عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-02-2020, 06:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,852
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (352)
تفسير السعدى
سورة النور
من الأية(1) الى الأية(8)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة النور


" سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون " (1)
أي: هذه " سُورَةٌ " عظيمة القدر " أَنْزَلْنَاهَا " رحمة منا بالعباد.
وحفظناها من كل شيطان " وَفَرَضْنَاهَا " أي: قدرنا فيها ما قدرنا, من الحدود والشهادات وغيرها.
" وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ " أي: أحكاما جليلة, وأوامر, وزواجر وحكما عظيمة " لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " حين نبين لكم, ونعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.

" الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (2)
ثم شرع في بيان تلك الأحكام, المشار إليها, فقال: " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي " إلى " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " .
هذا الحكم, في الزاني والزانية البكرين, أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة.
وأما الثيب, فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة, أن حده الرجم.
ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة بهما, في دين الله, تمنعنا من إقامة الحد عليهما, سواء رأفة طبيعية أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك, وأن الإيمان, موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة, من إقامة أمر الله.
فرحمته حقيقة, بإقامة الحد عليه.
فنحن وإن رحمناه, لجريان القدر عليه, فلا نرحمه من هذا الجانب.
وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين, طائفة, أو جماعة من المؤمنين ليشتهر, ويحصل بذلك, الخزي والارتداع, وليشاهدوا الحد فعلا, فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل, مما يقوى به العلم, ويستقر به الفهم, ويكون أقرب لإصابة الصواب, فلا يزاد فيه, ولا ينقص.
والله أعلم.

" الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " (3)
هذا بيان لرذيلة الزنا, وأنه يدنس عرض صاحبه, وعرض من قارنه ومازجه, ما لا يفعله بقية الذنوب.
فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء, إلا أنثى زانية, تناسب حاله حالها, أو مشركة بالله, لا تؤمن ببعث ولا جزاء, ولا تلتزم أمر الله.
والزانية كذلك, لا ينكحها إلا زان أو مشرك " وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " أي: حرم عليهم أن ينكحوا زانيا, أو ينكحوا زانية.
ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا, من رجل أو امرأة, ولم يتب من ذلك, أن المقدم على نكاحه, مع تحريم الله لذلك, لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله, فذاك لا يكون إلا مشركا.
وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله, فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه, فإن هذا النكاح زنا, والناكح زان مسافح.
فلو كان مؤمنا بالله حقا, لم يقدم على ذلك.
وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية, حتى تتوب, وكذلك نكاح الزاني حتى يتوب.
فإن مقارنة الزوج لزوجته, والزوجة لزوجها, أشد الاقترانات, والازدواجات.
وقد قال تعالى: " احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ " أي: قرناءهم.
فحرم الله ذلك, لما فيه من الشر العظيم.
وفيه من قلة الغيرة, وإلحاق الأولاد, الذين ليسوا من الزوج, وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها, مما بعضه كاف في التحريم.
وفي هذا دليل, على أن الزاني ليس مؤمنا, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فهو وإن لم يكن مشركا, فلا يطلق عليه اسم المدح, الذي هو الإيمان المطلق.

" والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون " (4)
لما عظم تعالى أمر الزاني بوجوب جلده وكذا رجمه, إن كان محصنا, وأنه لا تجوز مقارنته, ولا مخالطته على وجه لا يسلم فيه العبد من الشر, بين تعالى, تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ " أي: النساء الحرائر العفائف, وكذلك الرجال, لا فرق بين الأمرين.
والمراد بالرمي الرمي بالزنا, بدليل السياق.
" ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا " على ما رموا له " بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ " أي: رجال عدول, يشهدون بذلك صريحا.
" فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً " بسوط متوسط, يؤلم فيه, ولا يبالغ بذلك, حتى يتلفه, لأن القصد, التأديب, لا الإتلاف.
وفي هذا تقرير حد القذف.
ولكن بشرط, أن يكون المقذوف كما قال تعالى محصنا مؤمنا.
وأما قذف غير المحصن, فإنه يوجب التعزير.
" وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا " أي: لهم عقوبة أخرى, وهو أن شهادة القاذف, غير مقبولة, ولو حد على القذف, حتى يتوب كما يأتي.
" وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " أي: الخارجون عن طاعة الله, الذين قد كثر شرهم.
وذلك لانتهاك ما حرم الله, وانتهاك عرض أخيه, وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به وإزالة الأخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان, ومحبة أن تشيع الفاحشة, في الذين آمنوا.
وهذا دليل, على أن القذف من كبائر الذنوب.

" إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم " (5)
وقوله " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فالتوبة في هذا الموضع, أن يكذب القاذف نفسه, ويقر أنه كاذب فيما قال, وهو واجب عليه, أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه, حيث لم يأت بأربعة شهداء.
فإذا تاب القاذف وأصلح عمله, وبدل إساءته إحسانا, زال عنه الفسق, وكذلك تقبل شهادته على الصحيح.
فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا, لمن تاب وأناب.
وإنما يجلد القاذف, إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا.
فإن كان زوجا, فقد ذكر بقوله: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ " إلى " تَوَّابٌ حَكِيمٌ " .

" والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين " (6)
وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته, دارئة عنه الحد, لأن الغالب, أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته, التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقا.
ولأن له في ذلك حقا, وخوفا من إلحاق أولاد, ليسوا منه به, ولغير ذلك من الحكم المفقودة في غيره فقال: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ " أي الحرائر لا المملوكات.
" وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ " على رميهم بذلك " شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ " بأن لم يقيموا شهداء, على ما رموهن به " فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ " .
سماها شهادة, لأنها نائبة مناب الشهود, بأن يقول " أشهد بالله, إني لمن الصادقين, فيما رميتها به " .

" والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين " (7)
" وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ " أي: يزيد في الخامسة مع الشهادة المذكورة, مؤكدا تلك الشهادات, بأن يدعو على نفسه, باللعنة إن كان كاذبا.
فإذا تم لعانه, سقط عنه حد القذف.
وظاهر الآيات, ولو سمى الرجل الذي رماها به, فإنه يسقط حقه, تبعا لها.
وهل يقام عليها الحد بمجرد لعان الرجل ونكولها أم تحبس؟ فيه قولان للعلماء.
الذي يدل عليه الدليل أنه يقام عليه الحد بدليل قوله " وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ " إلى آخره.
فلولا أن العذاب وهو الحد قد وجب بلعانه, لم يكن لعانها دارئا له.

" ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين " (8)
ويدرأ عنها, أي: يدفع عنها العذاب, إذا قابلت شهادات الزوج, بشهادات من جنسها.
" أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ " وتزيد في الخامسة, مؤكدة لذلك, أن تدعو على نفسها بالغضب.
فإذا تم اللعان بينهما, فرق بينهما إلى الأبد, وانتفى الولد الملاعن عنه.
وظاهر الآيات يدل على اشتراط هذه الألفاظ عند اللعان, منه ومنها.
واشتراط الترتيب فيها, وأن لا ينقص منها شيء, ولا يبدل شيء بشيء.
وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى امرأته, لا بالعكس وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به, كما لا يعتبر مع الفراش.
وإنما يعتبر الشبه حيث لا مرجح, إلا هو.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.89%)]