شروط القصاص
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
وأما قتل المؤمن بالكافر الذمي، فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
فقال قوم: لا يُقتل مؤمن بكافر، وممن قال به: الشافعي[69] والثوري وأحمد[70] وداود[71] وجماعة.
وقال قوم: يُقتل به، وممن قال بذلك: أبو حنيفة[72] وأصحابه وابن أبي ليلى.
وقال مالك[73] والليث: لا يُقتل به إلا أن يقتله غيلة، وقتل الغيلة: أن يضجعه فيذبحه، وبخاصة على ماله.
فعُمدة الفريق الأول: ما رُوي من حديث علي أنه سأله قيس بن عُبادة والأشتر: هل عهد إليه رسول الله عهداً لم يعهده إلى الناس؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، وأخرج كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). خرجه أبو داود[74].
ورُوي أيضاً، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يُقتل مؤمن بكافر)[75].
واحتجوا في ذلك بإجماعهم على أنه: لا يُقتل مسلم بالحربي الذي أُمن.
وأما أصحاب أبي حنيفة فاعتمدوا في ذلك آثاراً، منها حديث يرويه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الرحمن البيلماني[76] قال: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجُلاً من أهل القبلة برجُل من أهل الذمة، وقال: (أنا أحق من وفى بعهده)[77]. ورووا ذلك عن عُمر[78].
قالوا: وهذا مُخصص لعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: (لا يُقتل مؤمن بكافر)[79]، أي: أنه أُريد به الكافر الحربي دون الكافر المُعاهد.
وضعف أهلُ الحديث حديث عبد الرحمن البيلماني[80]، وما رووا من ذلك عن عُمر.
وأما من طريق القياس فإنهم اعتمدوا على إجماع المسلمين في أن يد المسلم تُقطع إذا سرق من مال الذمي[81].
قالوا: فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحُرمة دمه كحُرمة دمه.
فسبب الخلاف: تعارض الآثار والقياس.
وأما قتل الذكر بالأنثى، فإن ابن المنذر وغيره ممن ذكر الخلاف حكى أنه إجماع[82] إلا ما حُكي عن علي من الصحابة، وعن عثمان البتي أنه: إذا قُتل الرجل بالمرأة كان على أولياء المرأة نصف الدية.
وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في "المنتقى"[83] عن الحسن البصري أنه لا يُقتل الذكر بالأنثى، وحكاه الخطابي في "معالم السنن"[84]، وهو شاذ، ولكن دليله قوي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ﴾ [البقرة:178].
وإن كان يعارض دليل الخطاب ههنا العموم الذي في قوله: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة: 45]، لكن يدخله أن هذا الخطاب وارد في غير شريعتنا، وهي مسألة مُختلف فيها، أعني: هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ والاعتماد في قتل الرجل بالمرأة هو النظر إلى المصلحة العامة.
واختلفوا من هذا الباب في الأب والابن:
فقال مالك[85]: لا يُقاد الأب بالابن إلا أن يضجعه فيذبحه، فأما إن حذفه بسيف أو عصاً فقتله لم يُقتل، وكذلك الجد عنده مع حفيده.
وقال أبو حنيفة[86] والشافعي[87] والثوري: لا يُقاد الوالد بولده، ولا الجد بحفيده إذا قتله بأي وجه كان من أوجه العمد، وبه قال جمهور العلماء[88].
وعُمدتهم حديث ابن عباس أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: (لا تُقام الحدود في المساجد، ولا يُقاد بالولد الوالد)[89].
وعُمدة مالك: عموم القصاص بين المسلمين.
وسبب اختلافهم: ما رواه[90] عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شُعيب: أن رجلاً من بني مدلج يُقال له: قتادة، حذف ابناً له بالسيف، فأصاب ساقه، فنُزي جرحه فمات، فقدم سراقة بن جُعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال عمر: أعدد على ماء قديد عشرين ومئة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم عليه عُمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ فقال: ها أنا ذا، قال: خُذها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لقاتلٍ شيء)[91].
فإن مالكاً حمل هذا الحديث على أنه لم يكن عمداً محضاً، وأثبت منه شبه العمد فيما بين الابن والأب.
وأما الجمهور فحملوه على ظاهره من أنه عمد؛ لإجماعهم أن من حذف آخر بسيف، فقتله فهو عمد.
وأما مالك: فرأى لما للأب من التسلط على تأديب ابنه، ومن المحبة له أن حمل القتل الذي يكون في أمثال هذه الأحوال على أنه ليس بعمد، ولم يتهمه إذ كان ليس بقتل غيلة، فإنما يُحمل فاعله على أن قصد القتل من جهة غلبة الظن وقوة التهمة إذ كانت النيات لا يطلع عليها إلا الله تعالى، فمالك لم يتهم الأب حيث اتهم الأجنبي؛ لقوة المحبة التي بين الأب والابن.
والجمهور إنما عللوا درء الحد عن الأب؛ لمكان حقه على الابن، والذي يجئ على أصول أهل الظاهر[92] أن يُقاد"[93].
وقال في "الاختيارات": "وليست التوبة بعد الجرح، أو بعد الرمي قبل الإصابة مانعة لوجوب القصاص، ذكر أصحابنا من صور القتل العمد الموجب للقود: من شهدت عليه بينة بالردة، فقُتل بذلك، ثم رجعوا وقالوا: عمدنا قتله.
وهذا فيه نظر؛ لأن المرتد إنما يُقتل إذا لم يتب، فيمكن المشهود عليه التوبة، كما يمكنه التخلص إذا أُلقي في النار...
إلى أن قال: ولا يُقتل مسلم بذمي إلا أن يقتله غيلة لأخذ ماله، وهو مذهب مالك[94].
قال أصحابنا[95]: ولا يُقتل حر بعبد، ولكن ليس في العبد نصوص صريحة صحيحة في الذمي بل أجود ما روي: (من قتل عبده قتلناه)[96]، وهذا لأنه إذا قتله ظلماً كان الإمام ولي دمه.
وأيضاً فقد ثبت في السنة والآثار: أنه إذا مثل بعبده عُتق عليه وهو مذهب مالك[97] وأحمد[98] وغيرهما، وقتله أعظم أنواع المُثلة، فلا يموت إلا حراً، لكن حريته لم تثبت حال حياته حتى ترثه عصبته، بل حريته تثبت[99] حُكماً، وهو إذا عُتق كان ولاؤه للمسلمين، فيكون الإمام هو وليه، فله قتل قاتل عبده، وقد يحتج بهذا من يقول: إن قاتل عبد غيره لسيده قتله، وإذا دل الحديث على هذا كان هذا القول هو الراجح، وهذا قوي على قول أحمد[100]، فإنه يجوز شهادة العبد كالحر بخلاف الذمي، فلماذا لا يقتل الحر بالعبد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم)[101].
ومن قال: لا يُقتل حر بعبد، يقول: إنه لا يقتل الذمي الحر بالعبد المسلم، والله جل سبحانه يقول: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ﴾ [البقرة: 221]، فالعبد المؤمن خير من الذمي المشرك، فكيف لا يُقتل به؟
والسنة إنما جاءت: (لا يُقتل والد بولد)[102]، فإلحاق الجد أبي الأم بذلك بعيد، ويتوجه ألا يرث القاتل دماً من وارث، كما لا يرث هو المقتول، وهو يُشبه حد القذف المُطالب به إذا كان القاذف هو الوارث، أو وارث الوارث.
فعلى هذا: لو قتل أحدُ الابنين أباه، والآخر أُمه وهي في زوجية الأب، فكل واحد منهما يستحق قتل الآخر فيتقاصان، لاسيما إذا قيل: إن مستحق القود بملك نقلة إلى غيره، إما بطريق التوكيل بلا ريب، وإما بالتمليك، وليس ببعيد.
وإذا كان المقتول رضي بالاستيفاء أو بالدية فينبغي أن يتعين كما لو عفا، وعليه تخرج قصة علي (من قاتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي) إذا لم تخرج على كونه مرتداً، ومفسداً في الأرض، أو قاتل الأئمة.
وإذا قال: أنا قاتل غلام زيد، فقياس المذهب: أنه[103] إن كان نحوياً لم يكن مقراً، وإن كان غير نحوي كان مقراً، كما لو قاله بالإضافة.
ومن رأى رجلاً يفجر بأهله جاز له قتلهما، فيما بينه وبين الله تعالى، وسواء كان الفاجر محصناً أو غير محسن، معروفاً بذلك أم لا، كما دلَّ عليه كلام الأصحاب[104]، وفتاوى الصحابة (880ب)، (وليس هذا من باب دفع الصائل كما ظنه بعضهم، بل هو من باب عقوبة المعتدين المؤذين.
وأما إذا دخل الرجل، ولم يفعل بعد فاحشة، ولكن دخل لأجل ذلك، فهذا فيه نزاع، والأحوط لهذا أن يتوب من القتل في مثل هذه الصورة.
ومن طلب منه الفجور كان عليه أن يدفع الصائل عليه، فإن لم يندفع إلا بالقتل كان له ذلك باتفاق الفقهاء[105]، فإن ادعى القاتل أنه صال عليه، وأنكر أولياء المقتول، فإن كان المقتول معروفاً بالبر والاستقامة، وقتله في محل لا ريبة فيه، لم يقبل قول القاتل.
وإن كان معروفاً بالفجور، والقاتل معروفاً بالبر فالقول قول القاتل مع يمينه، لاسيما إذا كان معروفاً بالتعرض له قبل ذلك"[106].
وقال البخاري: "باب قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 178]" [107].
وقال البخاري: "(باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود).
حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أو يهودياً رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفُلان أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل به حتى أقر به، فرض رأسه بالحجارة"[108].
قال الحافظ: "والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص، وهو قول الجمهور.
قال الحافظ: "وخالفهم الكوفيون فقالوا: يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر الذمي[109]، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45].
قال إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن": فإن في آخرها: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ [المائدة:45]، والكافر لا يسمى متصدقاً ولا مكفراً عنه، وكذلك العبد لا يتصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده.
وقال أبو ثور: لما اتفقوا على أنه لا قصاص بين العبد والأحرار فيما دون النفس، كان النفس أولى بذلك (881أ).
قال ابن عبد البر[110]: أجمعوا على أن العبد يقتل بالحر، وأن الأنثى تقتل بالذكر، ويقتل بها[111]، إلا أنه ورد عن بعض الصحابة كعلي، والتابعين كالحسن البصري: أن الذكر إذا قتل الأنثى فشاء أولياؤها قتله وجب عليهم نصف الدية، وإلا فلهم الدية كاملة.
قال: ولا يثبت عن علي، لكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة، ويدل على التكافؤ بين الذكر والأنثى أنهم اتفقوا على أن مقطوع اليد والأعور لو قتله الصحيح عمداً لوجب عليه القصاص، ولم يجب له بسبب عينه أو يده دية.
قوله في الترجمة: (سؤال القاتل حتى يقر) أي: من اتهم بالقتل، ولم تقم عليه البينة.
قال المهلب في الحديث: إنه ينبغي للحاكم أن يستدل على أهل الجنايات، ثم يتلطف بهم حتى يقروا؛ ليؤخذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاؤوا تائبين فإنه يعرض عمَّن لم يصرح بالجناية، فإنه يجب إقامة الحد عليه إذا أقرَّ.
وسياق القصة يقتضي أن اليهودي لم تقم عليه بينة، وإنما أُخذ بإقراره.
وفيه: أنه تجب المطالبة بالدم بمجرد الشكوى، وبالإشارة.
وقال المازري[112]: فيه الرد على من أنكر القصاص بغير السيف، وقتل الرجل بالمرأة"[113] [114].
وقال البخاري أيضاً: "باب قول الله تعالى: ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45].
وذكر حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك للجماعة)" [115].
قال الحافظ: "والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب، لكن الحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام، فهو أصل في القصاص في قتل العمد.
قوله: ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾: أي من قتل عمداً بغير حق قتل بشرطه...
إلى أن قال: واستدل بقوله: ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ على تساوي النفوس في القتل العمد، فيقاد لكل مقتول من قاتله، سواء كان حراً أو عبداً.
وتمسك به الحنفية[116]، وادعوا أن آية المائدة المذكورة في الترجمة ناسخة لآية البقرة: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ﴾، ومنهم من فرق بين عبد الجاني، وعبد غيره، فأقاد من عبد غيره دون عبد نفسه.
وقال الجمهور[117]: آية البقرة مفسرة (881ب) لآية المائدة، فيقتل العبد بالحر، ولا يقتل الحر بالعبد؛ لنقصه.
وقال الشافعي[118]: ليس بين العبد والحر قصاص إلا أن يشاء الحر.
واحتج للجمهور بأن العبد سلعة فلا يجب فيه إلا القيمة لو قتل خطأ، واستدل بعمومه على جواز قتل المسلم بالكافر المستأمن والمعاهد، وقد مضى في الباب قبله شرح صحيح البخاري حديث علي (لا يقتل مؤمن بكافر)[119].
وقال الحافظ أيضاً في (باب: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين)، على قول ابن عباس "كان في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾... إلى هذه الآية ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ [البقرة:178]: قال أبو عبيد: ذهب ابن عباس إلى أن هذه الآية ليست منسوخة بآية المائدة: ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ [المائدة:45]، بل هما محكمتان، وكأنه رأى أن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، وأن المراد بالنفس: نفس الأحرار، ذكورهم وإناثهم دون الأرقاء؛ فإن أنفسهم متساوية دون الأحرار.
وقال إسماعيل: المراد في ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ المكافئة للأخرى في الحدود؛ لأن الحر لو قذف عبداً لم يجلد اتفاقاً[120]، والقتل قصاصاً من جملة الحدود.
قال: وبينه قوله في الآية: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ [المائدة:45]، فمن هنا يخرج العبد والكافر؛ لأن العبد ليس له أن يتصدق بدمه ولا بجرحه، والكافر لا يسمى متصدقاً، ولا مكفراً عنه.
قال الحافظ: محصل كلام ابن عباس يدل على أن قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ﴾ أيك على بني إسرائيل في التوراة: ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ مطلقاً فخفف عن هذه الأمة بمشروعية الدية بدلاً عن القتل لمن عفا من الأولياء عن القصاص، وبتخصيصه بالحر في الحرن فحينئذ لا حجة في آية المائدة لمن تمسك بها في قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر؛ لأن شرع من قبلنا إنما يتمسك منه بما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.
وقد قيل: إن شريعة عيسى لم يكن فيها قصاص، وإنه كان فيها الدية فقط، فإن ثبت ذلك امتازت شريعة الإسلام بأنها جمعت الأمرين فكانت وسطى لا إفراط ولا تفريط.
واختلف في سبب نزول الآية، فقيل: نزلت في حيين من العرب، كان لأحدهما طول على الآخر في الشرف، فكانوا يتزوجون من نسائهم (882أ) بغير مهر، وإذا قتل منهم عبد قتلوا به حراً، أو امرأة قتلوا بها رجلاً، أخرجه الطبري عن الشعبي[121].
وأخرج أبو داود من طريق علي بن صالح بن حي، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة يودى بمئة وسق من التمر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه لنا نقتله، فقالوا بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوه فنزلت: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة:42]، والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ [المائدة:50][122]"[123].
وقال البخاري أيضاً: "(باب من طلب دم امرئ بغير حق).
وذكر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرام، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه) [124]".
قال الحافظ: "قوله: (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية).
أي: يكون له الحق عند شخص فيطلبه من غيره ممن لا يكون له فيه مشاركة، كوالده أو ولده أو قريبه"[125].
وقال البخاري أيضاً: "(باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات، وقال أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة[126]، ويذكر عن عمر: تُقاد المرأة من الرجل في كل عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح، وبه قال عمر بن عبد العزيز وإبراهيم وأبو الزناد عن أصحابه، وجرحت أخت الربيع إنساناً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (القصاص) [127]. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لددنا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: (لا تلدوني)، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق، قال: (لا يبقى أحدٌ منكم إلا لدَّ، غير العباس فإنه لم يشهدكم) [128]".
قال الحافظ: "قوله: (باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات).
قال ابن المنذر[129]: أجمعوا على أن الرجل يقتل بالمرأة، والمرأة بالرجل[130] إلا رواية عن علي، وعن الحسن وعطاء (882ب)، وخالف الحنفية[131] فيما دون النفس، واحتج بعضهم بأن اليد الصحيحة لا تقطع باليد الشلاء، بخلاف النفس، فإن النفس الصحيحة تقاد بالمريضة اتفاقاً[132].
وأجاب ابن القصار: بأن اليد الشلاء في حكم الميتة، والحي لا يقاد بالميت.
وقال ابن المنذر[133]: لما أجمعوا على القصاص في النفس، واختلفوا فيما دونها وجب رد المختلف إلى المتفق.
قوله: وقال أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة، المراد: الجمهور[134]، أو أطلق إشارة إلى وهي الطريق إلى علي، أو إلى أنه من ندرة المخالف"[135].
وقال البخاري أيضاً: "باب: إثم من قتل ذمياً بغير جرم).
وذكر حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً) [136]".
قال الحافظ: "قوله: (من قتل نفسها معاهداً)، كذا ترجم بالذمي، وأورد الخبر في المعاهد، وترجم في الجزية بلفظ: (من قتل معاهداً) كما هو ظاهر الخبر، والمراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم، وكأنه أشار بالترجمة هنا إلى رواية مروان بن معاوية: (من قتل قتيلاً من أهل الذمة).
ونقل ابن بطال[137]: أن المهلب احتج بهذا الحديث على أن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد لا يقتل به؛ للاقتصار في أمره على الوعيد الأخروي، وسيأتي البحث في هذا الحكم في الباب الذي بعده"[138].
وقال البخاري أيضاً: "(باب: لا يقتل المسلم بالكافر).
وذكر حديث علي حين سئل: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وفي رواية: مما ليس عند الناس؟ فقال: والذي فلق الجنة، وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهماً يُعطى رجل في كتابه، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل المسلم بكافر[139]" (883أ).
قال الحافظ: "قوله: (باب لا يقتل المسلم بالكافر).
عقب هذه الترجمة بالتي قبلها؛ للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمداً، وللإشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر، فليس له قتل كل كافر، بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق..
إلى أن قال: وأما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور[140] إلا أنه يلزم من قول مالك[141] في قاطع الطريق، ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل، ولو كان المقتول ذمياً، استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر، وهي لا تستثنى في الحقيقة؛ لأن فيه معنى آخر، وهو الفساد في الأرض.
وخالف الحنفية[142]، فقالوا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن.
وعن الشعبي والنخعي: يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي.
واحتجوا بما وقع عند أبي داود من طريق الحسن، عن قيس بن عباد، عن علي بلفظ: (لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)[143].
يتبع