عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 16-02-2020, 04:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,365
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مشروعية الاجتماع والإطعام عن أموات أهل الإسلام

مشروعية الاجتماع والإطعام عن أموات أهل الإسلام
الطاهر زياني





وقد استفاد عمر هذه السنة من رسول الله عليه السلام بعد أن هداه إليها كما في:
الدليل التاسع: خرجه أحمد (1/ 335) والطيالسي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: لما توفي عثمان بن مظعون قالت امرأته: هنيئا لك يا ابن مظعون الجنة، قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها نظرة غضبان، قالت: يا رسول الله، فارسك وصاحبك، قال:« ما أدري ما يفعل به » فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يعد من خيارهم، حتى توفيت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون» قال: وبكت النساء على رقية، فجعل عمر ينهاهن أو يضربهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« مه يا عمر» قال: ثم قال: « إياكن ونعيق الشيطان؛ فإنه مهما يكون من العين والقلب فمن الرحمة، وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان» قال: وجعلت فاطمة رحمها الله تبكي على شفير قبر رقية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدموع عن وجهها باليد، أو قال: بالثوب"، وهذا حديث حسن لما مضى من توثيق لعلي بن زيد من رواية حماد.



دليل عاشر: قال الطبراني في الأوسط (7/ 28) 6753 - حدثنا محمد بن أبي زرعة ثنا هشام بن عمار نا خالد بن يزيد القسري ثنا أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد بن علي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت يا رسول الله إن نساء بني المغيرة قد أقمن مأتمهن على الوليد بن الوليد بن المغيرة فأذن لها فقامت وهي تقول... أبكي الوليد بن الوليد بن المغيرة... أبكي الوليد بن الوليد أخا العشيرة ".


الدليل الحادي عشر: في قصة موت أبي بن كعب رضي الله عنه الصحيحة المشهورة والتي فيها اجتماع العدد الكبير بسبب ذلك، قال جندب:" فلما كان يوم الخميس [أو الجمعة] خرجت لبعض حاجاتي فإذا السكك غاصة من الناس لا آخذ في سكة إلا تلقاني الناس، قلت ما شأن الناس قالوا نحسبك غريبا، قلت: أجل، قالوا: مات سيد المسلمين أبي بن كعب"، وقد خرجته بطرقه في مبحث النحلق والتدريس يوم الجمعة.


الدليل الثاني عشر: قال ابن سعد في الطبقات (3/ 18) أخبرنا عثمان بن عمر وعبيد الله بن موسى وروح بن عبادة قالوا: أخبرنا أسامة بن زيد عن نافع عن بن عمر قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد سمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، قال: فاجتمع نساء الأنصار عنده فبكين على حمزة ورقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ وهن يبكين فقال: يا ويحهن إنهن هاهنا حتى الآن، مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم "، وقد فُسر سبب النهي عن البكتاء وهو إزعاج النائمين:
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري: أخبرنا محمد بن عمرو: نا محمد بن إبراهيم قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد، وبنو عبد الأشهل نساؤهم يبكين على قتلاهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له. فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فساق نساءه حتى جاء بهن إلى باب المسجد يبكين على حمزة. قالت: عائشة: فخرجنا إليهن نبكي معهن، فنام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نبكي ثم استيقظ فصلى صلاة العشاء الآخرة، ثم نام ونحن نبكي، ثم استيقظ فسمع الصوت فقال: ألا أراهن ها هنا إلى الآن؟ قولوا لهن فليرجعن، ثم دعا لهن ولأزواجهن ولأولادهن، ثم أصبح فنهى عن البكاء كأشد ما نهى عن شيء".


الدليل الثالث عشر: قال ابن سعد (3/ 209) أخبرنا محمد بن عمر: أخبرنا مالك بن أبي الرجال عن أبيه عن عائشة قالت: توفي أبو بكر بين المغرب والعشاء فأصبحنا فاجتمع نساء المهاجرين والأنصار وأقاموا النوح، وأبو بكر يغسل ويكفن، فأمر عمر بن الخطاب بالنوَّح ففُرّقن، فوالله على ذلك إن كن ليُفرّقن ويجتمعن "، مالك هذا قال فيه أبو حاتم الرازي: هو أحسن حالاً من أخويه حارثة، وعبد الرحمن، وقد قال في أخيه عبد الرحمن: صالح، وهذا أصلح منه، ووثقه أيضا ابن حبان، وأبوه ثقة.
فإذا كان اجتماع بعد اجتماع بلا نياحة فهو أمر مشروع اتفاقا.


المسألة العاشرة: مشروعية رجوع المشيعين من الجنازة إلى بيت أهل الميت أو غيره إن هم دفنوه وانصرفوا،
الدليل الأول: ما مضى منْ حديث رجل من الأنصار قال:" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر:" أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه " فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا.."، ويشهد لهذا المعنى ما في:
الدليل الثاني: خرجه أبو داود 3123 حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب ثنا المفضل عن ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ميتا، فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه فلما حاذى بابه وقف، فإذا نحن بامرأة مقبلة قال: أظنه عرفها، فلما ذهبت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يا رسول الله أهْل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال: "لو بلغت معهم الكدى " فذكر تشديدا في ذلك"، والكدي هي المقابر، وقد بين هذا التشديد نافع بن يزيد:
فخرج الحاكم ومن طريقه البيهقي في سننه (4/ 60) قال: نا أبو عبد الله الحافظ انبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ثنا أبو اسمعيل ثنا سعيد بن أبي مريم انبأ نافع بن يزيد ني ربيعة بن سيف ثني أبو عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:" قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، فلما رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة مقبلة لا نظنه عرفها، فقال:"..... لو بلغت معهم الكدي ما رأيت باب الجنة حتى يراها جد أبيك".
قد روى غير واحد هذا الحديث عن ربيعة بن سيف عن أبي عبد الرحمن الحبلي، واسمه عبد الله بن يزيد ثقة، وأما ربيعة فهو صدوق له مناكير، ومنزلة حديثه في مرتبة الحسن ما لم يكن حديثه منكرا أومستغربا، وقد صححه الحاكم وابن حبان، وحسنه ابن القطان والمنذري والبوصيري في الإتحاف، وضعفه آخرون بربيعة، لكنه قد توبع:
فقد قال ابن عبد الهادي في المحرر:" وَقد تَابع ربيعَةَ عَلَيْه شُرَحْبِيلُ بنُ شريك وَهُوَ من رجال مُسلم"، والله أعلم بمكانه.


المسألة الحادية عشرة: ذكر خبر جرير المعارض لكل الأحاديث السابقة وبيان وجهه وعلله:
هذا وقد عارض تلكم الأحاديث السابقة والكثيرة في مشروعية الاجتماع عند أهل الميت، واستحباب الإطعام عنه من ماله أو من طرف أهله أو آله أو غيرهم كما سبق.
عارض كل هذه الأحاديث خبرٌ واحد فقط، وهو أثر ضعيف موقوف، يُروى عن جرير رضي الله عنه، مع اختلاف الرواة عليه فيه، فمرة يُنسَبُ الفعل للصحابة، وتارة يُنسب النهي لفتوى جرير وحده، وتارة ينسب النهي لفنوى عمر، وأن جريرا وأصحابه يفعلون ذلك، ومرة فيه النهي عن الإطعام، وأخرى فيه النهي عن النعداد فقط لا الإطعام، بالإضافة إلى اختلافات وعلل أخرى في ستده هذا بيانها:
الأثر الأول: أثر جرير: مداره على إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير واختلف عنه:
أولا: رواية هشيم عن جرير: وهي موضوعة، لأنها مدلسة عن الكذابين ولا أصل لها من حديث الثقات:
1- فقال ابن ماجة 1612 حدثنا محمد بن يحيى ثنا سعيد بن منصور ثنا هشيم ح وحدثنا شجاع بن مخلد أبو الفضل ثنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال:" كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة"،.
هكذا رواه سعيد وأبو الفضل عن هشيم، وجعله ابن منيع بلفظ: "كانوا ".
فقال الطبراني (ك 2/ 307): حدثنا عبدان بن أحمد ثنا أحمد بن منيع ثنا هشيم عن إسماعيل عن قيس عن جرير قال: كانوا يرون أن اجتماع أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة ".


وهذا إخبار عن الصحابة أو عن بعضهم في أنهم كانوا يرون عموم صنعة الطعام مكروهة مطلقا أيا كان صانع ذلك، أهم أهل الميت أو أقاربه أو جيرانه أو غيرهم، قبل أو بعد الدفن، وهذا يُخالف كل الأحاديث السابقة، لأن كل ما صح عن الصحابة على خلاف حديث جرير كما مضى، وقد صححه جماعة من المتأخرين وهو وهْم شديد تتابعوا عليه.


فقد تفرد بهذا اللفظ هشيم عن اسماعيل، وهشيم يدلس عن المجاهيل والمتهمين، ولم يُصرح بالتحديث ههنا، ولا أراه إلا أخذه عن الكذابين، ولا أصل له من سنن الأصحاب أبدا، بل هو موضوع عنهم، والدليل على تدليس هشيم وعدم سماعه من اسماعيل:
2- ما رواه خالد بن القاسم المدائني وفيه كلام عن هشيم [عن شريك] عن اسماعيل كما قال الدارقطني، ولذلك أنكر العلماء سماعه له من اسماعيل، وقال أحمد وأبو داود: زعموا أنه سمعه من شريك.
وهذا يدل على أنه أخذه عن شريك، وشريك سيء الحفظ فقط لا متهم؟ لكنه مدلس أيضا، ولم يسمعه من اسماعيل بل بينهما واسطة متهمة، فدلسه عن وضاع، والحديث لا أصل له.
كما قال أبو داود في كما في مسائل الإمام أحمد (1867)": ذكرت لأحمد حديث هشيم عن إسماعيل...، قال: " زعموا أنه سمعه من شريك، قال أحمد: وما أرى لهذا الحديث أصلا "، فتأمل قوله:"..ليس لهذا الحديث أصل"، أي لا أصل لذاته بكل طرقه لوهائها، ولم يقل " هذا طريق لا أصل له"، ولا يقال عن حديث:" لا أصل له "، إلا إذا كان مرجعه إلى رواية المتهمين، وهذا المتهم الذي أُخِذ عنه هذا الحديث هو نصر بن باب، والحديث يرجع إليه:
فقد رواه نصر عن اسماعيل، لكن زاد فيه تقييد الكراهة بما بعد الدفن فقط لا قبله:
3- فقال أحمد في مسنده (2/204) ثنا نصر بن باب عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعه الطعام بعد دفنه من النياحة "،

ونصر هذا متهم بالكذب عند الجمهور، إلا عند الإمام أحمد وحده ومن قلّده، فإنه قد رضي به، ومع ذلك، وعلى الرغم من رواية أحمد لهذه المتابعة عن نصر فهو لم يعتد بها، بل قال بأن الحديث " لا أصل له "، ولذلك لم يذكره في مسند جرير أصلا، بل ذكره في مسند عبد الله تبعًا، وقد خالف من هو أوثق منه.


4- فقد رواه عباد بن العوام وهو ثقة عن اسماعيل بلفظ السؤال والنهي عن التعداد فقط، ولم يذكر فيه النهي عن الإطعام، وهو الأصح لثقة كل رجاله مع اتصاله:
فقال الطبراني (2/ 207) 2278 حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني ثنا سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: قال جرير بن عبد الله: يعددون الميت أو قال أهل الميت بعدما يدفن؟ شك إسماعيل، قلت: نعم، قال: كنا نعدها النياحة "، وهذا أصح حديث في الباب عن جرير،، ولا ذكر فيه للطعام ولا للاجتماع أصلا وهو الصخيخ.
والمقصود بالتعداد المنهي عنه هو المبالغة في تعداد مآثر الميت، ربما حتى بما ليس فيه، وقد يدخل فيه عدّ الأيام أيضا من منذ لحظة الوفاة، ثم لهم في كل يوم عادة معينة يفعلونها حتى تنقضي الأربعون يوما.. والله أعلم.


الطريق الثاني: وقد ورد هذا الأثر عن جرير وعمر وأن جريرا كان يطعم ويجتمع وأن عمرا وحده هو الناهي مما يزيد من اضطرابه: وقد سبق ذكره.
1- فقد رواه سعيد بن منصور في سننه ولم أجد إسناده، وجعل فيه جريرا سأل عمر بن الخطاب عن هذا الفعل، ولفظ حديثه: أن جريرا وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هل يناح على ميتكم؟ قال: لا، قال: فهل تتجمعون عند أهل الميت وتجعلون الطعام؟ قال: نعم، قال: ذاك النوح"، فدل هذا الخبر على اجتماع القوم وصنيعتهم للطعام ومعهم جرير، وأن عمر وحده هو من أنكر ذلك، وهذا الحديث يرجع إلى هذا التالي ولا يصح أيضا:
2- فقد قال أبو بكر في المصنف باب ما قالوا في الإطعام عليه والنياحة، حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة قال: قدم جرير على عمر فقال: هل يناح قبلكم على الميت؟ قال لا، قال: فهل تجتمع النساء عندكم على الميت ويطعم الطعام؟ قال نعم، فقال: تلك النياحة "،
وليس فيه ما يدعي المخالفون من أن جريرا وأصحابه قد رجعوا عن قولهم، أو قالوا لعمر: أصبت، إذ لا يوجد ذلك في الخبر أصلا، كما أن الوارد عن عمر الفاروق أنه قد أوصى حتى عند موته بصنعة الطعام عنه، وفُعل ذلك به بحضرة جميع الصحابة بلا إنكار كما مضى مما بدل على أنه خبر منكر، ثم منقطع بل هو معضلٌ، إذ بيْن طلحة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمد بعيد - ثم هو مضطرب المتن لما بيناه، وليس له مرَدّ إلا أنه مأخوذ عن الكذابين المضطربين ولذلك قال الإمام أحمد: لا أصل له:
3- قال أسلم في تاريخه (126) ثنا عبد الحميد: نا يزيد بن هارون نا عمر أبو حفص الصيرفي وكان ثقة قال: ثنا سيار أبو الحكم قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" كنا نعدّ الاجتماع عند أهل الميت بعد ما يدفن من النياحة "، ولم يذكر الإطعام، وهذا أكثر إعضالا من سابقه، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة الكثيرة الناهية عن النياحة والصياح فقط، المبيحة للإطعام والاجتماع، حتى عن عمر نفسه كما بينا.


دليل ثاني لا عبرة به: حدث به السلفي عن الصيدلاني نا عثمان بن عبد الرحمن بن يوسف الرقي نا عباد بن كثير عن شيبان الأعرج عن الحسن بن أبي الحسن حدثني أبو هريرة وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ومعقل بن يسار المزنيكلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه «نهى أن يقعد الرجل في بيته للمصيبة ثم يؤتى فيعزا، ونهى عن الولولة على الميت، ونهى عن إطعام الناس على الميت، ونهى عن إصابة الطعام على الميت، ونهى عن إيصال الطعام إلى أهل الميت »، عثمان لم أعرفه، وعباد هو المتهم بوضع حديث المنهيات هذا ولا عبرة به، وإيصال الطعام لأهل الميت متفق على استحبابه كما مر والله المستعان.


المسألة الثانية عشرة: ذكر المسالك بين الأحاديث الصحيحة المبيحة للإطعام والاجتماع، وحديث جرير المضطرب:
لا يخلو ذلك إما أن نسلك مسلك الترجيح أو مسلك الجمع:
أولا: مسلك الترجيح: بحيث نقدم وجوبا أحاديث الجواز الصحيحة والكثيرة، مع أثر طاوس في استحباب الإطعام والاجتماع لعدة أمور:
أنها أصح سندا وأوضح دلالة، وأكثر عددا وأوثق رجالا، مع وجود الاتصال، وعدم الاختلاف فيها، لأنَّ كلَّ الأحاديث الكثيرة تؤيد أثر طاوس في استحباب الإطعام عن الميت كما مضى، بالإضافة إلى الشواهد الكثيرة جدا في هذا الباب، العامة والخاصة، كلها تؤيد ذلك، بخلاف حديث جرير، فإنه واحد، منكر ومضطرب، مع الاختلاف فيه:
فأما الطريق الأولى ففيها هشيم وهو مدلس ولم يسمعه من اسماعيل، بل روايته ترجع إلى رواية شريك وفيه لين وتدليس، أو ترجع إلى نصر بن باب وهو متهم، وقد زاد التقييد بما بعد الدفن فقط، وأما الطريق الثالثة وما بعدها فهي معضلة ضعيفة، ولا يبعد أن ترجع برمّتها إلى طريق نصر هذا، ومع ذلك فقد اختلفوا في الألفاظ، ومَن هو الشخص المانع من الاجتماع، فروى بعضهم المنع من فتوى جرير وحده، وقال آخرون هو عُمر، وجعله آخرون عن الصحابة أو بعضهم، وجعل بعضهم الحوار مع قيس، وجعله آخرون مع عمر بن الخطاب وأنه هو الناهي وجرير وأصحابه هم الفاعلون والمبيحون، وغير ذلك من العلل التي توجب رد هذا الحديث، كيف وقد خالف الأحاديث الكثيرة في استحباب الاجتماع والإطعام كما مضى.


ولم يسلم من العلة إلا طريق عباد بن العوام عن اسماعيل، وهي الرواية الصحيحة والمتصلة، لكن ليس فيها ذكرٌ للنهي عن الإطعام ولا الاجتماع أصلا، وإنما أفتى فيها جرير بكراهة تعداد مآثر الميت فقط، ولا يحل ترك رواية الثقات المتوافقة مع روايات الثقات الآخرين، والتمسك برواية عن متهم أو مجهول وبالله التوفيق.


ثانيا: مسلك الجمع: وذلك بناءا على افتراض صحة اللفظ السابق _ ولم يصح _ فنقول:
1- إن الاجتماع وصنيعة الطعام المنهي عنهما هما ما وافق مجالس النياحة والصياح والغيبة، أو ما زاد على زمن الحداد، والجواز إذا لم يكن هنالك نياحة كما مضى من قول البخاري، وللأحاديث الصريحة في ذلك، وهذا قول المالكية كما قال أشهب: وسئل مالك عن أهل الميت هل يبعث إليهم بالطعام؟ فقال إني أكره المناحة، فإن كان هذا ليس منها فليبعث"، قال ابن رشد كما في البيان والتحصيل: وهذا كما قال، لأن إرسال الطعام إلى أهل الميت لاشتغالهم بميتهم إذا لم يكونوا اجتمعوا لمناحة من الفعل الحسن المرغب فيه المندوب إليه ".


وفي الفواكه الدواني (1 / 332) قال:" وأما ما يصنعه أقارب الميت من الطعام وجمع الناس عليه فإن كان لقراءة قرآن ونحوها مما يرجى خيره للميت فلا بأس به، وأما لغير ذلك فيكره، ولا ينبغي لأحد الأكل منه إلا أن يكون الذي صنعه من الورثة بالغا رشيدا فلا حرج في الأكل منه، وأما لو كان الميت أوصى بفعله عند موته فإنه يكون في ثلثه ويجب تنفيذه عملا بفرضه".


2- أو يُقال بأن الاجتماع المذموم محمول على اجتماع النسوة مع بيتوتهن عند أهل الميت، لأنه يكثر منهن الندب والصياح وإظهار الحزن والغيبة، فإن ذلك هو النياحة التي نهى عنها جرير، والله أعلم.
خرج عبد الرزاق (3/ 550) عن معمر عن ليث عن سعيد بن جبير قال:" ثلاث من عمل الجاهلية: النياحة والطعام على الميت، وبيتوتة المرأة عند أهل الميت ليست منهم"، ليث لين، وقد تابعه فضالة وهو ضعيف، عن عبد الكريم وهو مثله، عن ابن جبير به.
وقال عبد الرزاق: ذكره الثوري عن هلال بن خباب عن أبي البختري.


3- أو يُحمَل النهي عن الإطعام على العقر: وهو الذبح والإطعام عند القبر أو في المقبرة، أو حمل الطعام إليها، مع تخصيص التعداد في ذلك كما في رواية جرير الصحيحة، فإن هذا هو المنهيّ عنه، لما روى عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عقر في الإسلام»، قال: «كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة »، وبوب عليه أبو داود:" باب كراهية الذبح عند القبر".


قال في البزازية: يكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع، ونقل الطعام إلى المقبرة في المواسم واتخاذ الدعوة بقراءة القرآن وجمع الصلحاء والقراء للختم أو لقراءة سورة الأنعام أو الإخلاص"،
ومع ذلك فقد تعقبه البرهان الحلبي فقال:" ولا يخلو عن نظر لأنه لا دليل على الكراهة إلا حديث جرير المتقدم، وهو ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة اهـ يعني وهو فعل الجاهلية"، وقد تقدم أنه متكر مدلس عن الكذابين، وًلا أصل له.
وأن الصواب فيه هو لفظ النهي عن التعداد للمآثر فقظ كما أسلفنا.


4- وقد يقال بأن الاجتماع المذموم هو الذي يَسْتَدِيم فيه الْمُعَزِّي الْجُلُوسَ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى الحاجة فيحرجهم بذلك، وهو قول للحنابلة، يعضده قوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ï´¾ [الأحزاب 53].


5- وقد يحمله بعضهم على ما لو كانت صنعة الطعام من تركة الصغير، ففي استحسان الخانية:" وإن اتخذ ولي الميت طعاما للفقراء كان حسنا إلا أن يكون في الورثة صغير فلا يتخذ ذلك من التركة". ا هـ.


6- وقيل أن خبر جرير محمول على صنعة الطعام رياءا وسمعة ومفاخرة، أو تبذير ومغالاة، أو على ما لو وصى الميت بالإطعام عنه بما زاد عن الثلث، فإن الوصية بأكثر من ذلك منهي عنها، وأما الوصية بالإطعام بما دون الثلث وبما لا فخر أو مغالاة فيه ولا تبذير، فأمرٌ لا بأس بذلك كما مر وبالله التوفيق.


7- أو يُحمل على الاجتماع للتعزية في المسجد وقال أبو داود في مسائله: قلت لأحمد: أولياء الميت يقعدون في المسجد يعزون؟ قال أما أنا فلا يعجبني أخشى أن يكون تعظيماً للميت أو قال للموت ".


8- وقد يُقال بتقييد حديث جرير بالنهي عن صنعة الطعام بعد دفن الميت والجواز على ما قبل ذلك، كما مضى في رواية نصر بن باب لكنها لم تصح.


9- وقيل بكراهة الاجتماع إذا اتخذ أهل الميت فسطاطا عند القبر وخالفوا وصية الميت، لما خرجه الحاكم (3/ 651) عن عبد الرحمن بن أبي الرجال عن عمارة بن غزية عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قال لي أبي: «إني كبرت وذهب أصحابي وجماعتي فخذ بيدي»، قال: فاتكأ علي حتى جاء إلى أقصى البقيع مكانا لا يدفن فيه، فقال: «يا بني، إذا أنا مت فادفني ها هنا، ولا تضرب علي فسطاطا، ولا تمش معي بنار، ولا تبكين علي نائحة، ولا تؤذن بي أحدا، واسلك بي زقاق عمقة، وليكن مشيك خببا» فهلك يوم الجمعة فكرهت أن أؤذن الناس لما كان نهاني فيأتوني فيقولون: متى تخرجوه؟ فأقول: إذا فرغت من جهازه أخرجه، قال: فامتلأ على البقيع الناس ".
وخرج أحمد (2/ 292) عن المقبري عن عبد الرحمن بن مهران أن أبا هريرة قال حين حضره الموت: لا تضربوا علي فسطاطا، ولا تتبعوني بمجمر، وأسرعوا بي..".


ورواه عبد الرزاق 6154 - عن معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري قال: «أوصى أبو هريرة أهله أن لا يضربوا على قبره فسطاطا، ولا يتبعوه بمجمر، وأن يسرعوا به».


والصواب جواز اتخاذه إذا اتخذ للحماية من الحر أو القر، لما روى ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن عاصم اخبرنى أبو معشر عن محمد بن المنكدر قال: مر عمر بن الخطاب بحفارين يحفرون قبر زينب بنت جحش رضى الله عنها فى يوم صائف فضرب عليهم فسطاطا فكان أول فسطاط ضرب على قبر "،
وخرجه الحاكم (4/ 25) عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: «أوصت زينب بنت جحش، أن تحمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعل عليه نعش» وقيل حمل عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه " ومر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه على حفارين يحفرون قبر زينب في يوم صائف فقال: «لو أني ضربت عليهم فسطاطا» وكان أول فسطاط ضرب على قبر بالبقيع "، وخرجه عبد الرزاق عن يزيد نحوه.


وروى أبو بكر (3/ 24) عن أبي معشر عن محمد بن المنكدر أن عمر ضرب على قبر زينب فسطاطا».
وروى عمران بن أبي عطاء قال:" شهدت محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس بالطائف فكبر عليه أربعا وأخذه من قبل القبلة حين أدخله القبر وضرب عليه فسطاطا ثلاثة أيام ".
وإنما يكره الفسطاط إذا اعتقد الناس أنه يظل صاحب القبر أو ينفعه لما قاله البخاري في الصحيح:" باب الجريد على القبر":" ورأى ابن عمر رضي الله عنهما، فسطاطا على قبر عبد الرحمن، فقال: «انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله ».


10- وذهب بعضهم إلى كراهة الاجتماع والإطعام مطلقا، وصنيع الشافعي على كراهة ذلك بعد الدفن لأنه قال في الأم:" وأكره المأتم وهى الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الاثر"، وبالغ بعضهم فمال إلى تحريم ذلك وتبديعه مطلقا كما هو ظاهرٌ في صنيع القرطبي في التذكرة (336) استدلالا بعموم حديث جرير.
وقد تقدم أنه حديث مضطرب ومنقطع مدلس عن المتهمين، ولا أصل له من حديث الثقات كما قال الإمام أحمد وأشار لذلك الدارقطني وبالله التوفيق، وهو منكر المتن لمخالفته الكثير من الأحاديث المبيحة لذلك وبالله التوفيق.
كتبه أبو عيسى زياني



























الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتكمل الطاعات، وبعد:
فأحمد الله جل في علاه على منّه وكرمه، وتيسيره لي جمع هذا المبحث المتواضع، المتعلق بمسألة الإطعام والاجتماع عند أهل الميت، والذي بينت فيه بدلائله مشروعية هذا الاجتماع مع إعداد الطعام سواء أكان هذا الإعداد من طرف جيران الميت أو أقربائه وعصبته المقربين، اتجاه أهل الميت، أو كان هذا الإعداد من طرف أهل الميت أنفسهم، اتجاه أقاربهم وأهليهم وخاصتهم، أو لعموم الناس، ويمتد ذلك من موت الميت إلى ما بعد دفنه حتى سبعة أيام، وهي مدة الافتتان، كما ذكرت الأدلة على مشروعية وصية الميت بأن يُتصدق عنه أو يُطعم ويُنحَر، ويُقضى نذره في ذلك.


ثم ذكرتُ خبر جرير المعارض لكل أحاديث الإباحة، وبينت نكارته وعِلله ومخالفته لما هو أصح منه وأكثر عددا وأوثق رجالا، ثم ختمت البحث بذكر مسالك أهل العلم وطريقة توجيههم لحديث جرير، وكيفية الجمع بينه وبين غيره من أحاديث الإباحة الصحيحة والكثيرة، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]