أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
صلاة العيدين
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام
الحديث الأول
135- عن عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة.
والأصل في صلاة العيد الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ï´؟ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ï´¾ [الكوثر: 2] وقال: ï´؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ï´¾ [الأعلى: 14، 15].
• قال البخاري: باب الخطبة بعد العيد[1].
وذكر حديث ابن عباس قال: شهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة"، ثم ذكر حديث ابن عمر قال ثم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر- رضي الله عنهما - يصلون العيدين قبل الخطبة، وذكر حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة الحديث"، وذكر حديث البراء بن عازب قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر" الحديث.
• قوله: (يصلون العيدين قبل الخطبة) فيه دليل على مشروعية تقديم صلاة العيد قبل الخطبة.
• قال البخاري: باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين[2].
وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا عيدنا أهل الإسلام.
وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام، وقال عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين.
الحديث الثاني
136- عن البراء بن عازب - رضي الله عنه- قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك فبل الصلاة فلا نسك له". فقال أبو بردة بن نيار- خال البراء بن عازب: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي. فذبحت شاتي، وتغذيت قبل أن آتي الصلاة، فقال: "شاتك شاة لحم" قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني؟ قال: "نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك".
• قال البخاري: باب الأكل يوم النحر[3].
وذكر حديث أنس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم من ذبح قبل الصلاة فليعد فقام رجل فقال هذا يوم يشتهى فيه اللحم وذكر من جيرانه بالحق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - صدقه، قال وعندي جذعة أحب إلي من شاتي لحم فرخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا" ثم ذكر حديث الباب.
• قوله: (ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له). وفي رواية: ومن ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد أتم نسكه وأصاب سنة المسلمين.
• قوله: (وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي)، وفي حديث أنس فقام رجل فقال هذا يوم يشتهي فيه اللحم وذكر هنة من جيرانه، وقوله: هنة أي حاجة إلى اللحم.
• قوله: (شاتك شاة لحم) أي ليست أضحية بل هو لحم ينتفع به.
• قوله: (فإن عندنا عناقا هي أحب إلينا من شاتين) وفي رواية فإن عندنا عناقا لنا جذعة هي أحب إلي من شاتين.
• قال الحافظ: (فيه أن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهل عليه حتى لو استفتاه اثنان في قضية واحدة جاز أن يفتي كلا منهما بما يناسب حاله)[4] انتهى.
• وقال ابن القيم: وتختلف الفتوى باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان.
• قوله: (فتجزئ عني) أي تقضي ومنه قوله تعالى: ï´؟ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ï´¾ [البقرة: 48] وفي الحديث إن الجذع من المعز لا يجزي في الأضحية وهو قول الجمهور.
• قال الحافظ: (وفي حديث أنس والبراء من الفوائد تأكيد أمر الأضحية، وأن المقصود منها طيب اللحم وإيثار الجار على غيره، وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحق الثناء به عليه بقدر الحاجة، وقال إن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية، وفيه أن الإمام يعلم الناس في خطبة العيد أحكام النحر. وفيه جواز الاكتفاء في الأضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور، وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع.
وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الأضحية، وفيه جواز الأكل يوم النحر قبل الصلاة، وفيه كرم الرب سبحانه وتعالى لكونه شرع لعبيده الأضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، وفيه دليل على مشروعية الصلاة يوم العيد قبل الخطبة وأن ما ذبح قبل الصلاة لا يجزي عن الأضحية) [5] انتهى ملخصا.
• وقال ابن دقيق العيد: (وفيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتض الأمر لم يعذر فيها بالجهل وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات فعذبوا في المنهيات بالنسيان والجهل كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة)[6].
• قال الحافظ: وفيه جواز الإمام وتكليمه وهو يخطب.
• قال ابن بطال: أجمع الفقهاء على أن العيد لا تصلي قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها، وإنما تجوز عند جواز النافلة[7].
وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصوم يوم يصومون، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون". رواه الترمذي أيضًا.
• وقال الخطابي في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عيب وكذلك في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة ليس عليهم إعادة؛ انتهى.
الحديث الثالث
137- عن جندي بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه- قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح وقال: "من ذبح فبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم فليذبح فليذبح باسم الله".
• قال البخاري: باب من ذبح قبل الصلاة أعاد.
وذكر حديث أنس وحديث جندي بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر فقال: "من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ومن لم يذبح فليذبح" ثم ذكر حديث البراء.
• قال الحافظ: (قوله: (ومن لم يذبح فليذبح) في رواية أبي عوانة: "ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله" وفي رواية لمسلم: "فليذبح بسم الله" أي فليذبح قائلا بسم الله أو مسميا، والمجرور متعلق بمحذوف، وهو حال من الضمير في قوله: "فليذبح" وهذا أولى ما حمل عليه الحديث وصححه النووي، ويؤيده ما في حديث أنس "وسمى وكبر")[8].
• قال الحافظ: (قوله: فلا يذبح حتى ينصرف" تمسك به الشافعية في أن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة، وإنما شرطوا فلا الخطيب لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزي بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية، سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا، ويستوي في ذلك أهل المصر والحاضر والبادي ونقل الطحاوي عن مالك والأوزاعي والشافعي: لا تجوز أضحية قبل أن يتبع الإمام، وهو معروف عن مالك والأوزاعي لا الشافعي، قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها إلى أن قال وقال أحمد وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل وأن ضعفه بعضهم، قال ويحتمل أن يكون قوله: "حتى ينصرف" أي من الصلاة، كما في الروايات الأخر. وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رفعه: "إنما الذبح بعد الصلاة" ووقع في حديث جندي عند مسلم: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى" إلى أن قال وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نحر فأمرهم أن يعيدوا" قال ورواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "أن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة" وصححه ابن حبان. ويشهد لذلك قوله في حديث البراء "أن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر" فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام. ويؤيده - من طريق النظر- أن الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطا عن الناس مشروعية النحر، ولو أن الإمام نحر قبل أن يصلي لم يجزئه نحره، فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء. وقال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة.
• قوله: فليذبح على اسم الله. وقد استدل به ابن المنير على اشتراط تسمية العامد دون الناسي)[9] انتهى والله أعلم.
الحديث الرابع
138- عن جابر- رضي الله عنه- قال: شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، وقال: "يا معشر النساء، تصدقن، فإنكن كثر حطب جهنم" فقامت امرأة من سطة النساء، سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ فقال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير". قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن.
• قال البخاري: باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة حدثنا إبراهيم بن موسى قال أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرني عطاء عن جابر بن عبدالله قال سمعته يقول ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة.
قال: وأخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخطبة بعد الصلاة.
وأخبرني عطاء عن ابن عباس وعن جابر بن عبدالله قالا: ثم لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.
وعن جابر بن عبدالله قال سمعته يقول ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد فلما فرغ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - نزل فأتي النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة قلت لعطاء أترى حقا على الإمام الآن أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ قال إن ذلك لحق عليهم وما لهم أن لا يفعلوا؟[10].
• قال الحافظ: قوله: "باب المشي والركوب إلى العيد، والصلاة قبل الخطبة، وبغير أذان ولا إقامة" في هذه الترجمة ثلاثة أحكام: صفة التوجه وتأخير الخطبة عن الصلاة وترك النداء فيها. انتهى.
• قوله: (فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة) وفي رواية لمسلم عن جابر قال: "لا أذان للصلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء" وقال مالك في الموطأ سمعت غير واحد من علمائنا يقول: "لم يكن في الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم" وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
• قوله: (فقامت امرأة من سطة النساء) أي من وسطهن في المجلس (سفعاء الخدين) الأسفع والسفعاء من أصاب خده لون يخالف لونه الأصلي من سواد أو خضرة أو غيره.
والحديث يدل: على عدم مشروعية الآذان والإقامة لصلاة العيد.
• قال ابن دقيق العيد: (وكأن سببه تخصيص الفرائض بالأذان تمييزا لها بذلك عن النوافل وإظهارا لشرفها، قال وهذه المقاصد التي ذكرها الراوي- من الأمر بتقوى الله والحث على طاعته والموعظة والتذكير: هي مقاصد الخطبة) [11] انتهى.
• قوله: (لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير)، وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أضحى أو فطر إلي المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار" فقلن وبم يا رسول الله قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" قلن: بلى قال: "فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن بلى قال "فذلك من نقصان دينها".
يتبع