حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ليس لنا مثل السوء"[87].
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: إنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يُقسم فإذا وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شفعة. وقال بعض الناس: الشفعة للجوار ثم عمد إلى ما شدده فأبطله، وقال: إن اشترى دارًا فخاف أن يأخذ الجار بالشفعة فاشترى سهمًا من مئة سهم ثم اشترى الباقي وكان للجار الشفعة في السهم الأول ولا شفعة له في باقي الدار وله أن يحتال في ذلك[88].
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، سمعت عمرو بن الشريد قال: جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبي فانطلقت معه إلى سعد فقال أبو رافع للمسور: ألا تأمر هذا أن يشتري مني بيتي الذي في داري، فقال: لا أزيده على أربعمئة، إما مقطعة وإما مُنجمة، قال: أُعطيت خمسمئة نقدًا فمنعه ولولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الجار أحق بصقبه" ما بعتكه – أو قال: ما أعطيتكه – قلت لسفيان: إن معمرًا لم يقل هكذا، قال: لكنه قال لي هكذا.
وقال بعض الناس: إذا أراد أن يبيع الشفعة فله أن يحتال حتى يُبطل الشفعة فيهب البائع للمشتري الدار ويحدها ويدفعها إليه ويُعوضه المشتري ألف درهم فلا يكون للشفيع فيها شفعة[89].
حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع: أن سعدًا ساومه بيتًا بأربعمئة مثقال فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الجار أحق بصقبه" لما أعطيتك.
وقال بعض الناس: إن اشترى نصيب دارٍ فأراد أن يُبطل الشفعة وهب لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين"[90].
قال المُهلب: "مناسبة ذكر حديث أبي رافع: أن كل ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم حقًا لشخص لا يحل لأحد إبطاله بحيلة ولا غيرها"[91].
وقال البخاري أيضًا: "حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بصقبه"، وقال بعض الناس: إن اشترى دارًا بعشرين ألف درهم فلا بأس أن يحتال حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم، وينقده تسعة آلاف درهم وتسعمئة درهم وتسعة وتسعين وينقده دينارًا بما بقي من العشرين الألف، فإن طلب الشفيع أخذها بعشرين ألف درهم، وإلا فلا سبيل له على الدار، فإن استحقت الدار رجع المشتري على البائع بما دفع إليه، وهو تسعة آلاف درهم وتسعمئة وتسعة وتسعون درهمًا ودينارًا؛ لأن البيع حين استحق انتقض الصَّرف في الدينار فإن وجد بهذه الدار عيبًا ولم تستحق فإنه يردها عليه بعشرين ألف درهم.
قال: فأجاز هذا الخداع بين المسلمين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة"[92].
حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد: أن أبا رافع ساوم سعد بن مالك بيتًا بأربعمئة مثقال وقال: لولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الجار أحق بصقبه" ما أعطيتك[93]".
قال الحافظ: "قوله: "فأجاز هذا الخداع، أي: الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة، أو إبطال حقه إن ترك خشية من الغبن في الثمن بالزيادة الفاحشة.
وإنما أورد البخاري مسألة الاستحقاق التي مضت ليستدل بها على أنه كان قاصدًا للحيلة في إبطال الشفعة، وعقب بذكر مسألة الرد بالعيب ليبين أنه تحكم، وكان مقتضاه أنه لا يرد إلا ما قبضه لا زائدًا عليه"[94].
وقال البخاري أيضًا: "باب احتيال العامل ليهدى له".
حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه قال: هذا ما لكم وهذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا"، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا ما لكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خُوار أو شاة تيعر"، ثم رفع يده حتى رؤي بياض إبطه يقول: "اللهم هل بلغت"، بصر عيني وسمع أذني[95]".
قال الحافظ: "قوله: "باب احتيال العامل ليهدى له"، ذكر فيه حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية، ومطابقته للترجمة من جهة أن تملكه ما أُهدي له إنما كان لعلة كونه عاملًا، فاعتقد أن الذي أهدي له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها، فبيَّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يُهد له شيءٌ، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذاك إنما يكون حيث يتمحض الحق له.
قال المُهلب: حيلة العامل ليُهدى له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق؛ فلذلك قال: "هلا جلس في بيت أمه لينظر هل يُهدى له"، فأشار إلى أنه لولا الطمع في وضعه من الحق ما أُهدي له، قال: فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الهدية وضمها إلى أموال المسلمين، كذا قال، ولم أقف على أخذ ذلك منه صريحًا.
قال ابن بطال[96]: دلَّ الحديث على أن الهدية للعامل تكون لشُكر معروفه، أو للتحبب إليه أو للطمع في وضعه من الحق، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه فيما يُهدى له من ذلك كأحد المسلمين لا فضل له عليهم فيه، وأنه لا يجوز الاستئثار به.
قال الحافظ: والذي يظهر: أن الصورة الثالثة إن وقعت لم تحل للعامل جزمًا وما قبلها في طرف الاحتمال...
إلى أن قال: اشتمل كتاب الحيل من الأحاديث المرفوعة على أحد وثلاثين حديثًا، المُعلق منها واحد وسائرها موصول، وكلها مكررة فيه وفيما تقدم، وفيه أثرٌ واحدٌ عن أيوب، والله سبحانه وتعالى أعلم"[97].
قلت: ختم البخاري – رحمه الله تعالى – كتاب الحيل بقوله: "اللهم هل بلغت" فيه مناسبة لطيفة.
[1] الروض المربع ص 432.
[2] مسلم 1653، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] المقنع 3/213 - 215.
[4] أبو داود 3256. وأخرجه أيضًا ابن ماجه 2119، وأحمد 4/79، من طُرق عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة رضي الله عنه، بلفظ: "صدقت، المسلم أخو المسلم".
وأخرجه أحمد 4/79، حدثنا يزيد بن هارون، عن إسرائيل، عن يونس بن أبي إسحاق، حدثنا إبراهيم بن عبد الأعلى، عن جدته، عن أبيها سويد بن حنظلة رضي الله عنه، بلفظ المصنف.
وضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام 3/559 بجهالة حال جدَّة إبراهيم بن عبد الأعلى.
[5] 1653.
[6] شرح منتهى الإرادات 5/491، وكشاف القناع 12/370.
[7] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/6.
[8] شرح منتهى الإرادات 5/491، وكشاف القناع 12/370.
[9] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/8.
[10] كشاف القناع 12/371.
[11] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/8 - 11.
[12] شرح منتهى الإرادات 5/492 - 493، وكشاف القناع 12/372 - 373.
[13] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/13 - 14.
[14] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/14.
[15] شرح منتهى الإرادات 5/494 - 495، وكشاف القناع 12/375.
[16] كشاف القناع 12/375.
[17] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/18 - 19.
[18] انظر: حاشية المقنع 3/213 - 215، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 22/6 - 19.
[19] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 22/582 - 583.
[20] كذا في الأصل، وفي الاختيارات: "بخلاف".
[21] الاختيارات الفقهية ص 272 - 273.
[22] البخاري 6689.
[23] المهذب 2/104، وتحفة المحتاج 8/47 - 48، ونهاية المحتاج 6/455.
[24] فتح القدير 3/44 - 48، وحاشية ابن عابدين 3/263 - 264.
[25] الشرح الصغير 1/455، وحاشية الدسوقي 2/377.
[26] شرح النووي على صحيح مسلم 11/117.
[27] فتح الباري 11/572.
[28] البخاري 6953.
[29] أخرجه النسائي في الكبرى 4/313 7309، وابن ماجه 2574، وأحمد 5/222، والبيهقي 8/230، والطبراني 6/77 5521 و5522، كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة به.
قال الألباني في الصحيحة 6/1215 2986: هذا إسناده رجاله ثقات، لكن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه عندهم جميعًا، وعلى ضعف يسير في حفظه، وقد خالفه ابن عجلان فقال: حدثني يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن امرأة حملت... الحديث، نحوه، لم يذكر في إسناده: "سعيد بن سعد بن عبادة"، فأرسله، وهذا هو الصحيح أو الأصح.
قلت: وهذا الحديث يرويه يحيى بن سعيد، وأبو الزناد، وبكير بن الأشج، ويعقوب بن الأشج، وأبو حازم سلمة بن دينار، والزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وقد اختلف في وصله وإرساله عليه اختلافًا كثيرًا.
قال الدارقطني في العلل 12/276: والصحيح: عن أبي أمامة بن سهل مرسلًا.
وانظر: البدر المنير 8/625، والسلسلة الصحيحة 6/1215 2986.
[30] البخاري 2202، مسلم 1593.
[31] انظر: الآيات 163 - 166 من سورة الأعراف.
[32] البخاري 2223، مسلم 1582، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[33] البخاري 6963، مسلم 1516، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
[34] أخرجه الترمذي 1120، والنسائي 6/149، من طرق عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" 3/170 1530: وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري.
قلت: وهو مروي من حديث أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم.
انظر: البدر المنير 7/612، والإرواء 6/307.
[35] المبسوط 30/209 - 215.
[36] في الأصل: البخاري، وما أثبتناه الصواب.
[37] المتواري على أبواب البخاري 1/163.
[38] كذا في الأصل، وفي الفتح: "وأن".
[39] تحفة المحتاج 4/291.
[40] البخاري 1، ومسلم 1907.
[41] الشرح الصغير 1/455، وحاشية الدسوقي 2/377.
[42] مسلم 1653.
[43] مسلم 1653.
[44] تحفة المحتاج 10/315، ونهاية المحتاج 8/354.
[45] في حاشية الأصل: "لعله: ولم".
[46] فتح الباري 12/326 - 329.
[47] البخاري 6954.
[48] المتواري على أبواب البخاري 1/163.
[49] فتح الباري 12/329.
[50] البخاري 6956.
[51] البخاري 6957: "يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعًا أقرع...".
[52] البخاري 6958.
[53] البخاري 6959.
[54] شرح صحيح البخاري 8/314.
[55] المبسوط 2/166 - 167. والشرح الصغير 1/210. وتحفة المحتاج 3/235، الفروع 2/343.
[56] المبسوط 2/184 - 185. والمنتقى 2/139. وتحفة المحتاج 3/230، ونهاية المحتاج 3/60. وشرح منتهى الإرادات 2/213، وكشاف القناع 4/377.
[57] الشرح الصغير 1/210، وحاشية الدسوقي 1/437 و443.
[58] المبسوط 2/166، فتح القدير 1/487.
[59] البخاري 6956.
[60] فتح الباري 12/331 - 333.
[61] البخاري 6960.
[62] شرح صحيح البخاري 8/316.
[63] فتح القدير 2/434، وحاشية ابن عابدين 3/112 - 113.
[64] فتح الباري 12/334.
[65] البخاري قبل الحديث 6962.
[66] فتح الباري 12/335.
[67] البخاري قبل الحديث 6963.
[68] فتح الباري 12/336.
[69] كذا في الأصل، وفي الفتح: "كأنما".
[70] البخاري 6964.
[71] إعلام الموقعين 3/281، بتصرف.
[72] فتح الباري 12/366 - 337.
[73] البخاري 6965.
[74] شرح صحيح البخاري 8/319.
[75] فتح الباري 12/337.
[76] فتح الباري قبل الحديث 6966.
[77] شرح صحيح البخاري 8/321.
[78] فتح الباري 12/338.
[79] البخاري 6968.
[80] فتح القدير 2/401، وحاشية ابن عابدين 3/59. والشرح الصغير 1/381 - 382، وحاشية الدسوقي 2/223 - 224. وتحفة المحتاج 7/245، ونهاية المحتاج 6/229. وشرح منتهى الإرادات 5/124، وكشاف القناع 11/246.
[81] شرح صحيح البخاري 8/323.
[82] فتح الباري 12/340 - 341.
[83] البخاري 6972.
[84] فتح الباري 12/344.
[85] البخاري 6973.
[86] فتح الباري 12/344.
[87] البخاري 6975.
[88] البخاري 6976.
[89] البخاري 6977.
[90] البخاري 6978.
[91] فتح الباري 12/347.
[92] البخاري 6980.
[93] البخاري 6981.
[94] فتح الباري 12/350.
[95] البخاري 6979.
[96] شرح صحيح البخاري 8/333.
[97] فتح الباري 12/349 - 351.