عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-02-2020, 03:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,875
الدولة : Egypt
افتراضي رد: محال الاجتهاد عند الشاطبي



8- اختلفوا في المبتدع بما يتضمن كفرًا من غير إقرار بالكفر، هل هو من الأمة أو لا؟[32]؛ وذلك لأنه دائر بين طرفين واضحين:

الأول: أنهم متفقون على أن المبتدع بما تضمن كفرًا صرح به فليس من الأمة.

الثاني: أنهم متفقون على أن المبتدع بما لا يتضمن كفرًا من جملة الأمة.



9- اختلفوا في إضافة بعض الأمور إلى الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأنها دائرة بين طرفين:

الأول: أنهم متفقون على أن الله سبحانه وتعالى متصف بصفات الكمال.

الثاني: أنهم متفقون على أن الله سبحانه وتعالى منزَّه عن النقائص مطلقًا.

فمن رأى أن هذه الأمور من الكمال أضافها إليه سبحانه وتعالى، ومن لا فلا[33].

وبعد هذا يمكننا أن نلخص محل الاجتهاد المعتبر بأنه هو الظني المتردد بين أصلين واضحين.



ولا بد من الإشارة إلى أن الشَّاطبي جعل كل خلاف راجعًا إلى ذلك؛ حتى لا يكاد يخرج خلاف معتبر من هذه القاعدة، فيندرج في ذلك تحقيق المناط العام، فلما أن كان نوعًا من الاجتهاد بالعرف العام، فهو مندرج تحت هذه القاعدة، بل قد صرح الشَّاطبي بذلك، فقال: "إما بتحقيق المناط الدائر بين الطرفين الواضحين، والحكم عليه..."[34].

وعلى هذا، فالعدالة وتحقيقها في شخص معين اجتهاد يتنازعه أصلان، وهما إثبات العدالة ونفيها، وكذلك المشروب المعين يتنازعه أصلان، وهما أن يكون خمرًا فيحرم، أو غير خمر فلا يحرم، وبهذا يتبين شمولية ما قرره الشَّاطبي.



وقد وافق الشَّاطبي على ذلك جمهور الأصوليين؛ فهم يرون أن محل الاجتهاد هو الظني المتردد بين احتمالين، وبذلك يخرج القطعي عن كونه محلًّا للاجتهاد، ومَن تأمل كثيرًا من المسائل التي يطرقها الأصوليون يلاحظ أنهم يشيرون إلى أن المسألة دائرة بين طرفين، فيلزم الترجيح بينهما[35].

وقد خالف الشَّاطبي بعض الحنفية، وبعض الحنابلة: فرأوا أن الاجتهاد قد يقع في القطعي[36].

وقد اتفق الأصوليون على عدم جواز الاجتهاد مع وجود النص[37]، والذي يبدو أن مراد الأكثر بالنص هو النص القطعي[38].

ويبدو من خلال عرض المسألة التميز الواضح الذي جلى به الشَّاطبي هذه المسألة.





[1] معجم مقاييس اللغة ( 2/ 20) مادة: "حل".




[2] انظر: معجم مقاييس اللغة (2/ 20) مادة: "حل" القاموس المحيط (1274) مادة: "حلل".




[3] الموافقات (5/ 114)، وانظر منه: (4/ 40، 5/ 71 - 72، 218 - 219، 344).




[4] الظاهر أن مراد الشاطبي بالمتشابه هنا المتشابه الإضافي، الذي يكون التشابه فيه ليس من جهة الدليل، وإنما من جهة نظر المجتهدين، بخلاف المتشابه الذي لا يظهر فيه قصد الشارع، لا في إثبات ولا نفي؛ إذ هذا هو المتشابه الحقيقي الذي لم يجعل الشارع سبيلًا إلى فهم معناه؛ وذلك حتى لا يقع التعارض في كلام الشاطبي، ووجَّه ذلك الشيخ عبدالله دراز في تعليقه على الموافقات (5/ 115 - 116)، وأيَّده بأن الشاطبي بعد قوله: "فإن لم يقوَ رجع إلى قسم المتشابهات"، قال (5/ 116): "وإن قوي في إحدى الجهتين فهو قسم المجتهدات، وهو الواضح الإضافي بالنسبة إليه في نفسه، وبالنسبة إلى أنظار المجتهدين"، فمعناه أن مقابله هو المتشابه الإضافي، وأقول: يؤيده أيضًا قوله في موضع آخر (5/ 71): "وأما مواضع الاجتهاد فهي راجعة إلى نمط التشابه؛ لأنها دائرة بين طرفي نفي وإثبات شرعيين؛ فقد يخفى هناك وجه الصواب من وجه الخطأ"، فيتضح من كلامه أنه يريد المتشابه الإضافي؛ ولذا قال: "فقد يخفى... إلخ"، والمتشابه الحقيقي يخفى على جميع المجتهدين، لا على بعضهم.




[5] انظر: الموافقات (5/ 114 - 115).




[6] الموافقات (5/ 120).




[7] الموافقات (3/ 232 - 262) وانظر منه: (4/ 10 - 11).




[8] الاعتصام (2/ 393)، وانظر: الموافقات (1/ 497).




[9] الاعتصام (2/ 478) وفيه: "تبث.. أشعرت"، وكذا في طبعة دار ابن عفان (2/ 817)، ولعل الصواب: ثبتت؛ يعني قاعدة الاجتهاد، أو يكون المراد: وإذا ثبت القول بكمال الشريعة، أشعرت لكمالها، وانظر: الاعتصام (2/ 477).




[10] الاعتصام (2/ 478).




[11] انظر: الاعتصام (2/ 354).




[12] الموافقات (1/ 266).




[13] الموافقات (5/ 138 - 139).




[14] انظر: الموافقات (3/ 320 - 321، 5/ 138 - 139).




[15] انظر: الموافقات (3/ 329).




[16] انظر: الموافقات (3/ 323، 4/ 10، 5/ 222)، ولا يخفى أن مذهب السلف ليس كما فهم الشاطبي، بل هو تفويض الكيفية دون المعنى.




[17] انظر مثلًا: الموافقات (1/ 405 - 497، 2/ 278، 510، 3/ 156، 219، 264، 475).




[18] انظر لهذه الأمثلة: الموافقات (5/ 117 - 120).




[19] روى مسلم في صحيحه كتاب البيوع باب بطلان يبع الحصاة والبيع الذي فيه غرر (10/ 133/ 1513) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)، والغرر: هو الخطر، وهو بيع ما دخلَتْه الجهالة، وقال ابن الأثير: "هو ما كان له ظاهر يغرُّ المشتري، وباطن مجهول"؛ انظر: المصباح المنير (2/ 445) النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 355) معجم لغة الفقهاء (330) القاموس الفقهي (272) الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي (27 - 34).




[20] انظر في أقسام الغرر والإجماع عليه، والكلام على أقسامه: الاعتصام (2/ 374) الذخيرة (5/ 93) المعونة (2/ 1029) بداية المجتهد (2/ 111) شرح النووي لمسلم (10/ 133) الفروق (1/ 150، 3/ 265) المغني (6/ 290) الحاوي (5/ 324) البناية شرح الهداية (7/ 198) ونقل عن ابن سيرين وشريح خلاف في المسألة؛ انظر: المحلي (8/ 399 - 400).




[21] انظر: مراتب الإجماع (34) الإجماع لابن المنذر (12 - 13) المغني (4/ 208).




[22] نص القائلون بزكاة عروض التجارة على اشتراط كونها معدة للتجارة؛ انظر: الذخيرة (3/ 19) المغني (4/ 248) الإجماع لابن المنذر (14) البناية (3/ 449).




[23] انظر لزكاة الحلي: المغني (4/ 220) الذخيرة (3/ 48) البناية (3/ 442)، وفي المسألة مؤلفات مفردة.




[24] المراد بالفسق هنا: فسق الأفعال، لا فسق الاعتقاد، فهو محل خلاف، كما أن مراده الفسق المتيقن لا المظنون، فهو محل خلاف، انظر: أصول السرخسي (1/ 370) المعونة (3/ 1517) شرح العضد (2/ 64) البحر المحيط (4/ 278).




[25] انظر لروايته: أصول السرخسي (2/ 370) اللمع (78) التبصرة (337) المستصفى (1/ 157) الإحكام (2/ 78) علوم الحديث والمسمى بالمقدمة لابن الصلاح (121) مختصر المنتهى مع شرح العضد (2/ 64) نهاية الوصول لابن الساعاتي (1/ 357) المسودة (252) البحر المحيط (4/ 280) فتح المغيث (2/ 50) تدريب الراوي (1/ 316) غاية الوصول (100) فواتح الرحموت (2/ 146)، ولشهادته: المعونة (3/ 1517) المغني (14/ 43، 46) الإحكام (2/ 79) إعلام الموقعين (1/ 100).




[26] انظر: الحاوي (5/ 265) المعونة (2/ 1069) المغني (6/ 259) تقرير القواعد وتحرير الفوائد (3/ 332).




[27] انظر: الأوسط (2/ 65) الإجماع (5) المغني (1/ 314) المقدمات والممهدات (1/ 37 - 38) المجموع (2/ 300) بداية المجتهد (1/ 53) بدائع الصنائع (1/ 57) ونُقِل في المسألة خلاف ضعيف عن أبي سلمة بن عبدالرحمن؛ انظر لذكر ذلك عنه: الأوسط وبدائع الصنائع والاستذكار (3/ 167).




[28] انظر: الإجماع (5) المغني (1/ 320) بداية المجتهد (1/ 53).




[29] انظر: المدونة الكبرى (1/ 46) الأوسط (2/ 65) الخلافيات (2/ 449) الاستذكار (3/ 168) المبسوط (1/ 124) الحاوي (1/ 252) المعونة (1/ 148) المحلى (2/ 122) المغني (1/ 320) بداية المجتهد (1/ 53) روضة الطالبين (1/ 228) بدائع الصنائع (1/ 57) تقرير القواعد وتحرير الفوائد (1/ 41).




[30] انظر: المعونة (2/ 1011) الكافي لابن عبدالبر (2/ 687) المغني (6/ 130) مغني المحتاج (2/ 492) شرح فتح القدير (6/ 262).




[31] انظر: جماع العلم (88) العدة (4/ 1170) المعتمد (2/ 532) أصول السرخسي (1/ 303) التبصرة (391) الأسرار في الأصول والفروع (1/ 50) البرهان (1/ 447) بذل النظر (567) المحصول (4/ 153) الإحكام (1/ 252) شرح تنقيح الفصول (330) المسودة (335) مختصر المنتهى مع شرح العضد (2/ 37) شرح مختصر الروضة (3/ 78) نهاية الوصول (6/ 2567) الإبهاج (2/ 380) تقريب الوصول (334) شرح الكوكب المنير (2/ 253) فواتح الرحموت (2/ 232).




[32] انظر: الاعتصام (2/ 411) الموافقات (5/ 172) أصول الدين للبغدادي (332 وما بعدها) الفرق بين الفرق (278) المواقف (392) تلخيص كتاب الاستغاثة (256) مجموع الرسائل والمسائل (5/ 376) منهج ابن تيمية في مسألة التكفير (2/ 295) وما اختاره الشاطبي هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية من عدم تكفير الفرق الثلاث والسبعين الواردة في الحديث.




[33] يعبِّر كثير ممن جانَب الصواب في صفات الله بتنزيه الله، ووصفه بصفات الكمال؛ مما يبين أن ما ذكره الشاطبي صحيح في الجملة؛ لاحظ أبواب كتاب المسائل الخمسون في أصول الدين للرازي، وخاصة (43 - 44، 61)، والفرق بين الفرق (257 وما بعدها) والإنصاف للباقلاني (34) والمواقف (270)، ولا شك أن الحق في هذا الجانب هو ما قرره السلف من إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وما سكت عنه نظر فيه بحسب ما فيه من حق أو باطل؛ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 216) شرح السنة للبربهاري (24) الرسالة في اعتقاد أهل السنة للصابوني (26) مجموع الفتاوى (3/ 4 وما بعدها، 129 - 130).




[34] الموافقات (4/ 402).




[35] انظر: شرح اللمع (2/ 1072) البرهان (2/ 867) المحصول (5/ 397، 6/ 37) نهاية الأصول (8/ 3647) جمع الجوامع مع شرح المحلي والآيات البينات (4/ 287).




[36] انظر للخلاف ولعزو الأقوال: (ص 128 - 129) من هذا البحث.




[37] انظر: جماع العلم (11) نهاية الأصول (8/ 3846) الإبهاج (3/ 258) البحر المحيط (6/ 255) إعلام الموقعين (1/ 6).




[38] انظر ما يفيد ذلك في مبحث: نقض الاجتهاد (ص 635).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.55%)]