عرض مشاركة واحدة
  #40  
قديم 13-02-2020, 04:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,473
الدولة : Egypt
افتراضي رد: زاد العقول شرح سلم الوصول

ولبيان العلة الجامعة مقدِّمتان:
أ - أن العِلَّة الثابتة في الأصل لا تثبت إلاَّ بالشرع.
ففي المثال الذي مرَّ بنا آنِفًا أنَّ علَّة تحريم الخمر الإسكار، فهذه العلَّة ثابتة بالشرع.

ب - أن العلَّة الموجودة في الفرع يَجُوز أن تثبت بالحسِّ، والعقل، والعُرْف، وأدلة الشرع.


ثانيًا: القياس باعتِبار الإثبات والنَّفي:
وينقسم القياسُ من هذا الوَجْه إلى قسمين:
1 - قياس الطَّرد: وهو ما اقتضى إثبات الحُكْم في الفَرْع؛ لِثُبوت عِلَّة الأصل فيه.

2 - قياس العكس: وهو ما اقتضى نَفْي الحكم عن الفرع؛ لنفْيِ علَّة الحكم فيه.0

قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى"9/239: "وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطَّرد، وقياس العكس، فإنَّه لما أهلك المُكَذِّبين للرُّسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أنَّ مَن فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيتَّقي تكذيب الرسل؛ حذرًا من العقوبة، وهذا قياس الطَّرد، ويعلم أن من لم يكذِّب الرُّسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس"؛ اهـ.


ثالثًا: القياس باعتبار محَلِّه:
وينقسم إلى قسمين:
1 - القياس في الأحكام العِلْميَّة "العقائد":
وهو لا يصحُّ، قال - تعالى -: ï´؟ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ï´¾ [النحل: 74].
وإن استَثْنَى منه العلماءُ "قياس الأَوْلَى"، إذا استُدِلَّ به على معرفة الله وتوحيده.
قال - تعالى -: ï´؟ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ï´¾ [النحل: 60].

فيُجْمع بين النصَّيْن من باب العامِّ والخاص، فالآية الأُولى عامَّة، والثانية خاصة، فيصير المعنى: لا تضربوا لله الأمثال إلاَّ المثل الأعلى.

فضَرْبُ الأمثال لله - عزَّ وجلَّ - من مَسالك أهلِ البِدَع والانحراف عن الجادَّة؛ لِذَا قَيَّد أهْلُ الحقِّ هذا بِقَصْره على ضرب المثَلِ الأعلى فقط كما جاءت النُّصوص، فالله - عزَّ وجلَّ - ï´؟ ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ï´¾ [الشورى: 11].

2 - القياس في الأحكام العملية "الفقهية":
وقد تَنازع بعض أهل العلم في حُجِّيته، فنَفاه ابن حزم، بينما جَعَلَه الأحناف في مقابل النَّص.
والصواب أنَّ القياس مصدر من مصادر التشريع، ومع ذلك فهو لا يعارِض النصَّ الصحيح.
فالعقل الصحيح لا يُخالف النص الصريح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"19/289: "ومن كان متبحِّرًا في الأدلة الشرعية أمكَنَه أن يَستدلَّ على غالب الأحكام الشرعية بالنُّصوص والأقيسة"؛ اهـ.

رابعًا: القياس باعتبار الصِّحة والفساد:
وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 - قياس صحيح: وهو ما جمَع بين مُتماثِلَيْن، ولم يوجد فيه فارقٌ مؤثِّر بين الفرع والأصل، كقِيَاس النَّبيذ على الخمر.
2 - قياس فاسد: وهو عكس "القياس الصحيح"، كقِيَاس المرأة على الرَّجل في المواريث بعِلَّة الآدمية.
3 - قياسٌ لم يتبيَّن كونُه صحيحًا أم فاسدًا.

قال الناظم:
73- وَالشَّرْطُ فِي الْعِلَّةِ أَنْ تَطَّرِدَا
دُونَ انْتِقَاصٍ سَرْمَدًا مُؤَبَّدَا
74- وَالشَّرْطُ فِي الْأَصْلِ ثُبُوتُهُ بِمَا
يَكُونُ عِنْدَ خَصْمِهِ مُسَلَّمَا
75- وَاشْتَرَطُوا فِي فَرْعِهِ الْمُنَاسَبَهْ
وَالْحُكْمُ كَالْعِلَّةِ وَهْيَ الْجَالِبَهْ



معاني المفردات:
♦ أن تُطَّردا: تُجْرى مجرى واحدًا مُتَّسقًا.
♦ سرمدًا: السَّرمد، الدائم الذي لا ينقطع.
♦ مسلَّما: مُقرًّا بصحته.
♦ الجالبة: يقال، جلب الشيء يعني: ساقه من مكان لآخر.


المعنى الإجمالي:
وبعد أن عرَّفنا القياس يتبقَّى لنا معرفة شروطه، فشرط العِلَّة أن تكون مُتَّسقة مُنضَبِطة من غير اضطراب، فمتى اضْطربَت فسَد القياس.
وشرط الأصل ثبوتُه بدليل صحيح مُسَلَّم بقبوله عند الجميع.

وشرط الفرع أن يكونَ مناسِبًا للأصل في الأمر الذي يُجمَع به بينهما للحُكْم، إمَّا أن تكون علَّة الفرع مُماثِلَة لعِلَّة الأصل في عينها، كقياس النَّبيذ على الخمر؛ لعِلَّة الإسكار، أو في جِنْسِها، كقياس وجوب القصاص في الأطراف على القياس في النَّفس بجامع الجناية.

وشرط الحكم أن يكون مِثْلَ العلَّة في الوجود والعدم.
فالحُكْم يدور مع العِلَّة وجودًا وعدمًا.
فمتى وُجِدَت العلَّة وُجِد الحكم، ومتى انتفت انتفى.


تتمات البحث:
التتمة الأولى:
1 - شروط العلَّة:
ذكَر منها صاحبُ الأصل - رحمه الله - "الاطِّراد"، وتَبِعَه النَّاظم على ذلك، وفاتَهما عِدَّة شروط، منها:
♦ أن تكون وصْفًا ظاهرًا جلِيًّا في "المَقِيس"، و"المقيس عليه".

♦ أن تكون وصفًا مناسِبًا للحُكْم، فيُفْضِي إلى جلب مصلحة، أو دَرْءِ مفسدة، كالقَصْر في السفر، مناسبٌ له؛ لأن السَّفر فيه مظنَّة المشقة والحَرَج؛ لذا قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((السَّفر قطعة من العذاب))؛ مُتَّفق عليه[3].

♦ أن تكون وصفًا متعدِّيًا، يعني لا تكون العلَّة قاصرة على حُكْم الأصل، بل يمكن تعديتها إلى الفرع، ومِثال العِلَّة القاصرة: "المرض" علَّةٌ لفِطْر رمضان، ولا يَصِحُّ تعديتها إلى أصحاب الأعمال الشاقة.

♦ ألاَّ تكون وصفًا مُلْغى: كاشتراك الولد والبنت في البنُوَّة للتسوية في الميراث؛ حيث أَلْغَى الشَّرعُ هذا الوصف، قال - تعالى -: ï´؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ï´¾ [النساء: 11].

2 - شروط تعدية الأصل إلى الفرع:
اكتفى المصنِّف - رحمه الله - وتبِعَه الناظم في ذِكْر شرط واحد فيما يشترط في الأصل حتى يُعَدَّى إلى الفرع؛ لما ذكر أنَّه لا بُدَّ أن يَثْبت نصٌّ مسلَّم به عند الاحتجاج.

وفاتَهُما:
♦ أن يكون حُكْمًا معقول المعنى؛ يَعني من الممكن أن تُدْرَك علَّة تشريعه، أمَّا العبادات الشرعية التعبُّدية المَحْضة فلا يصحُّ معها القياس، كعدد الصلوات، وجَلْدِ الزاني مائة جلدة.

♦ ألاَّ يكون حكمًا مختصًّا بالأصل فقط، كنكاح النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فوق أربعة، عن البراء - رضي الله عنه - قال: صلَّى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذات يوم، فقال: ((مَن صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلتَنا، فلا يذبح حتى ينصرف))، فقام أبو بُرْدة بنُ نيار فقال: يا رسول الله، فعَلْتُ، فقال: ((هو شيءٌ عجَّلْتَه))، قال: فإنَّ عندي جذعةً هي خيرٌ من مُسنَّتَيْن، آذْبَحُها؟ قال: ((نعَمْ، ثم لا تَجْزِي عن أحد بعدك))؛ متفق عليه[4].
فقَصْر الحكم عليه؛ فلا يجوز تعديته إلى غيره.

♦ ألاَّ يكون الحُكْم منسوخًا.

3 - شروط الحكم:
أن يكون مثل العلَّة في النفي والإثبات؛ أيْ: في الوجود والعَدَم، فإن وُجِدَت العلَّة وُجِدَ الحُكْم، وإن انتَفَت انتفى.

أمَّا إذا كان الحُكْم مُعلِّلاً بِعِلَل فلا يَلْزَم من انتفاء بعضِ تلك العللِ انتفاءُ الحكم، كالقَتْل، فإنَّه يَجِب بِسَبب الرِّدَّة، والزِّنا بعد إحصان، وقَتْل النَّفس المعصومة المماثلة، وترك الصَّلاة، وغير ذلك.

وإلى هذا أشار الناظم بقوله: والحُكْم كالعِلَّة.

[1] أخرجه البخاري في "صحيحه"، (كتاب الصوم، باب: من مات وعليه صوم، ح 1953).
وأخرجه مسلم في "صحيحه"، (كتاب الصوم، باب: قضاء الصيام عن الميت، ح 154).
واللفظ لمسلم.

[2] أخرجه البخاري في غير موضع من "صحيحه"، منها: (كتاب الطلاق، باب: إذا عرض بنفي الولد، ح 5305).
وأخرجه مسلم في "صحيحه"، (كتاب اللعان، ح 18، 19، 20).

[3] من حديث أبي هريرة.
أخرجه البخاري في غير موضعٍ من "صحيحه"، منها: (كتاب العمرة، باب: السفر قطعة من العذاب، ح 1804).
وأخرجه مسلم "صحيحه"، (كتاب الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب، 179).

[4] أخرجه البخاري في "صحيحه"، (كتاب العيدين، باب: الخطبة يوم الجمعة، ح 965).
وأخرجه مسلم في "صحيحه"، (كتاب الأضاحي، 9).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.20 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.57 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.40%)]