أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي
د. محمد عثمان شبير
اتفق الفقهاء على تحريم النماص في الجملة، للأحاديث الواردة في ذلك:
1 – روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: " لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأن ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه: قال الله عز وجل: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ). فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذه على امرأتك الآن. قال: فاذهبي فانظري. قال: فدخلت على امرأة عبد الله، فلم تر شيئا فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها.
2 – وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء ".
فالنامصة: هي التي تفعل النماص، والمتنمصة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك.
ووجه الاستدلال بالحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعلة النماص، واللعن لا يكون على شيء غير محرم.
واختلف الفقهاء في المراد بالنماص المحرم:
1 – فذهب الحنفية إلى أن النماص المحرم هو ما تفعله المرأة للتبرج والتزين للأجانب، وكذا ما تفعله بلا حاجة ولا ضرورة، لما في نتفه بالمناص من الإيذاء. أما ما تفعله بقصد التزين لزوجها فلا يحرم، فإذا كان في وجهها شعر يؤدي إلى نفور زوجها عنها جاز لها إزالته، فيجوز لها إزالة ما نبت في وجهها من لحية أو شارب أو عنفقه بل يستحب ذلك. وهو غير داخل في النهـي عن النماص. وكذا يجوز لها الأخذ من شعر الحاجبين وشعر الوجه ما لم تتشبه في ذلك بالمخنثين
2 – وذهب المالكية إلى أن النماص المحرم هو نتف الشعر من الوجه، لما فيه من التلبيس بتغير خلق الله تعالى، فلا يجوز للمرأة أن تقلع الشعر من وجهها بالمنماص.
3 – وذهب الشافعية إلى أن النماص المحرم: هو الأخذ من شعر الحاجبين لترقيقهما، حتى يصيرا كالقوس أو الهلال بقصد الحسن والتجمل، إذا كان بدون إذن الزوج.
وبناء على هذا فإن الزوجة إذا فعلت بإذن الزوج جاز، لأن له غرضا في تزينها لها، وقد أذن لها فيه.
ويخرج من النماص المحرم إزالة اللحية والشارب والعنفقة للمرأة بالنتف أو الحلق، سواء أكانت المرأة متزوجة، أم غير متزوجة، ويستحب لها فعل ذلك، ولا يدخل هذا الفعل في النهي عن النماص، لأن النهي إنما هو في الحواجب وأطراف الوجه.
وأما تهذيب الحاجبين بالأخذ منهما إذا طالا فلم ير الشافعية فيه شيئا، وكره النووي ذلك فقال:وينبغي أن يكره لأنه تغيير لخلق الله لم يثبت فيه شيء.
4 – وللحنابلة في النماص المحرم ثلاثة أقوال:
الأول: ما نص عليه الإمام أحمد أن النماص المحرم هو نتف شعر الموجه، أما حلقه فلا بأس به، لأن الخبر إنما ورد في النتف.
اخبرنا الوراق قال: حدثنا مهنا أنه سأل أبا عبد الله ـ أي أحمد بن حنبل ـ عن الحف، فقال: ليس به بأس للنساء. قال: وسأله عن النتف، فقال: أكرهه للرجال والنساء. وقد كان أحمد يأخذ من حاجبه وعارضه.
والثاني: وهو وجه عند الحنابلة، قال الشيخ عبد الوهاب بن مبارك الأنماطي: إذا أخذت المرأة الشعر من وجهها لأجل زوجها بعد رؤيته إباها فلا بأس به، وإنما يذم إذا فعلته قبل أن يراها، لأن فيه تدليسا.
والثالث: ما ذهب إليه عبد الرحمن بن الجوزي من أن حديث النامصة محمول على التدليس أو على الفاجرات. فيكون النماص المحرم ما تفعله المرأة على وجه التدليس أو بقصد التشبه بالفاجرات.
وبناء على ما سبق فإنه يجوز للمرأة حلق لحيتها وشاربها.
5 – وذهب الطبري وابن حزم الظاهري إلى أن النماص المحرم هو نتف الشعر من الوجه، لما فيه من تغيير خلق الله، فلا يجوز للمرأة تغيير خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماسا للحسن لا للزوج ولا لغيره: كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه. وكذا لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها، لما فيه من تغير الخلقة.
المعنى المختار للنماص المحرم:
بعد عرض آراء الفقهاء في المراد بالنماص المحرم يتبين أنهم اختلفوا في الشعر الذي تقلعه المرأة بالمنماص هل هو شعر الوجه أو شعر الحاجبين ؟
إن الأحاديث لم تحدد المراد به، فلابد من الرجوع إلى اللغة لفهم المراد. فحديث ابن مسعود ورود بلفظ: " المتنمصات " وهو جمع متنمصة: وهي التي تطلب أن يفعل بها التنمص، وهو من باب تفعل، ومعناه التكلف والمبالغة في إزالة الشعر من الوجه إلا في الحاجبين، لأنهما المحل الطبيعي لظهور الشعر في وجه المرأة. فإذا بالغت المرأة في نتف شعر الحاجبين للتجمل والتحسن: كأن تزيلهما كليا، أو ترققهما حتى يصيرا كالقوس أو الهلال فهو النماص المنهي عنه. ويؤيد ذلك ما جاء في سنن أبي داود بعد أن روى حديث ابن عباس السابق حيث قال: " وتفسير النامصة: التي تنقش الحاجب حتى ترقه ".
وبناء على ذلك فإن إزالة اللحية والشارب والعنفقة للمرأة بالنتف أو الحلق جائز، لأنه لا يدخل في النماص المحرم كما ذهب إليه جمهور الفقهاء. لأن كثيرا من الفقهاء اعتبروا ظهور اللحية والشارب في المرأة نقصا وعيبا، فلا شيء من الدية على المعتدي عليها بالنتف والإزالة لأنه أزال عنها الشين.
ويخرج من النماص المحرم أيضا تهذيب الحاجبين بأخذ الشعر الزائد الخارج عن استقامة الحاجبين من غير مبالغة فيه، لأنه لا تدليس فيه ولا تغيير لخلق الله.
المعنى الذي لأجله حرم النماص:
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النماص، لأن فيه تغيير الخلقة الأصلية للحواجب بالإزالة أو الترقيق لحديث ابن مسعود: " المغيرات خلق الله " فلا يجوز للمرأة إزالة الحواجب كليا والاستعاضة عنها بحواجب اصطناعية؛ لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية، ولما يترتب على وضع المادة الكيميائية من أضرار بالغة كما قال الدكتور وهبة أحمد حسن: " إن استخدام أقلام الحواجب وغيرها من ماكياجات الجلد لها تأثيرها الضار: فهي مصنوعة من مركبات معادن ثقيلة: مثل الرصاص والزئبق تذاب في مركبات دهنية مثل زيت الكاكاو، كما أن المواد الملونـة تدخـل فيها بعض المشتقات البترولية،وكلها أكسيدات مختلفة تضر بالجلد، وإن امتصاص المسام الجلدية لهذه المواد يحدث التهابات وحساسية، ولو استمرت هذه المواد لأصبح لها تأثير ضار على الأنسجة المكونة للدم والكبد والكلى ".
المطلب الثالث
تجميل الشعر بالجراحة
لقد ظهرت في هذا العصر عمليات جراحية تجميلية لمعالجة نمو الشعر بالزرع والإزالة، وهي مسائل لم يتعرض لحكمها الفقهاء السابقون، فما حكم تلك المسائل؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من استخلاص الحدود التي ينبغي مراعاتها في تجميل الشعر، لتكون علامات هادية إلى الحكم الشرعي في تلك المسائل المستجدة، ومن ثم الحكم عليها.
أولا: الحدود التي ينبغي مراعاتها في تجميل الشعر:
من خلال دراستنا للأحكام المتعلقة بتجميل شعر الرأس وشعر الوجه تبرز الحدود التالية:
1 – أن لا يكون فيه تدليس وغش وخداع.
2 – أن لا يكون فيه تغيير للخلقة الأصلية.
3 – أن لا تستعمل فيه مادة نجسة.
4 – أن لا يكون بقصد تشبه أحد الجنسين ( الذكر والأنثى ) بالآخر.
5 – أن لا يكون بقصد التشبه بالكافرين أو أهل الشر والفجور.
6 – أن لا يترتب عليه ضرر أكبر.
ثانيا: الأحكام الشرعية للعلميات الجراحية التجميلية المستجدة:
بناء على ما سبق بيانه من حدود فإن الحكم الإجمالي للعمليات الجراحية الخاصة بتجميل الشعر هو الجواز إذا روعيت الحدود والشروط السابقة.
وأما الأحكام التفصيلية الخاصة بكل عملية فتتوقف على تصوير تلك العملية الجراحية، والتكييف الشرعي لها: ومن هذه العمليات زرع الشعر في الرأس بحيث يكون ناميا، ومعالجة الشعر الأبيض في رأس الطفل أو الشاب، ومعالجة الشعر الكثيف النابت في جميع وجه الإنسان، ومعالجة اللحية والشارب في وجه المرأة، ومعالجة شعر اللحية والشارب في وجه الرجل.
1 – زرع الشعر في الرأس بحيث يكون ناميا:
علاج الشعر جراحيا بإجراء عملية زرع الشعر في الرأس بحيث يكون ناميا جائز إذ لا تدليس فيه، بل معالجة للرجوع إلى الخلقة القويمة التي جبل عليها الإنسان.
2 – معالجة الشعر الأبيض في رأس الطفل:
بياض الشعر يحصل في الإنسان بسببين: أحدهما: طبيعي بسبب كبر السن وهو الشيب. والثاني: خارج عن الطبيعة، وهو ما يوجد عقب الأمراض المجففة.
فالشيب لا يجوز نتفه ـ كما بينا ـ لما فيه من التدليس وتغيير الخلقة. أما الشعر الأبيض في الطفل أو الشاب فقد حدث بسبب مرض، فتجوز معالجته بإجراء عملية إذا لا تدليس فيه، ولا تغيير للخلقة الأصلية.
3 – إجراء عملية لإزالة الكثيف الذي يغطي الوجه عند الأطفال:
من الظواهر التي شهدها العالم وشغلت بال الأطباء أطفال في سن الطفولة تغطي أجسامهم ـ بما في ذلك الوجه ـ بشعر كثيف يبلغ طوله من 2 سم إلى 10 سم، ويكون وجه ذلك الطفل شبيها بوجه الذئب ـ كما هو مبين في الصورة ـ فهل يجوز معالجة الشعر الكثيف الذي يغطي الوجه عند ذلك الطفل ؟
إن وجود ذلك الشعر في جميع جسم الإنسان غير طبيعي، وهو يحصل بسبب اضطراب الهرمونات الخاصة بنمو الشعر وترتيب مراحله.
يقول الدكتور يوسف محمد البلبيسي: " أعتقد أن سبب هذه الظاهرة الناشئة عن النمو الغزير غير الطبيعي للشعر إنما يرجع إلى نقص الهرمونات المتعلقة بمراحل وكيفية وطبيعة نمو الشعر ".
ويقول الدكتور أمين الجوهري: " خروج الشعر وظهوره بشكل مبكر عند الأطفال الذكور والإناث يرجع إلى اضطراب الهرمونات التي تفرزها الغدة ما فوق الكلية وتسبب ظهور الشعر عند الرجال وتغييرات الصوت عند الأولاد، وتعمل على التعجيل بظهـور أعراض الذكورة عند الأطفال، وأولها بروز الشعر بشكل كثيف ".
ويقول الدكتور علي التكمجي ـ أخصائي أمراض جلدية وتناسلية: " إن العقاقير تؤدي إلى مثل هذه التشوهات في الأجنة، يضاف إلى ذلك " الكورتيزون " الذي يؤدي إلى ظهور الشعر بكثافة مع مضاعفات أخرى ".
وعملية التجميل في هذه الحالة تكون بانتزاع الشعر من جذوره بواسطة الكهرباء أو " الألكروليسيز " كما يقول الدكتور هاتشنجز ـ أخصائي جراحة التجميل ـ إن علاج الظاهرة غير ممكن في الوقت الحالي إلا عن طريق وسائل التجميل. وننصح باللجوء إلى انتزاع الشعر من جذوره بواسطة الكهرباء أو " الألكتروليسيز " ولأن إزالة البشرة مع الشعر مستحيل حاليا، كما أن إعادة زرع بشرة جديدة من باقي الجسم محال، لأن كل بشرة الجسم مغطاة بنفس الشعر الكثيف.
بناء على ما سبق فإن الحكم الشرعي لهذه العملية الجواز ما لم تؤد إلى ضرر أكبر بالطفل، لأنها إعادة إلى الخلقة الأصلية.
4 – معالجة شعر اللحية والشارب في وجه المرأة:
إن إجراء عملية جراحية لإزالة شعر اللحية والشارب في وجه المرأة جائز ما لم يترتب عليه ضرر أكبر إذ لا تدليس فيه، ولا تغيير للخلقة الأصلية.
5 – معالجة شعر اللحية والشارب في وجه الرجل:
إن إجراء عملية جراحية لإزالة شعر اللحية والشارب في وجه الرجل ليتشبه بالنساء لا يجوز؛ لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية والتشبه بالنساء.
المبحث الثاني
تجميل الجسم بالألوان والعلامات الباقية
تستعمل في تجميل الجسم بالألوان والعلامات الباقية عدة عمليات جراحية: منها ما هو قديم، ومنها ما هو حديث. وفي هذا المبحث سوف أتكلم عن الأحكام التي تتعلق بتلك العمليات.
المطلب الأول
العمليات الجراحية القديمة
في هذا المطلب سوف أتكلم عن ثلاث عمليات قديمة وهي: الوشم والوسم والقشر.
أولا: الوشم:
الوشم في اللغة: من وشم بيدها ويشم ووشوم بمعنى العلاقات.
والوشم في الاصطلاح: أن يغرز العضو بإبرة حتى يسيل الدم، ثم يحشي موضع الغرز بالكحل أو النورة أو المداد فيخضر أو يزرق.
ويتفنن الناس في استعمالهم للوشم، فبعضهم ينقش على جسمه صورة حيوان: كأسد أو عصفور، ويعضهم ينقش على يده قلبا أو اسم المحبوب، وبعض النساء تصبغن الشفاه صبغا دائما بالخضرة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعدى ذلك إلى أن أصبح الوشم في هذا العصر وسيلة التزيين جميع الجسد ـ كما هو مبين في صورة الرجل الذي غطى جسده كله بالوشم ـ وتحمل في سبيل ذلك العذاب الشديد، حيث بقي يتعرض للوخز بالإبر لمدة ست ساعات على مدة أربع سنوات.
وفي أوروبا تقوم بعض الفتيات بعمل صور من الوشم على أماكن مختفية من الجسم ثم ترفع هذه اللوحة الجلدية وتدبغ وتباع بأسعار خيالية إذ أنها من جسم الإنسان ويحتفظ بها كلوحات فنية نادرة.
وقد أجمع العلماء على تحريم الوشم على الفاعلة والمفعول بها باختيارها ورضاها. ولذا لا تأثم البنت الصغيرة إذا فعل بها الوشم لعدم التكليف، وكذا لا يأثم من حصل فيه الوشم نتيجة حادث: كاحتكاك جسم الإنسان بالأسفلت، فدخل السواد تحت الجلد، أونتيجة انفجار قنبلة فدخل الدخان والبارود تحت الجلد. وكذا إذا حدث الوشم عن طريق العلاج، ومما يؤيد هذا الاستثناء ما روي عن ابن عباس: " والمستوشمة من غير داء ". قال ابن حجر: " يستفاد منه أن من صنعت الوشـم عـن غير قصد له، بل تداوت مثلا فنشأ عنه الوشم أن لا تدخل في الزجر ".
وقد استدل العلماء على تحريم الوشم بالأحاديث التالية:
1 – حديث ابن عمر السابق: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ".
وفي لفظ مسلم: " أن رسول الله لعن الواصلة والمستوصلة،والواشمة والمستوشمة ".
2 – حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ".
وفي لفظ آخر للبخاري عن أبي هريرة أيضا قال: أتي عمر بامرأة تشم، فقام فقال: أنشدكم بالله من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الوشم، فقال أبو هريرة: فقمت فقلت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تشمن ولا تستوشمن.
3 – حديث ابن عباس السابق: " لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء ". قال أبو داود: " وتفسير الواشمة: التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة المعمول بها".
4 – حديث ابن مسعود السابق قال: " لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ".
وفي لفظ البخاري: " الواشمات والمتوشمات ".
الواشمة في الأحاديث: فاعلة الوشم،والمستوشمة التي تطلب فعل الوشم.
ووجه الاستدلال أن اللعن لا يكون على أمر غير محرم، فدلت الأحاديث على أن الوشم حرام، كما يدل اللعن على أنه من الكبائر.
5 – واستدلوا بالمعقول على تحريم الوشم، وهو إيلام للحي بلا حاجة ولا ضرورة. قال ابن الجوزي: " لا يحل لأنه أذى لا فائدة فيه ".
المعنى الذي لأجله حرم الوشم:
اختلف العلماء في المعنى الذي لأجله حرم الوشم:
فنقل القرطبي عن بعض العلماء: أنه التدليس لحديث ابن مسعود السابق: " لعن الله الواشمات والمستوشمات.. والمتفلجات للحسن ".
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه التغيير لخلق الله تعالى بإضافة ما هو باق في الجسم عن طريق الوخز بالإبر، والتعذيب لجسم الإنسان بلا حاجة ولا ضرورة. واستدلوا لذلك بما يأتي:
1 – قوله تعالى: ( ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ).
فالمراد بقوله تعالى: ( فليغيرن خلق الله ) الواشم كما قاله ابن مسعود والحسن البصري، فيكون المعنى الذي لأجله حرم الوشم هو تغيير خلق الله.
2 – حديث ابن مسعود السابق: " لعن الله الواشمات والمستوشمات.. والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ".
وفي رواية الإمام أحمد عن ابن مسعود: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن المتنمصات،والمتفلجات، والمستوشمات المغيرات خلق الله ".
فقد أشار الحديث إلى علة النهي عن تلك الأشياء. والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لنص الحديث على العلة.
وبناء على أن المعنى الذي لأجله حرم الوشم هو التغيير لخلق الله بما هو باق فلا يدخل في النهي عن الوشم تغيير الخلقة بما لا يكون باقيا: كتجميل العينين بالإثمد، وخضاب اليدين والقدمين بالحناء والكتم، وتحمير الوجنتين،وتطريف الأصابع والنقش والتكتيب بالأصباغ قال الشوكاني: " إنما النهي في التغيير الذي يكون باقيا، أما ما لا يكون باقيا: كالكحل ونحوه من الخضابات فقد أجازه مالك وغيره من العلماء ".
ثانيا: إزالة الوشم:
قال الشافعية: إن الموضع الموشوم يصير نجسا بانحباس الدم فيه، فتجب إزالته لأن الصلاة لا تصح من حامل النجاسة. ويلزم الموشوم بإزالته إن كان فعله باختياره ورضاه: أي بعد بلوغه ولو كان كافرا ثم أسلم. أما إذا فعل به بغير رضاه: كالمكره والصبي لم تلزمه إزالته، وحيث عذر في إزالة الوشم لا يضر في صحة صلاته.
وقد أشاروا إلى طريقة إزالته وما يترتب عليها، فقالوا: إن أمكن إزالته بالعلاج وجبت إزالته، وإن لم يمكن إلا بالجرح: فإن خاف منه التلف أو فوات عضو أو منفعة عضو أو حدوث شيء فاحش في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وتكفي التوبة في هذه الحالة، وإن لم يخف شيئا من ذلك ونحوه لزمه إزالته ويعصي بتأخيره.
وسواء في هذا كله الرجل والمرأة.
وقد خالف بعض الفقهاء في نجاسة الموضع الموشوم، فقد بوب الهيثمي بابا في طهارة الوشم وأنه لا تجب إزالته واستدل بما روي عن قيس بن أبي حازم قال " دخلنا على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه فرأيت عنده امرأة بيضاء موشومة اليدين تذب عنه، وهي أسماء بنت عميس.
ثالثا وسم الوجه:
الوسم في اللغة: أثر الكية، يقال: وسمة يسمه وسما وسمة في العلامة. فيقال: فلان موسوم بالخير وعليه سمة الخير: أي علامته، وتوسمت فيه كذا أي رأيت فيه علامته .
والوسم في الاصطلاح: لا يخرج عن المعنى اللغوي، وهو الكي للعلامة. فيستعمله أصحاب الحيوانات لتمييز حيواناتهم عن غيرها. وتستعمله القبائل، فتسم كل قبيلة أفرادها بسمة معينة في الوجه.
فقد أجاز الإسلام وسم الحيوان في جميع الأعضاء غير الوجه لما روي الإمام مسلم عن جابر قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه ".
وأما وسم الآدمي فقد اتفق الفقهاء على تحريمه لكرامة الإنسان، ولأنه لا حاجة إليه، ولا يجوز تعذيبه بلا حاجة ولا ضرورة.
ولا يدخل في النهي عن الوسم الكي للعلاج عند جمهور الفقهاء فهو جائز، لأنه داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه. لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي ".
وأما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الكي كما في حديث عمران بن حصين قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا " فيحمل على عدة وجوه:
الأول: أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره،ويقولون: آخر الدواء الكي، ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معنى التوكل على الله سبحانه، وطلب الشفاء والترجي للبرء بما يحدث الله من صنعه فيه، ويجلبه من الشفاء على أثره، فيكون الكي والدواء سببا لا علة.
وهذا أمر قد تكثر فيه شكوك الناس وتخطيء فيه ظنونهم وأوهامهم، فما أكثر ما تسمعهم يقولون: لو أقام فلان في بلده لم يهلك، ولو شرب الدواء لم يسقم، ونحو ذلك من تجريد إضافة الأمور إلى الأسباب، وتعليق الحوادث بها دون تسليط القضاء عليها وتغليب المقادير فيها، فتكون الأسباب أمارات لتلك الكوائن لا موجبات لها.
والوجه الثاني: أن يحمل النهي على الكي للصحيح احترازا عن الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة ودعاء الضرورة إليه.
والوجه الثالث: أن يحمل النهي في الحديث على علة خاصة لعلمه أن الكي لا يشفيها، ولذلك قال عمران بن حصن: " فلا أفلجنا ولا أنجحنا " فقد استعمل عمران الكي في الناسور وليس من أدويته ولا ذلك محله. وكذلك إذا كان الكي للتداوي: الذي يجوز أن ينجح ويجوز أن لا ينجح، ففي هذه الحالة يكون مكروها.
وخلاصة القول أن الكي لإحداث علامة في جسم الإنسان لا يجوز، وأما للتداوي فيجوز إذا تعين الشفاء به، ولا يجوز استعماله على سبيل التجربة.
رابعا: قشر الوجه:
القشر في اللغة: سحق الشيء عن أصله. والقشور: دواء يقشر به الوجه.
وقشر الوجه في الاصطلاح: أن تعالج المرأة وجهها بالغمرة، حتى ينسحق أعلى الجلد، ويصفوا اللون.
قال أبو عبيدة: نراه أراد هذه الغمرة التي يعالج بها النساء وجوههن حتى سنسحق أعلى الجلد ويبدوا ما تحته من البشرة وهو شبيه بما جاء في النامصة.
يتبع