواحدة، وإذا اختارت نفسها فثلاث[77]، فيتحصل في هذه المسألة الخلاف في ثلاث مواضع:
أحدها: أنه لا يقع بواحدٍ منهما طلاق.
والثاني: أنه تقع بينهما فُرقة.
والثالث: الفرق بين التخيير والتمليك فيما تملك به المرأة؛ أعني: أن تملك بالتخيير البينونة، وبالتمليك ما دون البينونة.
وإذا قُلنا بالبينونة فقيل: تملك واحدة، وقيل: تملك الثلاث.
وإذا قُلنا: إنها تملك واحدة فقيل: رجعيَّة، وقيل: بائنة.
وأما حكم الألفاظ التي تجيب بها المرأة في التخيير، والتمليك فهي ترجع إلى حكم الألفاظ التي يقع بها الطلاق في كونها صريحة في الطلاق، أو كناية، أو محتملة"[78].
وقال الشوكاني في "الدُّرر": "فصل: ويقع بالكناية مع النية، وبالتخيير إذا اختارت الفُرقة، وإذا جعله الزوج إلى غيره وقع منه، ولا يقع بالتحريم، والرجل أحقُّ بامرأته في عدة طلاقه، يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق رجعيًا، ولا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره"[79].
وقال البخاري: "باب من خير أزواجه".
وقول الله تعالى: ï´؟ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ï´¾ [الأحزاب: 28].
حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خيَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترنا الله ورسوله فلم يَعُد ذلك علينا شيئًا[80].
حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل، حدثنا عامر، عن مسروق، قال: سألت عائشة عن الخيرة فقالت: خيَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقًا؟ قال مسروق: لا أُبالي أخيرتها واحدة أو مئة بعد أن تختارني"[81].
قال الحافظ: "وبقول عائشة المذكور يقول جمهور الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار، وهو: أن من خيَّر زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق[82]، ولكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها، هل يقع طلقة واحدة رجعية أو بائنًا أو يقع ثلاثًا؟
وحكى الترمذي عن عليٍّ: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية.
وعن زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وعن عمر وابن مسعود: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنهما: رجعية، وإن اختارت زوجها فلا شيء[83].
ويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى: أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتَّحدا، فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان قال: كُنا جلوسًا عند علي فسُئِل عن الخيار فقال: سألني عنه عمر فقلت: إن اختارت نفسها فواحدة بائن، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بدًا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف، قال علي: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت فقال... فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذي[84]. وأخرج ابن أبي شيبة من طُرق عن علي نظير ما حكاه عنه زاذان من اختياره.
وأخذ مالك[85] بقول زيد بن ثابت.
واحتج بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها يقع ثلاثًا بأن معنى الخيار بت أحد الأمرين، إما الأخذ وإما الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها تكون طلقة رجعية لم يعمل بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعد في أسر الزوج وتكون كمن خيّر بين شيئين فاختار غيرهما.
وأخذ أبو حنيفة[86] بقول عمر وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها فواحدة بائنة، ولا يرد عليه الإيراد السابق.
وقال الشافعي[87]: التخيير كناية، فإذا خيَّر الزوج امرأته وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه وبين أن تستمر في عصمته، فاختارت نفسها وأرادت بذلك الطلاق طلقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق صدقت، ويؤخذ من هذا: أنه لو وقع التصريح في التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزمًا، نبه على ذلك شيخنا حافظ الوقت أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذي".
ونبَّه صاحب "الهداية" من الحنفية على اشتراط ذكر النفس في التخيير، فلو قال مثلًا: اختاري، فقالت: اخترتُ، لم يكن تخييرًا بين الطلاق وعدمه، وهو ظاهر، لكن محله الإطلاق، فلو قصد ذلك بهذا اللفظ ساغ([88]).
يتبع