وأما النوع الثاني، وهو ما كان النظر فيه بالنسبة للتكليف غير الإلزامي، فقد عرفه الشَّاطبي: بأنه النظر فيما يصلح لكل مكلف في نفسه بحسب الأوقات والأحوال والأشخاص.
وذلك لأن النفوس البشرية ليست في قبول الأعمال الصالحة على منهج واحد متزن، بل هي مختلفة نتيجة اختلاف الطباع والميول والرغبات؛ فقد يناسب الشخص عمل صالح، ويكون فيه فلاحٌ له، بينما لا يناسب آخر، بل قد يكون وبالًا عليه بحيث يدخل عليه ضررًا وفترة.
كما أن العمل قد يوافق حظًّا نفسيًّا وهوًى باطنًا عند شخص، بينما يكون سليمًا نزيهًا عند آخر، فهذا النظر إنما هو نظر في كل نفس وما يناسبها من الأعمال الصالحة.
وهو بحاجة إلى النظر في ذات الشخص المكلف وطباعه وميوله، وأيضًا بحاجة إلى النظر فيما يناسب المكلف في وقت الحادثة أو السؤال؛ إذ قد يناسبه ذلك في هذا الوقت دون بقية الأوقات، وأيضًا يحتاج إلى النظر في مختلف أحواله؛ فقد يناسبه في حالته الآن ما لا يناسبه في حالة أخرى.
فإذا تعرف الناظر على طباع النفس وميولها وما يقارب ذلك، ألقى على النفس ما يناسبها ويلائم ميولها[38].
وبتأمل صاحب هذا النظر يتبين ما قاله الشَّاطبي من كون هذا النظر أعلى وأدق[39]، وكيف لا يكون كذلك والناظر ينظر إلى دقائق النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، ومدى قوتها وضعفها، ومدى صبرها وتحملها لِما يلقى عليها من أعباء وتكاليف، وينظر لمواطن ضعفها وتعلقها بالحظوظ العاجلة.
ولذا فهو ينزل على كل نفس ما يليق بها من الأحكام الشرعية، وبالطريقة اللائقة بكل نفس، وهو أيضًا ينظر للمكلف بنظرين؛ بالنظر العام، وبالنظر الخاص؛ وذلك لأنه لا بد من نظر عام لكل نظر خاص، ولا يمكن أن ينظر له بالنظر الخاص حتى ينظر له بالنظر العام.
فهو إذا نظر إلى الشخص نظرًا دقيقًا، وراعى في ذلك النظر حظوظ النفس ومتعلقاتها، فإنه ولا بد أن ينظر بهذا النظر الدقيق حتى يحقق مدى ارتباط المكلف بالحكم المحقق مناطه فينظر هل يندرج فيه أو لا؟
ولا ريب أن هذا النظر أعسر من سابقه؛ ولذا لا يتحقق إلا لمن رزقه الله نورًا في قلبه، وبصيرة في نظره[40].
وقد اعتبر الشَّاطبي هذا القسم من تحقيق المناط الخاص بالأعيان إنما هو: "ناشئ عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى: ï´؟ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ï´¾ [الأنفال: 29]، وقد يعبر عنه بالحكمة ويشير إليها قوله تعالى: ï´؟ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ï´¾ [البقرة: 269]، قال مالك: "مِن شأن ابن آدم ألا يعلَمَ، ثم يعلم، أما سمعتَ قول الله تعالى: ï´؟ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ï´¾ [الأنفال: 29]"[41]، وقال أيضًا: "إن الحكمة مسحة مَلَك على قلب العبد"، وقال: "الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد"[42]، وقال أيضًا: "يقع بقلبي أن الحكمة الفقهُ في دين الله، وأمر يدخله الله القلوبَ من رحمته وفضله"[43]، وقد كره مالك كتابة العلم، يريد ما كان نحو الفتاوى، فسئل: ما الذي نصنع؟ فقال: "تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم، ثم لا تحتاجون إلى الكتاب"[44].
ويلاحظ مما سبق أن لهذا النوع ارتباطًا وثيقًا بالفِراسة الصادقة، والإلهام الصحيح، والكشف الواضح المحاط بسياج الشريعة المتين[45]؛ إذ يستند العالم الرباني في تحقيق المناط لشخص معين إلى الإلهام أو إلى الكشف، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن عمر في رؤياه للملكين، وقوله له: ((نِعم الرجل عبدالله، لو كان يصلي من الليل))؛ فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلًا[46].
وكما فعل صلى الله عليه وسلم مع أبي ذر وقوله له: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيم))[47]، وكما قال لثعلبة بن حاطب وقد سأله الدعاء له بكثرة المال، فقال: ((قليل تؤدي شكره، خيرٌ مِن كثير لا تطيقه))[48]، وقال لأنس: ((اللهم كثِّرْ مالَه وولدَه))[49]، وكنهي عمر لمن أراد أن يقص على الناس، وقوله له: (أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك)[50].
ولكن هذا النظر لا يعتبر إلا بشرط عدم مخالفته لحكم شرعي أو قاعدة دينية؛ إذ ما عارض ذلك فهو باطلٌ ولا شك[51].
وقد أشار الشَّاطبي إلى هذه الحقيقة، وهي أن هذا النوع راجع إلى ما وهبه الله للعالم من الفِراسة الصادقة، والنظر الثاقب المؤيد بالعلم والحكمة، والإلهام الرباني والتوفيق الرحماني، ولكنه لم يصرِّحْ بذلك[52].
وعلى هذا، فلما أن كان هذا النوع دقيقًا وعسيرًا لم يكن بعمومه كالأول، وإنما هو خاص بالعلماء المجتهدين، بل وليس لكل من بلغ هذه المرتبة، وإنما لمن وُفِّق للنظر الثاقب، والوعي التام، والعيش مع وقائع الناس، والحرص على مراعاة مآلات الأمور، وليس ذلك إلا لخاصة الخاصة من المفتين المجتهدين، ولما أن كان هذا النوع ليس لكل أحد، كان عرضةً للانقطاع وعدم الدوام.
ويلاحظ أن الشَّاطبي اعتنى اعتناءً تامًّا بهذا النوع من تحقيق المناط؛ فبين معناه ومنشأه، ودلل عليه بما لا يدع مجالًا للشك فيه، وقد أبان هو بنفسه عن علة ذلك حينما قال: "وإنما وقع التنبيه عليه؛ لأن العلماء قلما نبهوا عليه على الخصوص"، وهذه العلة كانت كافية في إطالة الكلام على هذا النوع.
وخلاصة القول: أن هذا النوع نوع دقيق، وهو خاص بخاصة المجتهدين ممن رُزقوا الحكمة والنظر الثاقب، وأنه من الأهمية بمكان؛ لحاجة المفتي والمستفتي إليه.
أما عن موقف الأصوليين من آراء الشَّاطبي في تحقيق المناط، فلا بد من بيانه تباعًا بالنقاط الآتية:
أولًا: حسب تتبعي فإني لم أرَ أحدًا من العلماء قسم تحقيق المناط كهذا التقسيم البديع؛ نعم، قسم بعض الأصوليين تحقيق المناط إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون في قاعدة كلية ثابتة بالنص أو الإجماع، فيجتهد في تحققها في الفرع، والقسم الثاني: ما عرف علة الحكم فيه، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده[53].
وفيما يظهر أن هذا التقسيم مخالف في منطلقه لتقسيم الشَّاطبي؛ إذ يمكن أن يكون هذا التقسيم تقسيمًا لتحقيق المناط من حيث الأصل، بينما تقسيم الشَّاطبي يعتبر تقسيمًا له من حيث الفرع؛ وتوضيح ذلك أن مبدأ تحقيق المناط إما أن يكون قاعدة أو علة، وإحلال الأصل في الفرع، أما أن يكون على شكل كلي أو جزئي، فإن كان كليًّا فهو تحقيق مناط نوعي، وإن كان جزئيًّا فهو تحقيق مناط شخصي، فوجهة كل من التقسيمين مختلفة.
وبهذا يكون الشَّاطبي متميزًا بهذا التقسيم عن غيره من الأصوليين.
ثانيًا: أما تحقيق المناط الخاص بالأنواع، فلم أرَ مَن ذكره بهذه التسمية، إلا ابن تيمية؛ حيث قال: "كما اتفقوا على تحقيق المناط، وهو أن يعلق الشارعُ الحُكمَ بمعنى كلي، فينظر في ثبوته في بعض الأنواع، أو في بعض الأعيان"[54]، ولكنه لم ينصَّ على تقسيم تحقيق المناط المتعلق بالأنواع إلى نوعين، واكتفى بذكر الأمثلة المشيرة إلى نوعيه، كما فعل الشَّاطبي تمامًا.
ثالثًا: أما تحقيق المناط النوعي الخاص فلم أرَ مَن نص عليه، غير أن ابن تيمية ذكر تحقيق المناط المتعلق بالأنواع، ولم يفصِّل، ثم نقل الاتفاق عليه، فقال: "فإن هذا النوع من الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين، بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم، وطاعة ولاة أمورهم، ومصالح دنياهم وآخرتهم"[55]، وعلى هذا فيندرج ضمن الاتفاق تحقيق المناط النوعي الخاص.
وقد ذكر الأصوليون من أمثلة تحقيق المناط ما هو من تحقيق المناط النوعي الخاص، كالنبَّاش هل هو سارق أو لا؟[56]، وهل كل طائف ملحق بالهر؟[57]، والنبيذ هل هو ملحق بالخمر؟[58].
وبعضهم كالغزالي[59]، وابن قدامة[60]، والطوفي[61]، يُتْبعون الأمثلة بنقل الاتفاق على تحقيق المناط بجملته، فيكون هذا النوع من جملة ما هو متفق عليه.
كما أن عمل الأصوليين بخاصة والعلماء بعامة يدل على أخذهم بهذا النوع، بل واتفاقهم عليه؛ كتقسيم الاجتهاد إلى الأحكام التكليفية الخمسة[62]، ومثله النكاح[63]، والجهاد قد يكون واجبًا في حال، ومندوبًا في حال[64]، وهكذا كثير من الأحكام، وبناءً على هذا، فإن هذا النوع من تحقيق المناط النوعي قد وافق فيه الأصوليون الشَّاطبي في الجملة.
ولكن مِن الأصوليين مَن جعل تحقيق المناط النوعي المتعلق بالعلة من باب القياس، وذكر أن تحقيق المناط النوعي المتعلق بالعلة يجري فيه الخلاف من منكري القياس، وبعضهم ذكر أن جماعة من منكري القياس أقروا بهذا النوع؛ لأنه من القياس الجلي[65].
وقد وافقه الأصوليون في إطلاق اسم تحقيق المناط عليه[66].
وبلا شك أن هذا مندرج في مسمى الاجتهاد؛ إذ لا يقوى عليه إلا المجتهد؛ فالشَّاطبي قد أطلق عليه مسمى الاجتهاد، ووافقه غيره[67].
ثالثًا: أما ما ذكره الشَّاطبي من تحقيق المناط النوعي بنوعه العام، فلم أرَ من سماه بهذه التسمية، إلا ما سبق نقله عن ابن تيمية، ولكنه أيضًا لم يصرح بتقسيم تحقيق المناط المتعلق بالأنواع، أما غيره من الأصوليين فلم يذكروا شيئًا من ذلك، غير أنهم يذكرون من أمثلة تحقيق المناط ما هو مثال على تحقيق المناط النوعي العام، مثل: تحقيق المِثل في جزاء الصيد[68]، وتحقيق أروش الجنايات[69]، وتقدير النفقات[70]، كما جوَّز بعضهم التقليد في صور إنما هي من تحقيق المناط النوعي العام؛ كتقليد التاجر في تقويم المتلَفات، والخارص فيما خرص، والقاسم فيما قسم، والقائف في الإلحاق، والجزار في الذكاة، والملاح في القِبلة، والطبيب فيما يخصه[71].
ومِن هذا اجتهاد العامي في المُفْتين عند من يقول به[72]، ولما ذكر بعض الأصوليين هذه الأمثلة نقل الاتفاق على تحقيق المناط، فيكون من جملة ما هو متفق عليه[73]، ونقل ابن تيمية الاتفاق على تحقيق المناط في الأنواع جملة[74]، واتفاقهم على بعض جزئياته - كاتفاقهم على المِثل في جزاء الصيد[75] - شاهد على ذلك.
وقد وافق الشَّاطبي في تسميته اجتهادًا الشافعي؛ حيث قال: "ولم يحتمل المِثلُ من النَّعم القيمة فيما له مثلٌ في البدن من النعم إلا مستكرهًا باطنًا، فكان الظاهر الأعم أولى المَعْنيين بها، وهذا الاجتهاد الذي يطلبه الحاكم بالدلالة على المثل"[76].
فالشافعي سمى الاجتهاد في تحقيق المِثل اجتهادًا، وهو من هذا النوع من تحقيق المناط.
والجصاص؛ حيث قال في أنواع الاجتهاد: "والضرب الآخر من الاجتهاد هو يغلب في الظن من غير علة يجب بها قياس الفرع على الأصل؛ كالاجتهاد في تحري جهة الكعبة لمن كان غائبًا عنها، وكتقويم المستهلكات، وجزاء الصيد، والحُكم بمهر المِثل، ونفقة المرأة، والمتعة، ونحوها، فهذا الضرب من الاجتهاد كلفنا فيه الحكم بما يؤدي إليه غالب الظن من غير علة يقاس بها فرع على أصله"[77].
والغزالي؛ حيث قال: "وفي كل اجتهاد يتعلق بتحقيق مناط الحكم؛ كأروش الجنايات..."[78].
وابن تيمية[79]، والطوفي[80]، وابن السبكي[81].
وخالَف في هذا آخرون، فمنعوا إدراج تقسيم المتلَفات، وأروش الجنايات، ونحوها مما هو من تحقيق المناط النوعي العام ضمن الاجتهاد؛ ولذا اعترض بعضهم على بعض تعريفات الاجتهاد بأنها غير مانعة لاندراج الاجتهاد في قيم المتلَفات، وأروش الجنايات، ونحوها في التعريف، ورأوا إضافة قيود تخرجها من مسمى الاجتهاد، ومنهم القَرافي[82]، والأسنوي[83]، والشوشاوي[84].
والظاهر - والله أعلم - أنه لا خلاف في ذلك؛ لأن الشَّاطبي ومن وافقه حينما أطلقوا على هذا النوع من تحقيق المناط مسمى الاجتهاد إنما أرادوا الاجتهاد بمعناه اللغوي لا الاصطلاحي؛ كيف والعلماء - ومنهم الشَّاطبي - يشترطون في المجتهد شروطًا ليست في صاحب الاجتهاد في تحقيق المناط النوعي العام، فلما لم يشترطوا تلك الشروط في هذا الاجتهاد، وألحقوا هذا النوع بالعامي ومن عداه ممن لا تتوفر فيه شروط الاجتهاد، دلَّ هذا على المفارقة بين الإطلاقين في البابين، والله أعلم.
رابعًا: أما ما ذكره الشَّاطبي من تحقيق المناط الشخصي، فلم أرَ أحدًا أطلق عليه هذا الإطلاق إلا ابن تيمية، فإنه قال: "كما اتفقوا على تحقيق المناط، وهو أن يعلق الشارعُ الحكمَ بمعنًى كلي، فينظر في ثبوته في بعض الأنواع، أو في بعض الأعيان"[85]، ولكنه لم يقسم تحقيق المناط الشخصي، فخالف بذلك صنيع الشَّاطبي.
خامسًا: أما تحقيق المناط الشخصي العام، فقد وافق الأصوليون فيه الشَّاطبي، فإنهم يذكرون في أمثلة تحقيق المناط ما هو مندرج في هذا القسم؛ كالاجتهاد في تحقيق العدالة[86]، والاجتهاد في القِبلة[87]، ونصب الإمام والقضاة والولاة[88]، وتقدير التعزيرات على الأعيان[89]، والحُكم بين الشهود[90]، ونحو ذلك مما يندرج ضمن هذا النوع، وبعض الأصوليين بعد أن يذكر تحقيق المناط للقاعدة الكلية، ويتبع ذلك بالأمثلة، التي منها بعض ما سبق - ينقل عليه الاتفاق، ويجعله مِن ضرورة كل شريعة[91].
وقد نقل ابن تيمية الإجماعَ عليه بخصوصه؛ حيث قال - وهو يعدد أمثلة تحقيق المناط -: "وكما قال تعالى: ï´؟ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ï´¾ [الإسراء: 34]، ويبقى النظر في تسليمه إلى هذا التاجر بجزء من الربح، هل هو مِن التي هي أحسن أم لا؟ وكذلك قوله: ï´؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ï´¾ [التوبة: 60]، يبقى هذا الشخص هل هو من الفقراء والمساكين المذكورين في القرآن أم لا؟، وكما حرَّم الله الخمر والربا عمومًا، يبقى الكلام في الشراب المعيَّن هل هو خمر أم لا؟، وهذا النوع مما اتفق عليه المسلمون، بل العقلاء، بأنه لا يمكن أن ينص الشارع على حكم كل شخص، إنما يتكلم بكلام عام"[92].
وقد وافَق الشَّاطبي في إطلاق الاجتهاد على هذا النوع الشافعي؛ حيث قال: "ففرض عليهم الاجتهاد بالتوجه شطر المسجد الحرام"[93].
والشيرازي[94]، والجويني[95]، والآمدى[96]، وابن تيمية[97]، والطوفي[98]، وابن السبكي[99]، وإن كان بعض مَن سبق ساق إطلاق الاجتهاد على تحقيق المناط في القِبلة بما يفيد أن الكلام عن المجتهد، وليس العامي.
ويمكن أن ينسحب قول من خالف في إطلاق الاجتهاد على تحقيق المناط النوعي العام على هذا النوع من تحقيق المناط، لا سيما وأن إطلاق الاجتهاد على المجتهد في هذا النوع مخالف لاصطلاح الأصوليين، وما ذكر هناك مِن أن مراد مَن أطلق عليه مسمى الاجتهاد هو الاجتهاد بالعرف اللغوي، وأن مَن منع مِن ذلك إنما أراد ألا يطلق عليه مسمى الاجتهاد في العرف الأصولي، يقال هنا أيضًا: فمَن أطلق على العامي لفظة الاجتهاد؛ لكونه اجتهد في تحقيق مناط نفسه، فمرادُه الاجتهاد في اللغة، ومن لم يطلق عليه ذلك، فمراده الاجتهاد في الاصطلاح.
سادسًا: أما تحقيق المناط الشخصي الخاص بنوعيه، فلم أرَ أحدًا من الأصوليين ذكره، بل ولا أشار إليه في مبحث تحقيق المناط، لكن لا يخلو الباب من إشارات مطلقة من بعض العلماء في باب ما يلزم المفتي؛ حيث ذكروا مما يلزم المفتي بعض ما هو مرتبط بما ذكره الشَّاطبي؛ فالإمام أحمد ذكر من شروط الانتصاب للفتوى معرفة الناس[100]، وهذا يشترط معرفة المفتي المجتهد لأحوال الناس، وعاداتهم، وطرائقهم، ومكرهم، وخداعهم، كما يلزم منه معرفة حال السائل، ومراده، وداخلة نفسه؛ حتى لا يفتيه بما يفسده، أو بما يتخذه ذريعة إلى المفسدة، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح[101].
يتبع