وذهب الكوفيون[66]: إلى أنه إن فاء بالجماع قبل انقضاء المدة: استمرت عصمته، وإن مضت المدة، وقع الطلاق بنفس مُضي المدة قياسًا على العدة؛ لأنه لا تربص على المرأة بعد انقضائها.
وتعقّب بأن ظاهر القرآن التفصيل في الإيلاء بعد مضي المدة، بخلاف العدة فإنها شرعت في الأصل للبائنة، والمتوفى عنها بعد انقطاع عصمتها لبراءة الرحم، فلم يبقَ بعد مضي المدة تفصيل.
وأخرج الطبري بسند صحيح: عن ابن مسعود، وبسند آخر لا بأس به عن علي: إن مضت أربعة أشهر ولم يفئ طلقت طلقةً بائنة.
وبسند حسن عن علي، وزيد بن ثابت مثله، وعن جماعة من التابعين من الكوفيين ومن غيرهم كابن الحنفية، وقبيصة بن ذؤيب وعطاء والحسن وابن سيرين مثله.
ومن طريق سعيد بن المُسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وربيعة، ومكحول والزهري، والأوزاعي: تطلق لكن طلقة رجعية[67].
وأخرج سعيد بن منصور من طريق جابر بن زيد: إذا آلى فمضت أربعة أشهر طلقت بائنًا، ولا عدة عليها[68].
وأخرج إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" بسند صحيح عن ابن عباس مثله.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق مسروق: إذا مضت الأربعة بانت بطلقة، وتعتد بثلاث حِيض[69].
وأخرج إسماعيل من وجه آخر: عن مسروق، عن ابن مسعود مثله[70].
وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن أبي قلابة: أن النعمان بن بشير آلى من امرأته، فقال ابن مسعود: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة[71]...
إلى أن قال: وأخرج إسماعيل القاضي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقًا حتى يوقف[72].
وأخرج الدارقطني من طريق سهل[73] بن أبي صالح، عن أبيه أنه قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يُولي، فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق[74].
وأخرج إسماعيل من وجه آخر: عن يحيى بن سعيد، عن سليمان [بن[75]] يسار قال: أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة، وهو قول مالك[76] والشافعي[77] وأحمد[78] وإسحاق وسائر أصحاب الحديث، إلا أن للمالكية والشافعية بعد ذلك تفاريع يطول شرحها، منها: أن الجمهور ذهبوا إلى أن الطلاق يكون فيه رجعيًا[79].
لكن قال مالك[80]: لا تصح رجعته إلا إن جامع في العدة.
وقال الشافعي[81]: ظاهر كتاب الله تعالى على أن له أربعة أشهر، ومن كانت له أربعة أشهر أجلًا فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضي، فإذا انقضت فعليه أحد أمرين: إما أن يفيء، وإما أن يطلق، فلهذا قلنا: لا يلزمه الطلاق بمجرد مضي المدة حتى يحدث رجوعًا أو طلاقًا.
ثم رجح قول الوقف بأن أكثر الصحابة قال به، والترجيح قد يقع بالأكثر مع موافقة ظاهر القرآن، ونقل ابن المنذر عن بعض الأئمة قال: لم نجد في شيء من الأدلة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقًا، ولو جاز لكان العزم على الفيء يكون فيئًا ولا قائل به، وكذلك ليس في شيء من اللغة أن اليمين التي لا ينوي بها الطلاق تقتضي طلاقًا.
وقال غيره: العطف على الأربعة أشهر بالفاء يدل على أن التخيير بعد مضي المدة.
والذي يتبادر من لفظ التربص أن المراد به المدة المضروبة؛ ليقع التخيير بعدها.
وقال غيره: جعل الله الفيء والطلاق معلَّقين بفعل المُولي بعد المدة وهو من قوله تعالى: ï´؟ فَإِنْ فَاءُوا ï´¾، ï´؟ وَإِنْ عَزَمُوا ï´¾، فلا يتجه قول من قال: إن الطلاق يقع بمجرد مضي المدة... والله أعلم"[82].
وقال الشوكاني في "الدرر البهية": "باب الإيلاء: هو أن يحلف الزوج على جميع نسائه أو بعضهن: لا أقربهن، فإن وقَّت بدون أربعة أشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقت به، وإن وقَّت بأكثر منها خُير بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق"[83].
[1] الروض المربع ص 437.
[2] شرح منتهى الإرادات 5/ 525، وكشاف القناع 12/ 440.
[3] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/ 150.
[4] المقنع 3/ 232.
[5] شرح منتهى الإرادات 5/ 525، وكشاف القناع 12/ 440.
[6] تحفة المحتاج 8/ 160، ونهاية المحتاج 7/ 70.
[7] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/ 150.
[8] أخرجه عبد الرزاق 6/ 448 11612.
[9] الشرح الصغير 1/ 478، وحاشية الدسوقي 2/ 426 - 427.
[10] فتح القدير 3/ 183، وحاشية ابن عابدين 3/ 443.
[11] تحفة المحتاج 160 - 161، ونهاية المحتاج 7/ 70.
[12] حاشية المقنع 3/ 232، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 23/ 148 - 149.
[13] فتح القدير 3/ 182، وحاشية ابن عابدين 3/ 443. والشرح الصغير 1/ 478، وحاشية الدسوقي 2/ 428. وتحفة المحتاج 8/ 159 - 160، ونهاية المحتاج 7/ 69 وشرح منتهى الإرادات 5/ 521، وكشاف القناع 12/ 434.
[14] فتح القدير 3/ 183، وحاشية ابن عابدين 3/ 445.
[15] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/ 154.
[16] الشرح الصغير 1/ 478، وحاشية الدسوقي 2/ 428.
[17] تحفة المحتاج 8/ 159، ونهاية المحتاج 7/ 69.
[18] شرح منتهى الإرادات 5/ 521، وكشاف القناع 12/ 434 و441.
[19] فتح القدير 3/ 183، وحاشية ابن عابدين 3/ 445. والشرح الصغير 1/ 475، وحاشية الدسوقي 2/ 428. وتحفة المحتاج 8/ 159، ونهاية المحتاج 7/ 69. وشرح منتهى الإرادات 5/ 521، وكشاف القناع 12/ 434 و441.
[20] الشرح الصغير 1/ 480، وحاشية الدسوقي 2/ 429.
[21] تحفة المحتاج 8/ 172، ونهاية المحتاج 7/ 78.
[22] شرح منتهى الإرادات 5/ 535، وكشاف القناع 12/ 458.
[23] فتح القدير 3/ 184، وحاشية ابن عابدين 3/ 445.
[24] الشرح الصغير 1/ 482، وحاشية الدسوقي 2/ 438.
[25] شرح منتهى الإرادات 5/ 535، وكشاف القناع 12/ 463.
[26] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/ 217.
[27] المهذب 2/ 141، وتحفة المحتاج 8/ 175، ونهاية المحتاج 7/ 80.
[28] فتح القدير 3/ 182، وحاشية ابن عابدين 3/ 443.
[29] الشرح الصغير 1/ 478، وحاشية الدسوقي 2/ 427.
[30] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/ 139 - 141.
[31] الأم 5/ 285، وتحفة المحتاج 8/ 162، ونهاية المحتاج 7/ 71.
[32] فتح القدير 3/ 183، وحاشية ابن عابدين 3/ 445.
[33] الشرح الصغير 1/ 481، وحاشية الدسوقي 2/ 435.
[34] شرح منتهى الإرادات 5/ 534، وكشاف القناع 12/ 446.
[35] المهذب 2/ 140، ونهاية المحتاج 7/ 80.
[36] تحفة المحتاج 7/ 176، ونهاية المحتاج 7/ 80.
[37] فتح القدير 3/ 182، وحاشية ابن عابدين 3/ 443.
[38] تحفة المحتاج 8/ 158 - 159، ونهاية المحتاج 7/ 68.
[39] المدونة 3/ 100 - 101، والمنتقى شرح الموطأ 4/ 36.
[40] شرح منتهى الإرادات 5/ 522، وكشاف القناع 12/ 436.
[41] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/ 139 - 140.
[42] الشرح الصغير 1/ 478، وحاشية الدسوقي 2/ 428.
[43] تحفة المحتاج 8/ 170، ونهاية المحتاج 7/ 77.
[44] فتح القدير 3/ 195، وحاشية ابن عابدين 3/ 445.
[45] شرح منتهى الإرادات 5/ 530، وكشاف القناع 12/ 450.
[46] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 23/ 187 - 188.
[47] سقط من الأصل، والمثبت من "الإفصاح" 3/ 237.
[48] فتح القدير 3/ 182، وحاشية ابن عابدين 3/ 444.
[49] تحفة المحتاج 8/ 161، ونهاية المحتاج 7/ 70.
[50] شرح منتهى الإرادات 5/ 530، وكشاف القناع 12/ 449.
[51] الشرح الصغير 1/ 478، وحاشية الدسوقي 2/ 426.
[52] الإفصاح 3/ 232 - 237.
[53] شرح منتهى الإرادات 5/ 535، وكشاف القناع 12/ 463.
[54] الاختيارات الفقهية ص 275 - 276.
[55] البخاري 5289.
[56] البخاري 5290.
[57] البخاري 5291.
[58] شرح صحيح البخاري 7/ 442.
[59] روى الطبري ذلك عنهم في "التفسير" 2/ 421 - 438.
[60] فتح القدير 3/ 182، وحاشية ابن عابدين 3/ 443. والشرح الصغير 1/ 478، وحاشية الدسوقي 2/ 428. وتحفة المحتاج 8/ 159 - 160، ونهاية المحتاج 7/ 69 وشرح منتهى الإرادات 5/ 521، وكشاف القناع 12/ 434.
[61] 1201، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ورجح كونه مرسلًا.
[62] رواه عبد الرزاق 6/ 447 11610.
[63] سنن سعيد بن منصور 2/ 58 1922.
[64] ورواه الطبراني أيضًا 11/ 158 11356.
قال الهيثمي في المجمع 5/ 10: ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[65] الشرح الصغير 1/ 480، وحاشية الدسوقي 2/ 429. وتحفة المحتاج 8/ 172، نهاية المحتاج 7/ 78. وشرح منتهى الإرادات 5/ 535، وكشاف القناع 12/ 458.
[66] فتح القدير 3/ 184، وحاشية ابن عابدين 3/ 445.
[67] روى الطبري ذلك عنهم في تفسيره 2/ 441 - 445.
[68] سنن سعيد بن منصور 2/ 61 1937.
[69] سنن سعيد بن منصور 2/ 60 1934.
[70] سنن سعيد بن منصور 2/ 52 1889.
[71] ابن أبي شيبة 5/ 128 18537.
[72] وأخرجه البيهقي 7/ 376.
[73] كذا بالأصل وفي الفتح لكن عند الدارقطني: سهيل، وهو الصواب.
[74] الدارقطني 4/ 61 147.
[75] ليست بالأصل، واستدركناها من مطبوعة الفتح.
[76] الشرح الصغير 1/ 480، وحاشية الدسوقي 2/ 429.
[77] تحفة المحتاج 8/ 172، ونهاية المحتاج 7/ 78.
[78] شرح منتهى الإرادات 5/ 535، وكشاف القناع 12/ 458.
[79] الشرح الصغير 1/ 483، وحاشية الدسوقي 2/ 438. وتحفة المحتاج 8/ 176، ونهاية المحتاج 7/ 80. وشرح منتهى الإرادات 5/ 535، وكشاف القناع 12/ 458.
[80] الشرح الصغير 1/ 483، وحاشية الدسوقي 2/ 438.
[81] تحفة المحتاج 8/ 170، ونهاية المحتاج 7/ 77.
[82] فتح الباري 9/ 426 - 429.
[83] الدراري المضية شرح الدرر البهية 2/ 229.