عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 16-02-2020, 04:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,671
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كيف أرضى بالقضاء وأؤمن بالقدر؟

رابعًا: من فضائل الرضا بالقدر:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قال حين يسمع المؤذِّن: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا - غُفِر له ذنبه))، قال ابن رمح في روايته: ((مَن قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد))، ولم يذكر قتيبة قوله: ((وأنا))؛ [صحيح مسلم - 386].



عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذَهاب همي - إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحًا))، قالوا: يا رسول الله، ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: ((أجل، ينبغي لمن سمعهنَّ أن يتعلَّمهنَّ))؛ [صحيح الترغيب - 1822 - (حديث صحيح)].



عن العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا))؛ [صحيح مسلم - 34].



فنجد في الأحاديث فضلًا عظيمًا من الله تعالى يعطيه الراضين به وبقضائه وحكمه؛ مغفرةً، وتفريجَ كروب، وذوقَ طعم الإيمان، فاللهم ارزقنا ولا تحرِمنا.



ولله عبادٌ قد قال فيهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: 119]، فنجد أن الرضا بالله عز وجل معينٌ على نوائب الدهر، مسلٍّ للقلب حين ترهقه الخطوب، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة في كل سنَّته؛ حيث قال فيما روى عنه أنسُ بن مالك: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القَيْنِ، وكان ظئرًا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيمَ فقبَّله وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيمُ يجودُ بنفسه، فجعلَتْ عينَا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟! فقال: ((يا بن عوف، إنها رحمة))، ثم أتْبَعَها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرضى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون))؛ [صحيح البخاري - 1303].



فمع عظم المصاب وحزن القلب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على ألا يقول إلا ما يُرضي اللهَ رب العالَمين.

وقول أحدنا عند سماع المؤذن: (رضيت بالله ربًّا) فيه إقرار بالرضا بالله عز وجل، فهل حقًّا رضِينا به ربًّا يفعل بنا ما يريد؟



هل رضينا بحكمه وقضائه؟

بين البشر: الثقةُ بأحد وتفويضه أو توكيله في قضية أو مسألة - تعني ثقةً به وبحكمته وحكمه وحسن تدبيره إلى حدٍّ بعيد، وهذا في نطاق البشر معلوم نقصه؛ لأن العبد لا يملك من العلم ما يكفي ليدبر حاجة محيطًا بتبعاتها وما تخلف من عواقب، فنحن لا نعلم الغيب ولا ما يخفى، ولا نملك من القوة ما يكفي لجلب أو دفع شيء إلا بإذن الله وإرادته.

ولكننا نعلم يقينًا أن الله علَّام الغيوب، يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأن أمر المؤمن كله خير.



عن صهيب بن سنان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له))؛ [صحيح مسلم - 2999]، وأن ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12].



فهذا العلم بالله تتحقق به الطمأنينةُ والتوكل وتفويض الأمر إليه، كيف لا وهو العلي العليم، الحكيم الخبير، مدبِّر الأمر، السميع البصير؟!

فإلى من يوكل الأمر ويفوَّض إن لم يكن إلى الذي بيده الملك ربِّ العرش؟!



﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر: 44]، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: 3]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159].

وإن من أجمل وأطيب ما في الإيمان بالقدر، والتسليمِ بقضاء الله - أن يجد العبد نفسه راضية بالله حتى تحبَّ ما يحبُّ وتتمتع به وإن كان ابتلاءً.



فإذا ما تذكر العبد أن هذا البلاء الواقع هو مراد الله عز وجل فيه، قضاه ولا مكره له (عز وجل)، فكيف يكرَهُ أحدُنا ما رضيه الله له وقدَّره ودبره؟

فلنَلُمْ أنفسنا أن أغضبت ربَّها جل وعلا حتى وقع البلاء، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: 10، 11].



(لله تعالى ملائكة يتعاقبون على الإنسان من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه بأمر الله، ويُحصُون ما يصدر عنه من خير أو شر، إن الله سبحانه وتعالى لا يغير نعمةً أنعمها على قوم إلا إذا غيَّروا ما أمرهم به فعَصَوه، وإذا أراد الله بجماعة بلاءً فلا مفرَّ منه، وليس لهم من دون الله من والٍ يتولى أمورَهم، فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه)؛ (التفسير الميسر).



(قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ؛ أي: لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعِدت ملائكة الليل، أعقبَتْها ملائكة النهار.

وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ؛ أي: المستخفي بالليل والسارب بالنهار.



﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، اختُلف في هذا الحفظ:

فقيل: يحتمل أن يكون توكيل الملائكة بهم لحفظهم من الوحوش والهوام والأشياء المضرَّة؛ لطفًا منه به، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه؛ قاله ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.



وقيل: يحفظونه من ملائكة العذاب حتى لا تحل به عقوبة؛ لأن الله لا يغيِّر ما بقوم من النعمةِ والعافية حتى يغيِّروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإن أصروا حان الأجل المضروب ونزلت بهم النقمة، وتزول عنهم الحفَظة المعقِّبات.



وقيل: يحفظونه من الجن؛ قال كعب: لولا أن الله وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، لتخطَّفتْكم الجن وملائكة العذاب من أمر الله، وخصهم بأن قال: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؛ لأنهم غير معاينين، كما قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85]؛ أي: ليس مما تشاهدونه أنتم.



قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11]؛ أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب، كما غيَّر الله بالمنهزمين يوم أُحُد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة، فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدَّم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، كما قال صلى الله عليه وسلم، وقد سئل: أنَهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثُر الخبث))، والله أعلم)؛ (تفسير القرطبي).

(﴿لَهُ؛ أي: للإنسان ﴿مُعَقِّبَاتٌ من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار.



﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؛ أي: يحفظون بدَنَه وروحه من كل مَن يريده بسوء، ويحفظون عليه أعماله، وهم ملازمون له دائمًا، فكما أن علْم الله محيطٌ به، فالله قد أرسل هؤلاء الحَفَظة على العباد، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم، ولا يُنسى منها شيء.



﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِن النعمة والإحسان ورغد العيش، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها.



فإنه ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ ولا أحد يمنعهم منه، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ يتولى أمورهم فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله؛ خشية أن يحلَّ بهم من العقاب ما لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين؛ (تفسير السعدي).



﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال: 52، 53].



(يخبر تعالى عن تمام عدله، وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يُغيِّر نعمةً أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: 11])؛ (تفسير بن كثير).



وقد بيَّن لنا ربُّنا أن البلاء واقع، وأن مَن عزم على البذل في سبيله، فليعلم أنه سبيل ابتلاء، ويلزمه صبر، فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155 - 157].



فيا للحسرة إذا كان الفقد في غير سبيل الله عز وجل، وأن يكون الحزن على فوائت الدنيا؛ حرصًا عليها ورغبة فيها! لا مِن حب النعمة المعتدل الدافع إلى المسارعة في الخيرات، والرغبة عن دار الفناء إلى دار البقاء، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 8]، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: 14]، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 46].



فسلوى الباذل في سبيل الله هي رجاء ما عنده مِن خير ورضوان وأجر عظيم، أما الفائت والمفقود في اللهو والمعصية، فحسرة في الدنيا، وندامة في الآخرة، فنعوذ بالله من الخسران المبين! وفي الآية: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 156]، أحسن التبيين في حال مَن كانت الآخرة همه، فهو لها ذاكر عند المصاب، عالم أن المفقود - كان ولا بد - مفارقٌ على آية حال، أليس ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: 26]؟



وفي هذا القول ﴿إِنَّا لِلَّهِ نجد التسليم والإذعان لله، وتذكُّر أننا لا نملك لأنفسنا شيئًا، بل نحن من ملك الله عز وجل، خلَقَنا لنفسه، وما خلَقَنا إلا لنعبُدَه، وهو ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: 16]، فالنظر في البلاء من منظور الدنيا يثقل القلوب، ويوهن الأجساد، ويُضعف الهمم عن البذل، ولكن تذكُّر الآخرة وقضية الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، يصرف القلبَ إن شاء الله عن كل شاغل عما لم نخلق إلا له، وهو عبادة الله.



فـ﴿إِنَّا لِلَّهِ يفعل بنا ما يريد، وهو العليم الحكيم، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فنرجو ثوابه، ونعوذ به من سخطه وعذابه إذا ما رجعنا إليه، ونستغفره لذنب حلَّ به علينا البلاء، فكانت البلاءات مذكِّرة بالذنوب، و﴿الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55]، أليست الذنوب تصيبنا بما كسَبت أيدينا، والله يعفو عن كثير؟!

فحق الله علينا أن نأسف على تقصيرنا في حقه، بدلًا من الأسى على زائل الدنيا.



خامسًا: صور من حياة الأنبياء:

ولعلنا نجد مزيدًا من تثبيت الفؤاد وسكينة القلب إن شاء الله في قصص الأنبياء.

نوح ومفارقة ولده:

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود: 45 - 47].



فسأل نوح عليه السلام ربَّه نجاةَ ولده، وقد سبق له من الله قوله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ [هود: 40]، فبيَّن له الله أن هذا الولد ليس من أهله، فهو عمل غير صالح، فكان حُكم الله أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولكن ذاك لم يعد منهم، فما كان فعل نوح عليه السلام إلا أن آمَنَ وسلَّم بقضاء الله وحكمه.



إبراهيم ومفارقة أبيه وقومه:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف: 26]، فبعدما كان حريصًا عليه وعلى استنقاذه من الهلاك، صارت مفارقة وبراءة لأجل الله عز وجل، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة: 4].



فالله هو خالق الرحم وقد شقَّ لها اسمًا من اسمه؛ عن عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله: أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها اسمًا من اسمي، مَن وصَلها وصلتُه، ومَن قطعها بتته))؛ [سنن أبي داود - 1694]، فربُّها وخالقها هو الأَولى بحقها، وما يجب لها من حكم بالوصل والقطيعة فيه وله؛ عن عبدالله بن عباس وابن مسعود والبراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحبُّ في الله، والبغض في الله عز وجل))؛ [صحيح الجامع - 2539 - (حديث صحيح)].



فحق الله في الرحم ليس صلة له فقط، بل وقطيعة له أيضًا، وذلك قضاؤه ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: 36].



إبراهيم وذبح ولده:

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: 103 - 111].

فنجد هنا البلاء في حالة من أعظم حالاته، فاجتمعت البلاءات معًا، فكان صابرًا محتسبًا، راضيًا بقضاء الله.



فالولد إن كان عصيًّا، فقد يكون البلاء أخفَّ، فالدين إذا عظُم في القلب أورث موالاة وعداوة، وقد يكون أخف أن يُذبح الولد بغير يدي أبيه، أو أن يجزع الولد من أمر الله فيغاضب أباه، ولكننا نجد تراكب البلاءات في هذه المحنة في: (بذل الولد) (الصالح)، (طواعية) (من كليهما)، (على حب) و(بيدي الأب)، فسلام على إبراهيم!

وكذلك ما ذكرناه عن النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومشهدِ موتِ ولده، فما كان إلا صابرًا محتسبًا.



هكذا نتعلم من أنبياء الله واجب الرضا بالله، وأداء حقه على غير جزع وتأفف، بل قد علموا أنهم بشر مخلوقون، فلم يَعْدُوا قَدْرَهم بكونهم بشرًا تجب عليهم الطاعة والرضا، فسلَّموا أمرهم لله عز وجل، راضين بحكمه وقضائه.



سادسًا: التصبر على البلاءات والاحتراز منها بأفعال الخير والذكر والدعاء:

التوبة والاستغفار:

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 3]، ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود: 52].



التضرع والرجوع إلى الله:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 42، 43]، فلنحذر ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف: 110].



اعتزال الباطل وأهله:

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا [الكهف: 16]، ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [مريم: 48، 49].



الاحتساب والاسترجاع وأدعية وأحاديث فيها السلوى إن شاء الله:

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 156، 157].



عن أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما مِن مسلم تصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمره الله: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها - إلا أخلف الله له خيرًا منها))، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتُها، فأخلف الله لي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قالت: أرسل إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطِبَ بن أبي بَلْتَعَةَ يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها، فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغَيرة))؛ [صحيح مسلم - 918].



عن قيس بن عبَّاد: صلى عمار بن ياسر بالقوم صلاة أخَفَّها، فكأنهم أنكروها، فقال: ألم أُتم الركوعَ والسجود؟ قالوا: بلى، قال أما أني دعوت فيها بدعاءٍ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به: ((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بالقضاء، وبَرْدَ العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، وفتنة مُضِلَّة، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين))؛ (صحيح النسائي).



عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمِدك واسترجَع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمُّوه بيت الحمد))؛ [صحيح الترمذي - 1021].



عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مصيبة تصيب المسلمَ إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها))؛ [صحيح البخاري - 5640].



عن أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ابتلى الله عبدًا ببلاءٍ وهو على طريقة يكرهها، إلا جعل الله ذلك البلاء كفارةً وطهورًا، ما لم ينزل ما أصابه من البلاء بغير الله، أو يدعو غير الله في كشفه))؛ [(حديث حسن) - صحيح الترغيب - 3401].



عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوَّذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء"؛ [صحيح البخاري - 6347].

(واستعاذ صلى الله عليه وسلم أيضًا من "سوء القضاء"، وهو ما يسوء الإنسانَ ويحزنه من الأقضية المقدرة عليه، والموصوف بالسوء هو المقضيُّ به لا القضاء نفسه)؛ (شرح الحديث من موسوعة الدرر السَّنِية).



ترك التمني في القضاء استغلاقًا لعمل الشيطان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمن القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعجِز، وإنْ أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان))؛ [صحيح مسلم - 2664].



الأعمال الطيبات:

عن أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًّا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر، وكل معروف صدقةٌ، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة...))؛ [(حديث صحيح) - صحيح الجامع - 3796].

وسبل التعوذ والاحتراز من غضب الله عز وجل كثيرةٌ، منها ما أورد هاهنا، وفي القرآن والسُّنة شفاءُ الصدور إن شاء الله.



أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.47 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]