عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 13-02-2020, 04:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,953
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع


من الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع
د. شعبان رمضان محمود مقلد


المبحث الثاني: كيفية العودة إلى القرآن:
ما دامت حاجتنا إلى القرآن ملحة لهذه الدرجة، وما دام تعلُّمه له هذه الأهمية، وما دمنا قد وصلنا في هذا العصر إلى هذه الدرجة مِن هجْرنا لروح القرآن، وتدبُّره، والانتفاع به - إلا من رحم ربي - فيرد السؤال: كيف نعود إلى القرآن، وكيف ننتفع به؟

وللإجابة عن هذا السؤال؛ لا بد أن نعلم يقينًا أن القرآن هو حبل الله الذي أنزله من السماء؛ ليخلصنا مما نحن فيه، وأنه مشروع النهضة للأمة جمعاء، ومن هنا علينا أولاً بالاعتصام بهذا الحبل، والإقبال عليه إقبال الظمآن على الماء؛ بل أشد، وأن نعطيه أفضل وأكثر أوقاتنا، فالحل يقينًا للخروج من المأزق الذي نعيش فيه، يبدأ بالتمسك بهذا الكتاب، فإذا ما تمَّ لنا ذلك - وهو يسير لكل مَن أراده بصدق - فعلينا ثانيًا أن ندعو الناس إليه، ونبث فيهم روحه، وننتشل من نستطيع انتشاله من جاذبية الأرض والطين؛ لنربطه بحبل القرآن، وأن نستمر على ذلك، حتى موعود الله - سبحانه - لأن المتأمل في القرآن يجد أنه يعيد تشكيل العقل من جديد، ويصوب كل فكرة خاطئة لديه، ويبني فيه اليقين الصحيح لكل الأفكار والمعتقدات.

ندرك ذلك تمامًا، حين ندقِّق النظر في العديد من الوسائل التي يستخدمها في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في اللاشعور، ومن أهم هذه الوسائل: الإقناع، وتَكرار الموضوعات.

أما الاقتناع، ففيه يبرز احترام القرآن للعقل، ودوام مخاطبته وإقناعه بأهمية الفكرة المطروحة، والقارئ المتدبِّر للقرآن يجد المولى - سبحانه وتعالى، وهو الكبير المتعال - يخاطب عقولنا، ويبيِّن لنا الكثيرَ من الأمور، التي من شأنها أن تقنعنا بما يريده منا؛ بل إنه سبحانه وتعالى يدعونا في كتابه إلى استخدام عقولنا والتفكير في كلامه؛ كقوله تعالى: ï´؟ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ï´¾ [البقرة: 266]؛ لنقتنع بما يحمله هذا الكلام من معانٍ وأفكار، فينتقل ذلك كلُّه إلى اللاشعور، ويترسخ فيه؛ لينطلق بعد ذلك السلوك المعبِّر عنها بصورة تلقائية.

"وأما تَكرار الموضوعات، فالمتتبع للموضوعات المطروحة فيه، يجدها متكررة ومتشابهة؛ كما قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ï´¾ [الزمر: 23]، وقال: ï´؟ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ï´¾ [الفرقان: 50].

وصرفنا؛ أي: كررناه بأساليبَ مختلفةٍ، ومن فوائد التَّكرار كذلك أنه يجعل القارئ في حالة دائمة من التذكُّر واليقظة.

وخلاصة القول: إن القرآن يعيد تشكيل العقل، ويقوم ببناء اليقين الصحيح فيه، من خلال مخاطبته له بأساليبَ شتَّى؛ مما يؤدي إلى إقناعه بما يحمل من أفكار، فتنتقل تلك الأفكار بسهولة ويسر إلى منطقة اللاشعور، وتترسخ فيها، من خلال تكرارها في السُّور والآيات؛ لتشكل بعد ذلك نقطة بداية قوية لانطلاق السلوك المعبر عنها.

والقرآن لا يركز على قضايا بعينها؛ بل يرسم في الذهن خريطة شاملة وواضحة للإسلام، ويعطي كلَّ جزء فيها اهتمامًا يناسب حجمَه، فينشأ عن هذا كلِّه تصحيحٌ للمفاهيم الخاطئة، وتغييرٌ للثوابت الموروثة؛ لتحل محلَّها معاني القرآن وثوابتُه، وهذا من شأنه أن يحدث وحدة التصور لدى أفراد الأمة"[31].

وهذا كله يدعونا إلى المزيد من التأمل في هذا الكتاب الحكيم، والفكر الدؤوب للوصول إلى طريق تعيدنا إليه.

فإن كنا حقًّا نريد العودة إلى القرآن والانتفاع به، واستخدامه كعلاج فعَّال لما نعانيه من أدواء، فعلينا أن نغيِّر طريقة تعاملنا معه، وأن يكون همنا من قراءته الانتفاع بمعجزته، والدخول في دائرة تأثيره، وهذا يحتاج منا إلى بعض الوسائل العلمية المتدرجة، التي تعيينا على العودة الهادئة إليه، وهناك وسائل تساعد المسلم - بفضل الله سبحانه - على العودة الصحيحة إلى القرآن، ومنها:

1 - الانشغال بالقرآن.
2 - تهيئة الجو المناسب له.
3 - القراءة المتأنية.
4 - التركيز عند القراءة.
5 - التجاوب مع الآيات.
6 - أن نجعل المعنى هو المقصود.
7 - ترديد الآية التي تؤثِّر في القلب.
8 - تعلم الآيات والعمل بها[32].

ولنا في الصحابة رضوان الله عليهم أسوةٌ في ذلك، فلقد ذاق الصحابةُ حلاوةَ الانشغال بالقرآن، وأدركوا قيمته، وشاهدوا ثمرة ذلك في واقعهم الذي تغيَّر تغيرًا جذريًّا، وأصبحوا شخصياتٍ أخرى غير تلك التي كانت قبل إسلامهم، وكأنهم وُلِدوا من جديد، ومن هنا كان حرصهم الشديد على تبليغ هذه الرسالة إلى مَن بعدهم، وكانوا ينزعجون من انشغال الناس بشيء غير القرآن.

فهذا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يأتيه اثنان من التابعين بصحيفة، يريدان منه أن يقرأها، ويقولان له: هذه صحيفة فيها كلام حسن، فقال: هاتها يا جارية، هاتي الطست، فاسكبي فيها الماء، فجعل يمحوها بيده، ويقول: ï´؟ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ ï´¾ [يوسف: 3]، فقلنا: انظر فيها؛ فإن فيها كلامًا عجبًا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره[33].

والقرآن كما قال محمد بن واسع: بستان العارفين، فأينما حلُّوا منه، حلُّوا في نزهة.

وللعودة إليه؛ لا بد من اتِّباع عدة أمور:
أولاً: التضرع إلى الله، والإكثار من الدعاء بطلب العون منه سبحانه على حفظ القرآن، والإلحاحُ في الدعاء من أعظم آداب الدعاء.

ثانيًا: جعل وِرْد يومي يُتلى فيه القرآن، وحبذا أن يكون ذلك في بداية اليوم، ولا يشغل الحفظ عن التلاوة؛ فإن التلاوة وقود الحفظ.

ثالثًا: المداومة على أذكار الصباح والمساء والنوم، وكذلك المداومة على الأذكار التي تحفظ المسلم - بإذن الله - من الشيطان؛ فإن الذِّكر عدو الشيطان؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ï´¾ [المائدة: 91]. فإِنْ حَفِظَ اللهُ المسلم من الشيطان، استطاع المداومة على تلاوة كتابه وحفظه.

رابعًا: الحرص على حضور مجالس العلماء، وعدم التخلف عنها، خاصة مجالس القرآن، إلا لعذر؛ روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))[34].

خامسًا: على كل مَن يودُّ التقرُّبَ من القرآن والانتفاعَ به: الاهتمامُ بالصاحب الذي يساعد على ذِكر الله، ويعين - بعد الله - على تلاوة القرآن؛ فإنه كنز نفيس.

سادسًا: عليه أن يَحذَر من الغرور، وألاَّ يباهي بتعلمه وحفظه، ولا يماري بهما؛ حتى لا يقع في تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: ((مَن تعلَّم العلم؛ ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوهَ الناس إليه - أدخله الله جهنم))[35].


وليكن تعلُّمه للقرآن ابتغاء ما عند الله، واكتساب الخشية والسكينة والوقار، لا للاستكبار.

سابعًا: ليعلم مَن يريد تعلُّم العِلم - أيّ علم من العلوم - أن بداية العلم هو حفظ القرآن، وكل آية يحفظها باب مفتوح إلى الله تعالى وكل آية لا يحفظها أو نُسِّيها باب مغلق، حال بينه وبين ربه، فينبغي أن يكون حرصه على ما لا يحفظه من القرآن أكثرَ مِن حرصه على التقدم في أي علم من العلوم.

ثامنًا: المحافظة على الاستغفار والإكثار منه؛ فإن نسيان القرآن من الذنوب، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: ï´؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ï´¾ [الشورى: 30]، عن الضحاك قال: ما نعلم أحدًا حفظ القرآن ثم نسيه، إلا بذنب، ثم قرأ: ï´؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ... ï´¾ [الشورى: 30] الآية، ثم قال الضحاك: وأي مصيبة أكبر من نسيان القرآن؟![36].


وقال الشافعي:
شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي
فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي

وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ العِلْمَ نُورٌ
وَنُورُ اللَّهِ لاَ يُهْدَى لِعَاصِي[37]




تاسعًا: أن يحافظ على الوضوء عند قراءته للقرآن مع إحسانه، ومعنى إحسانه هنا: اتِّباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء.

عاشرًا: حفظ القرآن نعمة عظيمة تستحق الشكر، حيث يكون القلب عامرًا، فعلى الحافظ لكتاب الله أن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة؛ قال تعالى: ï´؟ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ï´¾ [إبراهيم: 7].

وكما ورد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناسُ نائمون، وبنهاره إذا الناسُ مُفطرون، وبوَرَعه إذا الناسُ يخلطون، وبتواضعه إذا الناسُ يختالون، وبحزنه إذا الناسُ يفرحون، وببكائه إذا الناسُ يضحكون، وبصمْتِه إذا الناسُ يخوضون".

ومع هذه الأمور، ينبغي أن تكون القراءة بهدوء وترسل وترتيل، وكذلك بتركيز، وأن يجعل المعنى الإجمالي للآية هو المقصود، ولا يتوقف بتعسف عند تفسير كل كلمة؛ بل ينبغي عليه أن يسمح لآيات القرآن أن تنساب داخله، ويتصاعد تأثيرُها شيئًا فشيئًا، حتى تسيطر على المشاعر وتوجهها لله - عز وجل - وهذا هو المقصد الأسمى من القراءة والتعلم، فالتدبر المجرد لا يكفي؛ بل لا بد من التأثر الذي من خلاله يزداد الإيمان، وتتولد الطاقة، ويحدث التغيير والتقويم، وعندما يجد أحدُنا قلبَه ينفعل ويتحرك مع آية من الآيات، فعليه أن يردِّدها مرات ومرات؛ لأنه كلما فعل ذلك، ازداد الإيمان في قلبه، هذا الترديد لا يوجد له حد أقصى، فما دام وجد التجاوب استمر في ترديده، فإذا توقف التجاوب انتقل إلى ما بعدها من آيات[38].


المبحث الثالث: تدبر القرآن وأهميته:
معنى التدبر وحقيقته:
إن تدبُّر القرآن هو أرفع صور تلاوته وترتيله، التي جاءت نصوص القرآن والسنة ببيان فضلها وثوابها، والتدبر هو الذي يساعد قارئَ القرآن على النهم من خيراته وفضائله.

التدبر لغة: دبر الأمر وتدبَّره: نظر في عاقبته، واستدبره: رأى في عاقبته ما لم يرَ في صدره، وعرف الأمر تدبرًا؛ أي: بأَخَرَةٍ... والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، والتدبر: التفكر فيه... ويقال: إن فلانًا لو استقبل من أمره ما استدبره، لهدي لوجهة أمره؛ أي: لو علم في بدء أمره ما علمه في آخره، لاسترشد لأمره... والتدبير أن يتدبر الرجل أمره ويدبره؛ أي: ينظر في عواقبه[39].

التدبر: النظر في دبر الأمور؛ أي: عواقبها، وهو قريب من التفكر، إلا أن التفكر تصرف بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب[40].

إذًا؛ فالتدبر: التفكر، ومادته تدور حول أواخر الأمور وعواقبها، "فالتدبر هو النظر في عواقب الأمور وما تؤول إليه، ومن هنا نستطيع أن نفهم التدبر، هو التفكر الشامل، الواصل إلى أواخر دلالات الكلم، ومراميه البعيدة".

فاعتمادًا على هذا التعريف، يكون التدبر هو: "التفكر باستخدام وسائل التفكير، والتساؤل المنطقي؛ للوصول إلى معانٍ جديدة يحتملها النص القرآني وفق قواعد اللغة العربية، وربط الجمل القرآنية ببعضها، وربط السور القرآنية ببعضها، وإضفاء تساؤلات مختلفة حول هذا الربط أو ذاك".

وعلى ذلك، فحقيقة تدبر القرآن: أن يقرأ المسلم كتاب الله بتأمل وتفكر، وعناية وحضور، فيتأمل في أخباره ومواعظه، وأوامره ونواهيه، وأحكامه وآياته، وأن يعزم النية على العمل بما يؤمر، وعلى الانتهاء عما نُهي عنه، وأن يتَّعظ بما فيه من المواعظ والأخبار، ويستحضر ما أخبر الله به عبادَه من أمور المعاد؛ فالخشوع والتدبر هما المقصودان، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تأمل، وبالخشوع والتدبر تنشرح الصدور، وتستنير القلوب؛ ولذلك أخبر الله جل وعلا أن التذكر والتعقل هو ثمرة التدبر؛ فقال سبحانه: ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ï´¾ [ص: 29].

قال الطبري في تفسيرها: يقول - تعالى ذكره - لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: وهذا القرآن ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ï´¾ [ص: 29] يا محمد ï´؟ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ ï´¾ [ص: 29] يقول: ليتدبروا حجج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به[41].

فعلينا ألاَّ ننسى حظنا من القرآن؛ فإنه أساس الثبات إذا عصفت الفتن، وعلاج الأحزان إذا نزلت المحن، وشفاء إذا نالت منك الأسقام والعلل، وحظك إنما يكون منه أنفع وأوفر إذا فتحتَ لآيات الله قلبَك وتدبرتها وتأملتها؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ï´¾ [التوبة: 124].

أهمية التدبر:

وتكمن أهمية تدبُّر القرآن الكريم فيما يلي:
1 - الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى: فلقد أمرنا بذلك؛ فقال: ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ï´¾ [النساء: 82]، ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد: 24].

قال البيضاوي في تفسيرها: يتصفَّحونه وما فيه من المواعظ والزواجر؛ حتى لا يجسروا على المعاصي، ï´؟ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد: 24] لا يصل إليها ذِكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها التقرير، وتنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم، أو للإشعار بأنها لإبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها، كأنها مبهمة منكورة، وإضافة الأقفال إليها؛ للدلالة على أقفال مناسبة لها، مختصة بها، لا تُجانس الأقفال المعهودة[42].

2 - كذلك أهمية التدبر في أنه سبب لشحن النفوس نحو الخير، والبُعد عن الشر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الآية الواحدة مرات ومرات، ويقلِّبها ويتفكر فيها؛ إذ ليس هناك فائدة في أن يكرر الإنسان آية عشرات المرات إذا لم يكن فيها تقليب الآية والتفكر فيها، وكثير من الصحابة والصالحين كانوا يكررون كثيرًا من الآيات يتفكرون، وينظرون، ويعتبرون.

3 - والتدبر يعني الاهتمام، ثم التطبيق والممارسة، وهي النقطة الأهم في حياة الأمة، فإذا تدبرنا القرآن، نقلناه إلى حقول الممارسة، وميادين السلوك.

4 - ومن أهمية التدبر أنه سبب في تغيير حياة كثير من الناس، فقيمة القرآن الحقيقية في قدرته على التغيير، وهذا بلا شك يستدعي فهم معانيه، والتأثر بها، والعمل بمقتضاها، وفي مقدمة من غيَّر القرآنُ حياتَهم صحابةُ رسول الله، الذين كانوا يسمعون القرآن فيقولون: والله إنه ليس بقول البشر، وما هي إلا لحظات تفكر وتدبر قليلة، حتى يدخل ذلك الرجلُ في الإسلام دون تردُّد، وحينما كانوا يقرؤونه للتلاوة أو في صلاتهم، كانوا يقفون عند آياته وقوفًا طويلاً؛ لطلب الهداية علمًا وعملاً، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يغرركم من قرأ القرآن، إنما هو كلام نتكلم به؛ ولكن انظروا من يعمل به[43].

وإن أردت مثالاً لطريقة الصحابة في قراءة القرآن، فإليك هذا الأثرَ: عن أبي ذئب - رحمه الله - عن صالح قال: كنت جارًا لابن عباس - رضي الله عنهما - وكان يتهجد من الليل فيقرأ الآية، ثم يسكت قدر ما حدثتك، وذاك طويل، ثم يقرأ، قلت: لأي شيء فعل ذلك؟ قال: من أجل التأويل، يفكر فيه[44].

ويقول عباد بن حمزة: دخلت على أسماء - رضي الله عنها - وهي تقرأ: ï´؟ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ï´¾ [الطور: 27]، فوقفتْ عندها تعيدها وتدعو، فطال عليَّ ذلك، فذهبتُ إلى السوق فقضيت حاجتي، وهي تعيدها وتدعو[45].

كيف نتدبر القرآن العظيم؟

روى الإمام مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين))[46].

ما من شك في أن رفعة السلف الصالح كانت مصداقًا للشق الأول من هذا الحديث، وبسب التصاقهم بالقرآن الكريم فهمًا وتطبيقًا وحسن تدبر؛ رفعهم الله سبحانه.

وما من شك في أن سبب المذلة التي نعانيها اليوم هو مصداق للشق الثاني من الحديث، حيث ابتعدنا عن القرآن الكريم فهمًا وتطبيقًا وتدبرًا، فتداعتْ علينا الأمم، أو قاربنا أن نصل إلى هذه الحال.

لذا كان لزامًا علينا - إن كنَّا نريد لأمَّتنا أن تستعيد مجدها وشهودها الحضاري - أن نعيد تنظيم علاقتنا مع القرآن الكريم، وفق المنهج الذي ارتضاه الله لنا، وهذا المنهج يكمن في قوله تعالى: ï´؟ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد: 24].

ويكمن أيضًا في علاقة الرسول الكريم مع القرآن، فقد كان - عليه السلام - قرآنًا يمشي على الأرض، والصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا لا يتعلَّمون الآية، حتى ينتهوا من الآية التي سبقتها فهمًا وتدبرًا، فانعكس ذلك على سلوكهم وحياتهم؛ فلذلك رفعهم الله به.

وسار التابعون على ذلك، فارتقوا وارتفعوا، وجعلهم الله سادة للأمم، بعد أن كانوا رعاة للغنم، ثم خلف من بعدهم خَلْف، وجاءت أقوام جعلت العلاقةَ بينها وبين القرآن على غير الذي كانت عليه، وما زالت الهوة تتباعد، حتى وصل المسلمون إلى ما هم عليه الآن، وتنحَّت فكرة التدبر للقرآن جانبًا عند أكثر الناس لأسباب مختلفة، وتنحى بعدها الاهتمام بالدين شيئًا فشيئًا.

وحتى نعيد علاقتنا مع القرآن الكريم؛ فلا بد من التدبُّر؛ لأنه هو المفتاح الذي يعني الاهتمام، والمسلم اليوم لا ينقصه شيء مثل ما ينقصه الاهتمام بدينه وقرآنه.

وهنا يتأتى السؤال: ما الطريق التي توصلنا إلى التدبر؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن هناك بعض الأمور التي إن حققناها، تدبَّرنا القرآن تدبرًا حقيقيًّا، ومنها:
♦ الاهتمام بلغة القرآن: فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية؛ قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ï´¾ [يوسف: 2]، ï´؟ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ï´¾ [طه: 113].

فتلك أول خطوة في طريق تصحيح علاقتنا مع القرآن الكريم، فمَن يريد أن يتعامل مع القرآن، فلا بد أن يتفهم لغته، ويعتني بممارستها، ويتعرف على أساليبها، ويتذوق معانيَها، ويدرك مراميَها.

♦ الاهتمام بالصحيح من تفسير القرآن الكريم: ذلك أن النبي عليه السلام هو الناقل عن الله، وهو المبين للقرآن الكريم.

♦ الاهتمام بالتلاوة الصحيحة، والفهم الصحيح، والتطبيق السليم.

ثمرات تدبر القرآن:

إن لتدبُّرِ القرآن شأنًا عظيمًا، فهو مادة حياة القلب، وانشراح الصدر، وتجدد الإيمان؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ï´¾ [الإسراء: 9][47].

1 - صلاح القلب:
فتدبُّر القرآن شفاء من الشبهات والشهوات، وهو من أعظم وسائل الثبات، فبه تطمئن القلوب وتسكن، وبه تقر الأعين، وقد جمع ابن القيم رحمه الله ثمرات تدبر القرآن اليانعة، فقال: "فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العالمين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه.

فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّر حتى إذا مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن، فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب[48].

2 - صلاح العمل:

فإن الجوارح للقلب تبع، فإذا خشع القلب للحق، وشفي من الأمراض والأسقام بتدبُّر القرآن، انساقتْ لأوامره الجوارحُ، وظهر ذلك صلاحًا في العمل؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلَحَتْ، صلح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))[49].

ويقول ابن القيم رحمه الله: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته - من تدبُّر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها... تثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه، وتُقعد أركانه، وتُريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العِبر، وتشهده عدل الله وفضله،... وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرق به بين الهدى والضلال، والغنى والرشاد، وتعطيه قوة في قلبه، وحياة وسعادة وانشراحًا وبهجة وسرورًا، فيصير في شأن، والناس في شأن آخر.

كما يقول رحمه الله أيضًا: فإذا حصل المؤثِّر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووُجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفى المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر - حصل الأثر، وهو الانتفاع والتذكر[50].
يتبع







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.78%)]