عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 12-02-2020, 04:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,593
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عقد التأمين في الفقه الإسلامي والقانون المقارن

عقد التأمين في الفقه الإسلامي والقانون المقارن (3)
د. عباس حسني محمد





عقد التأمين والغرر


المطلب الأول: الغرر في الفقه الإسلامي:

18- المقصود بالغرر لغة[1]:
الغرر ينطق كالضرر وهو لغة يقصد به الخطر وهو مشتق من الغرة وهي الغفلة والغر هو الغافل واغتر بالشيء خدع به.

19- الغرر شرعا:
المعنى الشرعي قريب من اللغوي وهو أن يكون محل العقد مجهولا أو معجوزا عنه أي غير مقدور على تسليمه كعبد آبق أو البعير شارد أو كالطير في الهواء أو السمك في الماء أو أي غائب مجهول مكانه فيكون المتعاقد غافلاً عن محل العقد. وعن أبي هريرة قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر)[2].

والحديث انتقل من التخصيص إلى التعميم لأن بيع الحصاة نوع من الغرر ويقصد به أن يقول بعتك من هذه الثياب ما تقع عليه الحصاة التي أرميها أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما تقع عليه الحصاة أو بعتك وأنت بالخيار إلى أن أرمي هذه الحصاة وبعد رميها يصير البيع لازما.

فهذا النوع من البيوع فيه جهالة من ناحية محل العقد فهو من بيوع الغرر. والعلة من النهي هنا هو أن بيع الغرر يؤدي عادة إلى النزاع وإلى إشاعة العداوة والبغضاء بين المتعاقدين ومن صور بيع الغرر بيع حبل الحبلة وهو من بيوع الجاهلية كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها والغرر هنا ناتج من الجهالة الفاحشة في الأجل. وعن عبد الله بن عمر (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة)[3] وهذا اللفظ عام فهو يشمل بيع الجاهلية آنف الذكر ويشمل أيضا أن يبيع ما في بطن الحبلة والجهالة هنا ترجع إلى المبيع ذاته وليس إلى الأجل.

ومن صور بيع الغرر أيضا حديث: نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الملامسة وبيع المنابذة[4].

والملامسة هي لمس الرجل ثوب الآخر بيده ليلا أو نهارا ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة أن ينبذ بثوبه (أي يطرحه) إلى الرجل وينبذ الآخر إليه بثوبه ويكون ذلك بيعا من غير نظر إلى الثوبين.

20- الغرر والقمار:
قال الله تعالى: ï´؟ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ï´¾[5] وروى عقبه بن نافع عن ابن عمر قال: (الميسر هو القمار) وقال الضحاك عن ابن عباس قال: (الميسر هو القمار كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة)[6].

وقال مالك عن داود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول (كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين). فالقمار أو الميسر لا يقتصر على اللعب بل هو يشمل البيوع أيضا. إذ كانوا يبيعون اللحم بالشاة والشاتين دون معرفة قدر اللحم فهذه جهالة فاحشة وهو ميسر أهل الجاهلية. ومن ميسر الجاهلية أيضا الضرب بالقداح على الأموال والثمار وهذا يؤدي إلى الجهالة الفاحشة في هذه الأموال.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن القمار إنما هو غرر فاحش بطبيعته وهو يؤدي عادة إلى العداوة والبغضاء بين الناس كما ذكر ذلك القرآن الكريم ï´؟ إنما يريد الشيطان إن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ï´¾[7] فالقمار نوع من الغرر لأن الغرر قد يكون يسيرا وقد يكون فاحشا والقمار غرر فاحش ولذلك يؤدي إلى العداوة والبغضاء بين الناس.

21- عقود لا تتأثر بالغرر:
إن المتتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجد أن هناك عقودا لا تتأثر بالغرر مهما كان فاحشا فالحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبرم عقودا وفيها غرر فاحش مما يدل على أن الغرر لا يؤثر على هذا النوع من العقود لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبرم عقودا باطلة.

ومن هذه العقود عقد هوازن[8] فإنه لما قدم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين بعد أن كان قد هزمهم وأخذ منهم سبيا وأموالا كثيرة فطلبوا بعد إسلامهم استرداد السبي والأموال فخيرهم صلى الله عليه وسلم بين السبي وبين المال فاختاروا السبي فخطب المسلمين المنتصرين (الذين وزعت عليهم السبي) فقال: (إني رددت على هؤلاء سبيهم فمن شاء طيب ذلك ومن شاء فإنا نعطيه عن كل رأس عشر قلائص من أول ما يفيء الله علينا) فهذه معاوضة عن الإعتاق كعوض الكتابة بإبل مطلقة في الذمة إلى أجل متفاوت غير محدود فهنا الغرر الفاحش وقع في الإبل موضوع العقد لأنها لم توصف وصفا نافيا للجهالة ووقع أيضا في الأجل لأنه لم يحدد.

ومن هذا أيضا ما رواه ابن عمر في حديث حنين[9] من أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل المشركين حتى ألجأهم إلى قصرهم وعاملهم على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يخلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة (وهي السلاح) ويخرجون منها فهذه مصلحة على مال متميز غير معلوم أي فيه غرر فاحش.

وعن ابن عباس[10] قال: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من السلاح يغزون بها. فهذه مصالحة على ثياب مطلقة معلومة الجنس ولكنها غير موصوفة بصفات السلم أي فيها غرر فاحش.

22- تقسيم العقود من ناحية التأثر بالغرر إلى عقود معاوضات مالية وعقود معاوضات غير مالية:
هذا التقسيم أساسه القصد من العقد (فالقصود في العقود معتبرة وتؤثر في صحة العقد وفساده وحله وحرمته[11] وباستقراء العقود التي أبرمها النبي صلى الله عليه وسلم وفيها غرر فاحش نجد أنها جميعها من عقود المعاوضات غير المالية أي أن المال ليس المقصود الأعظم منها بل هو أمر ثانوي.

والفقه الإسلامي يقسم بكل دقة عقود المعاوضات إلى عقود معاوضات مالية وعقود معاوضات غير مالية فالمالية هي مبادلة مال بمال كالبيع والسلم والصرف والقرض والصلح عن إقرار ويدخل فيها أيضا مبادلة المال بمنفعة المال لأن المنفعة تعتبر مالا عند الفقهاء ما عدا الأحناف[12] ومثال هذه العقود الإجارة والاستصناع والمزارعة والمساقاة والمضاربة.

وأما عقود المعاوضات غير المالية فهي مبادلة مال بما ليس بمال ولا منفعة مال كعقد الزواج وعقد الخلع وعقد الكتابة وعقود الصلح عن القصاص والجزية والصلح مع أهل الحرب فهذه العقود يدخلها عنصر آخر هام غير المال ولذلك فإنه إذا وقع الغرر الفاحش في المال (المقابل لذلك العنصر الهام غير المالي) فإنه لا يضر هذه العقود كما رأينا في عقود الصلح التي أبرمها النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الحرب وكعقد هوازن آنف الذكر.

وبالمثل فإن عقد الزواج عند بعض الفقهاء مبادلة مال بما ليس بمال وهو منافع البضع ولذلك فإن المهر يجوز عدم تحديده.

ويلاحظ أن بعض الفقهاء قد رأى بحق أن المهر إنما هو أثر من آثار عقد الزواج[13] وليس عوضا في عقد الزواج لأن العقد قد يبرم بدون ذكر المهر ويعتبر صحيحا.

وعلى كلا الرأيين يكون عقد الزواج بعيداً عن المعاوضة المالية لأن المال ليس عوضا هاما فيه أو ليس عوضا على الإطلاق.

وعقد الخلع هو عقد بين الزوجين تدفع بموجبه الزوجة مبلغا من المال مقابل أن يطلقها زوجها فقصد الزوجة هنا من دفع المال هو الحصول على الطلاق وهو المقصد الهام في العقد ولذلك جاز هنا وقوع الغرر الفاحش في المال المقابل لهذا المقصد غير المالي والهام في العقد.

وكذلك الحال في عقد الكتابة فإن المال ليس المقصود الأعظم من العقد ولكن المقصود هو تخلص الفرد من الرق ولذلك فإن مال الكتابة يجوز فيه الغرر الفاحش ويقال مثل هذا بالنسبة للصلح عن القصاص فإن المقصود هو أن يفتدي الجاني نفسه من المجني عليه أو وليه ولذلك فإن ما يدفعه يجوز فيه الغرر الفاحش وبالنسبة للصلح مع أهل الحرب فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصالح مع أهل الحرب بموجب عقود فيها غرر فاحش مما يقطع بعدم تأثر هذه العقود بالغرر.

ومن هذا يبين لنا أن العقود التي تتأثر بالغرر الفاحش إنما هي عقود المعاوضات المالية فقط. أما عقود المعاوضات غير المالية فإنها لا تتأثر بالغرر ومن باب أولى عقود التبرعات كالهبة والإبراء فإن المقصود منها هو نية التبرع أو النزول عن المال للغير بلا مقابل وهذا عكس تحقيق الربح ولذلك فهي لا تتأثر بالغرر من باب أولى.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(ولا يقاس على بيع الغرر كل عقد على غرر لأن الأموال إما أن لا تجب في هذه العقود أو ليست هي المقصود الأعظم فيها وما ليس هو المقصود الأعظم إذا وقع فيها غرر لم يفض إلى المفسدة المذكورة في البيع بل يكون إيجاب التحديد في ذلك فيه من العسر والحرج المنفى شرعا يزيد على ضرر ترك تحديده)[14].

والمالكية[15] قريبون من رأى ابن تيمية يجيزون هبة المجهول لأن التبرعات إحسان صرف كما يقولون والجهالة فيها لا تفضي إلى المنازعة وأما الأحناف فهم يشترطون عدم الغرر في جميع العقود حتى التبرعية ولكنهم يغتفرون في التبرعية مالا يغتفرونه في غيرها كالإبراء من المجهول[16] وهم يفتحون باب العرف لتصحيح عقود معاوضات مالية فيها غرر يسير.

وأما الشافعية[17] فهم أشد الجميع فيشترطون عدم الغرر في جميع عقود المعاوضات المالية وغير المالية والتبرعات.

23- لا تلازم بين الانعدام والغرر:
خلط الأحناف[18] والشافعية[19] بين الانعدام والغرر وجعلوا بينهما تلازما لا ينفك أبدا فذهبوا إلى عدم جواز التعاقد على المعدوم لأنه من قبيل الغرر واستندوا في ذلك إلى أحاديث صحيحة[20] حملوها على غير وجهها الصحيح فقد فهم الأحناف من هذه الأحاديث أن المعدوم بصفة عامة لا يصلح أن يكون محلا للتعاقد سواء أوجد فيه الغرر أم انتفى.

وقد توسع ابن تيمية[21] وابن القيم[22] من الحنابلة فأجازوا بيع المعدوم في جميع أنواع العقود بشرط ابتفاء الغرر الفاحش في عقود المعاوضات المالية وهذا يحصل بوصف المعدوم وصفا نافيا للجهالة ومن ثم فإن عقد الإجارة وهو بيع للمنفعة عقد صحيح أصلا وليس على خلاف القياس كما يزعم الأحناف والشافعية مستندين إلى أن المنفعة معدومة وقت التعاقد بالإضافة إلى أنها ليست بمال عند الأحناف. ولا جدال في أن المنفعة تكون معدومة وقت التعاقد ولكن العقد عليها صحيح ما دامت قد وصفت وصفا نافيا للجهالة وإذا كان التعاقد على ملك المنفعة فهو يشتمل هنا[23] على حق انتفاع المتعاقد بنفسه واستغلال المنفعة بالتصرف فيها.

وإذا اقتصر العقد على انتفاع المتعاقد بنفسه فإنه يبين هل العين للسكنى أم للتجارة مثلا.

ومن هذا يبين أنه يمكن تحديد المنفعة تحديدا ينفي الغرر رغم أن المنفعة وقت التعاقد تكون معدومة.

هذا وقد فرق الأحناف[24] بين الغائب الكائن وبين المعدوم فأجازوا بيع الغائب الكائن حتى ولو لم يوصف ولكنهم جعلوا للمشتري في هذه الحالة خيار الرؤية أي الحق في الفسخ حينما يرى المبيع الغائب واتفق بعض الحنابلة مع الأحناف في صحة خيار الرؤية. ولا ريب أن خيار الرؤية ينفى الغرر الفاحش الناتج عن عدم وصف الغائب الموجود.. هذا ومما يؤكد صحة الرأي الذي يقول ببيع المعدوم هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح عقد السلم[25] وهو عقد على معدوم وقت التعاقد ولكنه موصوف وصفا نافيا للجهالة.

وخلص من هذا إلى أن الرأي الصحيح في الفقه الإسلامي أنه يجوز التعاقد على المعدوم في جميع أنواع العقود لأنه لا تلازم بين الانعدام والغرر.

هذا ويشترط في حالة المحل المعدوم أن يوصف وصفا نافيا للجهالة إذا كان العقد من المعاوضات المالية وإذا كان العقد تبرعا أو معاوضة غير مالية فإنه لا يشترط وصفه وصفا نافيا للجهالة ويكفى تسميته لأن الغرر لا يؤثر على هذين النوعين من العقود طبقا للرأي الصحيح الذي نأخذ به هنا وهو رأي ابن تيمية.

24- مقرار الغرر المؤثر:
ذهب ابن تيمية إلى أن الغرر اليسير لا يؤثر على عقود المعاوضات المالية أي لابد أن يكون الغرر فاحشا وبنى على هذا جواز بيع المغيبات والمدفونات في الأرض كالجزر والفجل. ويجوز أيضا بيع الحب والثمر في قشره كالجوز واللوز في قشره الأخضر والحب في سنبله والبازلاء في قشرها الأخضر. لأن الغرر هنا يسير فيعفى عنه.

ومالك يجوز أيضا بيع هذه الأشياء لأن رأيه أن الغرر اليسير لا يؤثر. ولكن الشافعي لا يجيز هذه الأشياء في قوله الجديد.

وأبو حنيفة يجوز الغرر اليسير على أساس العرف فقط أي إذا تعارف الناس على عقود معاوضات مالية فيها غرر يسير فهي جائزة عنده للعرف ولذلك فهو يجوز بيع الباقلاء واللوز والجوز في قشورها لأن العرف جرى بذلك. والرأي الصحيح هنا هو أن الغرر اليسير يجب أن يعفى عنه في جميع العقود حتى عقود المعاوضات المالية وذلك لأن توقي الغرر اليسير يؤدي إلحاق الحرج والمشقة بالناس وهذا مخالف لأصل شرعي وهو أن الحرج مرفوع شرعا.

وأما الغرر الفاحش فلا خلاف في أنه يؤثر على عقود المعاوضات المالية ولكنه لا يؤثر على عقود المعاوضات غير المالية والتبرعات من باب أولى وهذا على الرأي الصحيح عند ابن تيمية ويوافقه في ذلك المالكية. وهو قريب من رأي أحمد. كما أسلفنا.

25- مسألة بيع كالئ بكالئ:
إذا اتفق المتعاقدان في عقد معاوضة مالية على بيع معدوم بمعدوم وقت التعاقد أو بيع دين في الذمة بدين في الذمة فالغالبية العظمى من فقهاء الإسلام يرون عدم صحة هذا حتى ولو وصف المعدوم وصفا نافيا للجهالة وهم يحتجون بحديث ضعيف رواه الدارقطني والطبراني فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ[26]. وعن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع كالئ بكالئ أي دين بدين[27].

ويقول الشوكاني في نيل الأوطار عن هذا الحديث: (إن الحاكم صححه على شرط مسلم وتفرد به موسى بن عبيد الربذي وقال فيه أحمد بن حنبل لا يحل الرواية عنه عندي ولا أعرف هذا الحديث من غيره وقال أيضا ليس هذا حديث يصح ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع الدين بالدين. وقال الشافعي أهل الحديث يوهنون هذا الحديث وفسروا الكالئ بالكالئ بالنسيئة بالنسيئة فلا يجوز بيع معدوم بمعدوم).

وقد ذهب ابن عمر والأوزاعي والثوري ومالك والأحناف والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصح بيع الدين بالدين أي بيع المعدوم بالمعدوم رغم إقرارهم بأن الحديث ضعيف لا يحتج به.

وأما المالكية فقد تخففوا عن غيرهم في بيع الكالئ بالكالئ.

فقد ذهب المالكية إلى اشتراط كون الثمن حالا في السلم لأنه إذا كان متعلقا بالذمة وتأخر المدة الطويلة وكان المسلم فيه مؤجلا إلى أجل بعيد فإن هذا من باب بيع الكالئ بالكالئ وهو غير جائز إلا أنهم مع هذا ذهبوا إلى أن قبض الثمن في مجلس السلم ليس بشرط فيجوز تأخيره اليوم واليومين بالشرط أي مع اشتراط ذلك خلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أن من شرط صحة السلم التقابض في المجلس ويرى المالكية أن تأخير اليوم واليومين لا يدخل في حكم الكالئ بالكالئ[28]. ولكن الحقيقة أن اشتراط ذلك يوما أو يومين إنما هو من قبيل بيع الدين بالدين.

ولا يكتفي المالكية بهذا بل إنهم ذهبوا أيضا إلى أن بيع المعدوم بالمعدوم بغير شروط جائز فقد قرروا أنه إذا لم يشترط الأجل (الأكثر من يومين) في رأس مال السلم وكان المتعاقد آخره فعلا مدة طويلة فإن السلم لا يفسد لأن العقد ليس به شرط الكالئ بالكالئ وهو في نفس الوقت لا يفسده التفرقة قبل القبض فلا مانع إذن من التأجيل.

وقال ابن وهب (من المالكية أيضا) أنه إذا تعمد أحد المتعاقدين تأخير رأس مال السلم لم يفسد وإن لم يتعمده أحدهما فسد ذلك لأنه في حالة ما إذا تعمد أحدهما هذا رغم أن حق الآخر قد تعلق بالعقد فإننا لو قلنا بفساد السلم هنا فإننا نمكن أحد المتعاقدين من الانفراد بإفساد العقد[29] وهذا مبنى على قول المالكية بأن الغرار من الأداء في الصرف لا يبطل الصرف وأما إذا لم يغر أحدهما فقد رضيا بإفساد العقد فيجب أن يفسد.

ولابن القيم هنا رأي يخالف أصوله لأنه يرى أصلا جواز بيع المعدوم طالما انتفى عنه الغرر فهو يقرر بصراحة أنه لا تلازم بين الانعدام والغرر ومع هذا فهو يقرر (أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة ولهذا سمي سلما ليسلم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه وكثرت المخاطرة ودخلت المعاملة في حد الغرر)[30].

وأما ابن تيمية فهو يرى - كما أسلفنا - جواز التعاقد على المعدوم مع انتفاء الغرر الفاحش وطبقا لأصوله لا يوجد ما يمنع من بيع الكالئ بالكالئ لأن بيع المعدوم عنده لا غرر فيه ما دام قد وصف وصفا نافيا للجهالة.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.22 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.10%)]