الجوهر النفيس شرح مصطلح الحديث (10)
د. عيد نعيمي آل فيصل
السقط الخفي
تعريفه:
هو ما يَخفَى على كثيرٍ ممن يشتغل بهذا العلم، بل لا يُدرِكه إلا الأئمة الحذَّاق المطَّلِعون على طرق الحديث وعِلَل الأسانيد؛ نظرًا لخفائه وغموضه، فهو بحاجة إلى تعب وعناءٍ أكثر من سابقه - السقط الجَلي.
وهذا النوع من السقط تحته قسمان:
القسم الأول: المدلَّس.
القسم الثاني: المرسَل الخَفِي
وإليك الكلام على هذين القسمين:
أولاً: المدلَّس:
تعريفه:
لغةً: اسم مفعول مشتق من الدَّلَس - بفتحتين - وهو الظلمة، والدَّلَس: اختلاطُ الظلامِ، ومنه قولهم: أتانا دَلَس الظلام، وخرج في الدَّلَس والغَلَس، والتدليس: كتمانُ عيب السلعة عن المشتري، كالمخادعة.
واصطلاحًا: هو ما أُخفِي عيبُه على وجهٍ يُوهِم أنه لا عيبَ فيه، وسمِّي بهذا الاسم؛ لأن الراوي لما أخفى على الواقف على الحديث وجهُ الصواب، كأنه أظلمَ أمره وغطَّاه، كما تخفَى الأشياء على البصر من الظلمة.
أقسام التدليس:
1- تدليس الإسناد.
2- تدليس التَّسوِية.
3- تدليس القطع.
4- تدليس العطف.
5- تدليس الشيوخ.
6- تدليس البلدان.
1- تدليس الإسناد:
تعريفُه:
هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمِع منه - قبل ذلك - ما لم يَسمعْه منه؛ أي: هذا الحديث محل البحث، موهمًا أنه سمِعه منه باستخدام أداةٍ من أدوات التحمُّل غير المباشرة، مثل: عن فلان، أو قال فلان، أو أن فلانًا، ولتحرير معنى التدليس، لا بدَّ من معرفة حال الراوي عمَّن يُروى عنه، وهى لا تخلو من أربع صور:
1- السماع.
2- اللقاء.
3- المعاصَرة.
4- عدم المعاصَرة.
• فإذا روى الراوي عمن سمع منه - شيخه - ما لم يَسمعْه منه بصيغة موهِمة، فهذا تدليس باتفاق.
• وإذا روى عمن لَقِيه - ولم يسمع منه[1] - ما لم يسمعه، أو عمَّن عاصره - ولم يَلْقَه - ما لم يسمعه منه بصيغة موهِمة، فهذا إرسالٌ خَفي.
• وإذا روى عمن لم يعاصره بصيغة موهِمة، فقد عدَّه بعضهم تدليسًا، كما في مقدِّمة التمهيد، عدَّه بعضهم إرسالاً خفيًّا[2]، والصواب أنه انقطاع ظاهر.
• ويكون التدليس بلفظ محتمِل للسماع: كقال، أو عن؛ ليوهم غيره أنه سمعه منه، ولا يصرِّح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: سمعتُ، أو حدَّثني، أو أخبرني، ممن لم يسمع منه؛ حتى لا يصير كذَّابًا بذلك، وقد يكون السقط واحدًا، وقد يكون أكثر.
مثالٌ لتدليس الإسناد:
روى الحاكم عن علي بن خَشْرَم، قال: قال لنا ابن عُيَينة، عن الزهري، فقيل له: سمعتَه من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري، حدَّثني عبدالرزَّاق، عن مَعمَر، عن الزهري.
حُكمه:
تدليس الإسناد مكروهٌ جدًّا، ذمَّه أكثر العلماء، وكان شُعبة بن الحجَّاج من أشدهم ذمًّا له، فقد قال فيه أقوالاً؛ منها: "التدليس أخو الكذب"، وقال: "لأن أزني أحبُّ إليَّ من أن أُدلِّس"، وهذا من شُعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير منه؛ قال النووي: "وظاهر كلام شُعبة أنه حرامٌ".
2- تدليس التسوية:
وفيه يقوم الراوي المدلِّس بإسقاطِ شيخ شيخه، بشرط أن شيخَه يُدرِك شيخَ شيخِه، المدلِّس يقول: حدَّثني شيخي، حدَّثني أحمد - شيخُ شيخِ المدلِّس - أخبرني محمد، نفترض أن أحمد - شيخَ شيخِ المدلِّس - ضعيفٌ، فيقوم المدلِّس بإسقاطه، بشرطِ أن يكون شيخه أَدرَك محمدًا؛ لأنه لو لم يكن مدركًا له، فسوف يكون سقطًا ظاهرًا، يَعرِفه مَن له أدنى دراية بهذا العلم، إذا المدلِّس أسقط شيخَ شيخِه "أحمد"، وجعل السند: حدَّثني شيخي عن محمد، وبما أن شيخه ثقةٌ غير مدلِّس، فتُقبل عَنعنته عن شيخه "محمد"، فالمدلِّس بفَعْلته سوَّى السند، وجعله ثقةً عن ثقةٍ، فيُقبَل حديثُه على الرغم من ضَعفه؛ بسبب ضَعْف شيخ شيخه "أحمد".
نضرب مثالاً آخر؛ حتى يزداد الفهم، وأيضًا حتى نصل إلى تعريفٍ أشمل وأسهل من السابق:
المدلِّس يقول: حدَّثني شيخي، حدَّثني جمعة - شيخُ شيخِ المدلِّس - أخبرني عبدالسلام - شيخُ شيخِ شيخِ المدلس - أنبأني محمود - شيخُ شيخِ شيخِ شيخِ المدلَّس.
نفترض أن عبدالسلام - شيخَ شيخِ شيخِ المدلِّس - ضعيفٌ، فيقوم المدلِّس بإسقاطه، إذا المدلِّس أسقط شيخَ شيخِ شيخِه - عبدالسلام - بشرط أن يُدرِك جمعةُ - شيخُ شيخِ المدلِّس - محمودًا، وإلا كان انقطاعًا ظاهرًا، ويجعل السند: حدَّثني شيخي، حدَّثني جمعةُ - شيخُ شيخِ المدلِّس - عن محمودٍ - شيخِ شيخِ شيخِ شيخ المدلِّس.
فتلاحظ من خلال الأمثلة السابقة تَكرارَ لفظةِ شيخ؛ مما يجعل صعوبة في الفهم، وكلما أسقط المدلِّس راويًا يبعُد عنه في السند، تَكرَّرت كلمة شيخ أكثر وأكثر؛ ولذلك فهناك تعريف مجمَل وجامع لأي مثال، ألا وهو: إسقاط ضعيف بين ثقتين التقيا، ففي المثالين السابقين المدلِّس أسقط ضعيفًا بين ثقتين التَقيا[3].
مثاله:
روى ابن أبي حاتم عن بقيَّة، قال: حدَّثني أبو وهب الأسدي، قال: عن نافع، عن ابن عمر، قال: "لا تحمدوا إسلام امرئ؛ حتى تعرِفوا عقدة رأيه".
قال أبو حاتم: هذا الحديث له علَّة قلَّ مَن يفهمها، روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبيدالله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكأن بقية بن الوليد كنى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد؛ لكي لا يفطَن له إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط، وبالتالي لا يُهتدى إليه، وكان بقية من أفعل الناس لهذا؛ أي: إن بقية أسقط إسحاق بن أبي فروة من بين عبيدالله بن عمرو ونافع، وعبيدالله بن عمرو أدرَك زمن نافع، كما أن عبيدالله بن عمرو ثقة غير مدلِّس، فتُقبل عنعنته، فيكون بقية بهذا الفعل قد سوَّى السند ثقة عن ثقة.
حُكمه:
تدليس التسوية، هو شرُّ أقسام التدليس؛ لأن الثقة الأول ربما لا يكون معروفًا بالتدليس، ورواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، وفى هذا غَرَر شديد.
3- تدليس القطع:
تعريفه:
هو أن يقول الراوي: حدَّثنا، أو سمعت، ثم يسكت - وينوي القطع - ثم يقول: فلان موهِمًا أنه سمع منه، وليس كذلك.
مثاله:
ذكر ابن سعد عن عمر بن علي المقدمي أنه كان يقول: سمعتُ، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عُرْوَة، وهو لم يسمعه[4].
4- تدليس العطف:
تعريفه:
هو أن يروي المحدِّث عن شيخين من شيوخه، ويكون قد سمِع من أحدهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأول، ويعطف الثاني عليه، فيوهِم أنه حدَّث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدَّث بالسماع عن الأول، ونوى القطع، فقال: وفلان، أي حدَّث فلان.
مثاله:
ذكر الحاكم أن جماعةً من أصحاب هشيم، اجتمعوا يومًا على ألا يأخذوا منه التدليس، ففطِن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: حدَّثنا حصينٌ، ومغيرة عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلَّست عليكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفًا مما ذكرته، إنما قلتُ: حدَّثني حصين، ومغيرة غير مسموع لي؛ أي: أنه أضمر في الكلام محذوفًا كما فسَّره بعبارته.
5- تدليس الشيوخ:
تعريفه:
هو أن يروي المحدِّث عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيسمِّيه، أو يكنِّيه، أو يَنسِبه أو يَصِفه بما لا يُعرَف به؛ كيلا يُعرَف. ممن اشتَهر عنه هذا النوع من التدليس: عطيَّة العوفي؛ حيث كان يصف شيخه محمد بن بشر بن سعيد الكلبي بأوصافٍ لا يَنعرِف بها؛ وذلك لأنه محمد بن بشر بن سعيد الكلبي ضعيفٌ، فكان يقولُ: حدَّثنا أبو سعيد، ومرة: حماد بن السائب...إلخ.
مثاله:
روى ابن أبي حاتم عن بقيَّة، قال: حدَّثني أبو وهب الأسدي، قال: عن نافع، عن ابن عمر، قال: " لا تحمدوا إسلام امرئ؛ حتى تعرفوا عقدة رأيه ".
فعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدى فكأن بقية بن الوليد كنَّى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد؛ لكيلا يُفطَن له.
مثال آخر:
روى الخطيب البغدادي عن شيخه الحسن بن محمد الخلال قولَ سعيد بن المسيب: إني كنتُ لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث، وسمَّاه يعني الخطيب الحسن بن أبي طالب.
حكمه:
تدليس الشيوخ مكروهٌ، إلا أنه أخفُّ من تدليس الإسناد؛ لأن المدلِّس لم يسقِط أحدًا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع، إلا إذا كان مَن يأخذ عنه غير ثقة فيَحرُم؛ لأنه غشٌّ للأمة، وكذبٌ صُراح، أمَّا إذا كان امتحانًا للطلاب أو تفننًا في العبارة، بحيث لا يَخفَى على أهل الفن، فهو جائز، وهذا ما يستعمله الخطيب البغدادي في مصنفاته.
6- تدليس البلدان:
يُلحَق بتدليسِ الشيوخ تدليسُ البلدان، كما إذا قال الراوي: حدَّثني فلان بالأندلس، فأراد موضعًا بالقرافة، أو قال: بزُقَاق حلب، وأراد موضعًا بالقاهرة، أو حدَّثني فلانٌ بما وراء النهر، وأراد نهرَ دِجْلَة، أو قال: بالرقة، وأراد بستانًا على شاطئ دِجْلَة، والأمثلة على هذا كثيرة.
وحكم هذا النوع:
الكراهةُ؛ لأنه يدخل في باب "التشبُّع بما لم يُعْطَ"، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا أن تكون هناك قرينة تدلُّ على عدم إرادة التكثير، فلا كراهة.
الأغراض الحاملة على التدليس:
1- ضَعفُ الشيخِ المدلَّس عنه، أو كونه غيرَ ثقة.
2- الأَنَفة من الروايات عمَّن حدَّثه؛ لكونه أصغر من الراوي عنه، أو لأن وفاته تأخَّرت، وشارك المحدِّث عنه في السماع منه جماعة دونه.
3- إيهام علوِّ الإسناد.
4- كثرة الرواية عنه، فلا يجب الإكثار من ذكر اسمه على صورة واحدة إيهامًا لكثرة الشيوخ.
5- فواتُ شيءٍ من الحديث عن شيخٍ سمع منه الكثير.
6- الخوف من عدم أخد الحديث وانتشاره مع الاحتياج إليه.
7- التفنُّن في العبارة، وتَقدَّم قريبًا أن الخطيب البغدادي يستعمله في مصنَّفاته.
يتبع