عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 17-02-2020, 04:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تعريف السنة بين المحدثين والأصوليين والفقهاء



وإنما عدَّ العلماء ذلك من السُّنة - مع أنه لا يمكن الاقتداء بها؛ لأنها من قدر الله عز وجل، والسنة مبنيَّة على الاتِّباع - لكي نعلم صفات الرسول صلى الله عليه وسلم الخِلْقِية التي أوجده الله تعالى عليها، وحتى نتيقَّن مِن أن الله عز وجل خلقه على أحسن هيئةٍ، وأكمل صورة بشرية، وبرَّأه من كل عيب خِلْقِي، وهذا من أدلة صدقه صلى الله عليه وسلم، وحتى نتأكَّد من أن الله عز وجل أوجده على نفس الهيئة وبنفس الصفات التي ذُكِرت في الكتب السابقة، وفي هذا دليلٌ على صدقه ونبوته، وحتى نردَّ مطاعِنَ أعداء الإسلام الذين يَبْغُون تشويه صورته، وإلصاق النقص به، وحتى نقتدي بكل ما يمكن الاقتداء به منها؛ مثل صفة لحيته صلى الله عليه وسلم[20].




والمقصود بصفاته الخُلقية - بضم الخاء -: ما يتعلَّق بأخلاقه الشريفة.

ومثاله: ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنهقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها[21].




وأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم مع جانبٍ من أقواله وأفعاله - هي التي تُكَوِّنُ شمائله، التي ألَّف فيها الإمام الترمذي وغيره، واهتمَّ بها الشُرَّاح وكُتَّاب السِّيرة النبوية.




والمقصود بسائر أخباره صلى الله عليه وسلم: ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حركة وسكون في كل أحواله، يقظةً أو منامًا؛ فإن الله عز وجلقد تعبَّدنا بالاقتداء به في كل شيء، وجعله صلى الله عليه وسلم النموذجَ المثالي للإنسان الكامل الذي يسعى المسلم إلى الاقتراب منه والتشبُّه به؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

فحركاته صلى الله عليه وسلم وسائلُ تربويةٌ تعليمية، يقصد النبي صلى الله عليه وسلم من ورائها شدَّ انتباه المتلقِّي، ولَفْت نظره إلى أهمية ما يُلْقَى عليه، فيرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، فيكون ذلك أدعى للفهم والحفظ.

ومثال ذلك: ما رواه ابن مسعود رضي الله عنهقال: خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خُططًا صِغارًا إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط، وقال: ((هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به - أوقد أحاط به - وهذا الذي هو خارجٌ أملُه، وهذه الخطط الصغار الأعراض؛ فإن أخطأه هذا، نهَشَه هذا، وإن أخطأه هذا، نهشه هذا))[22].




وهنا نلاحظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم الرسمَ وسيلة للتعليم، ولم يكتفِ بمجرد الكلام إحضارًا لذهن المستمع، وهذا ما وصل إليه علماء التربية اليوم، وقد سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم وعلَّمَنا إياه من أكثر من أربعة عشر قرنًا، فيا له من دينٍ لو كان له رجال!

وسكوته صلى الله عليه وسلم نستفيد منه: أحكامًا شرعية، فنسكت في الموضع الذيسكت فيه، ويكون الصمت فيه أفضلَ من الكلام.




ومثال ذلك: ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنهماقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر، فجلسنا كأنَّ على رؤوسنا الطير[23].




فالنبي صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنا في هذا الحديث بسلوكه العملي: أن الصمت عند دفن الموتى أفضل من الكلام؛ من أجل العظة والاعتبار، واحترامًا لجلال الموقف.

والمقصود بما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حال اليقظة: الاقتداء به في كل ما صدر عنه من قولٍ، وفعلٍ، وتقريرٍ، وحركةٍ، وسكونٍ، في حال يقظته؛ فهو لا ينطق عن الهوى، ولا يقول إلا حقًّا، في الغضب والرضا، عند الحزن والفرح.

فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنتُ أكتبُ كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهَتْني قريش؛ فقالوا: إنك تكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلَّم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((اكتب؛ فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق))[24].




والمقصود بما صدر عنه في حال النوم: ما رآه في نومِه وأخبَر به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى إلا حقًّا، ولا يستولي الشيطان على قلبه، ورؤيا الأنبياء وحيٌ؛ لأن عينَه تنام ولا ينام قلبه.




وقد حدَّثنا القرآن الكريم عن قصةِ نبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكيف همَّ بذبح ولده بِناءً على رؤيا رآها في المنام، فعلِم أنه أمرٌ من الله عز وجل واجب التنفيذ، وقد قال الله عز وجل لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ﴾ [الأنفال: 43]، فما يراه النبي صلى الله عليه وسلم في نومه رؤيا من الله عز وجل وحدَه.




وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴾ [الفتح: 27]، فرؤيا الأنبياء من عند الله عز وجل، وهي حقٌّ وصدق.




وعن السيدة عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلَقِ الصبح[25].

فما رآه النبي صلى الله عليه وسلم حال نومه وحي، وهو من السُّنة المطهَّرة الواجبة الاتباع.

ومثال ذلك: ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رأيتُ في المنام أني أُهاجِر من مكة إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة، أو هَجَر، فإذا هي المدينة: يثرب، ورأيتُ في رؤياي هذه أني هززتُ سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحُد، ثم هززتُه أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيتُ فيها أيضًا بقرًا، واللهُ خيرٌ، فإذا هم النَّفر من المؤمنين يوم أُحُد، وإذا الخيرُ ما جاء الله به من الخيرِ بعدُ، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدرٍ))[26].




ومثاله أيضًا: ما روَتْه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: ((أُرِيتُكِ في المنام ثلاثَ ليالٍ، جاءني بك المَلَكُ في سَرَقَةٍ من حريرٍ، فيقول: هذه امرأتُك، فأكشف عن وجهك فإذا أنتِ هي، فأقول: إن يكُ هذا من عند الله، يُمْضِه))[27]، ولأن هذه الرؤيا وحيٌ من عند الله عز وجل؛أمضاها الله تعالى، وتزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشةَ رضي الله عنها.




واللافت للنظر في هذا الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ حديثه عن الرؤيا غالبًا بقوله: ((أُرِيتُ))، بالبناء لما لم يُسمَّ فاعله، وكأنه يريد أن يلفت نظر المستمع إلى أنه لا يرى بنفسه؛ وإنما يُريه الله سبحانه ما شاء من وَحْيه.




والمقصود بقولنا: قبل البعثة وبعدها: أننا مأمورون بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم في سائر أحواله، وجميع حياته، فالاقتداء به صلى الله عليه وسلم بعد البعثة واضحٌ، وقد اعتبر العلماء حياته قبل البعثة من السُّنة؛ لأن الله تعالى فَطَرَه على مكارم الأخلاق، وعصمه من مساوئها، وحفِظه من آثام الجاهلية، فكان مشهورًا بينهم بالصدق والأمانة، وهذه أدلة على صدقه في ادِّعاء النبوة؛ ولذلك عدَّ العلماء حياته قبل البعثة جزءًا من السنة؛ لأنها دليلٌ على صدقه.




فمن السنة نقلُ ما يتعلَّق بولادته، ورضاعته، ونشأته، وبعثته، وغير ذلك مما لم يعرف عن طريق قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومثل ذلك: وفاته، وتجهيزه، ودفنه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي[28]، فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم جزءٌ من سنته.







[1] تاج العروس 9/ 243، لسان العرب 6/ 399.




[2] مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، 2/ 704، رقم: 1017.




[3] إرشاد الفحول؛ للشوكاني، صـ: 32، المعجم الوسيط 1/ 455.




[4] لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث؛ للشيخ عبدالفتاح أبو غدة صـ: 14.




[5] الحاكم في المستدرك 1/ 172، رقم: 318، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 114.




[6] أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة 4/ 200، رقم: 4607، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع 5/ 308، رقم: 2685، وقال: حسن صحيح.




[7] الجرح والتعديل؛ لابن أبي حاتم 1/ 176، سير أعلام النبلاء 1/ 176.




[8] حلية الأولياء 6/ 332، الجرح والتعديل 1/ 118.




[9] شفاء الصدور في تاريخ السنة ومناهج المحدثين؛ للدكتور السيد نوح، صـ 8 - 13.




[10] راجع: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 2/ 96، على هامش المستصفى للغزالي، والإحكام في أصول الأحكام؛ للآمدي 1/ 127، وإرشاد الفحول؛ للشوكاني صـ: 33.




[11] إرشاد الفحول صـ: 33.




[12] مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى 3/ 1517، رقم: 1909.




[13] راجع: المدخل لدراسة السنة النبوية؛ للدكتور يوسف القرضاوي صـ: 21،22.




[14] مسلم، كتاب صلاة العيدين 2/ 603، رقم: 885.




[15] البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين 1/ 367، رقم: 203، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين 1/ 228، رقم: 274.




[16] راجع: الإحكام في أصول الأحكام؛ لابن حزم 2/ 146.




[17] ذكره البخاري تعليقًا، كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المـرض أو المـوت أو خاف العطش، تيمَّم 1/ 541، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد يتيمم 1/ 90، رقم: 334، وأحمد في المسند 13/ 507، رقم: 17739، وإسناده حسن.




[18] البخاري، كتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد 1/ 653، رقم: 454، ومسلم، كتاب العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه أيام العيد، 2/ 608، رقم: 892.




[19] البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 6/ 652، رقم: 3549، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أحسن الناس وجهًا 4/ 1819، رقم: 2337.




[20] تيسير اللطيف الخبير في علوم حديث البشير النذير؛ للدكتور مروان شاهين 1/ 21، 22.




[21] البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 6/ 654، رقم: 3562، ومسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم 4/ 1809، رقم: 2320.




[22] البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله 11/ 239، رقم: 6417.




[23] أبو داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر 4/ 240، رقم: 4753، النسائي، كتاب الجنائز، باب الوقوف للجنائز 4/ 77.




[24] أبو داود، كتاب العلم، باب في كتاب العلم 3/ 317، رقم: 3646، أحمد في المسند 6/ 68، رقم: 6510، وإسناده صحيح.




[25] البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي 1/ 30، رقم: 3، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 139، رقم: 160.




[26] البخاري، كتاب التعبير، باب إذا رأى بقرًا تنحر 12/ 439، رقم: 7035، ومسلم، كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم 4/ 1779، رقم: 2272.





[27] البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة 7/ 264، رقم: 3895، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة 4/ 1889، رقم: 1438.




[28] راجع: المدخل لدراسة السنة النبوية، صـ: 34.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.69 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.14%)]