عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-02-2020, 05:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,714
الدولة : Egypt
افتراضي رد: منشأ الحسن البصري وصفة أحواله وأفعاله

منشأ الحسن البصري وصفة أحواله وأفعاله (2)





د. أحمد عبدالوهاب الشرقاوي


قال مالك بن دينار: دخلت يومًا على الحسن وهو يأكل، فقال: كُلْ يا ابن أخي، فقلت: أكلتُ، فقال: وإن فعلتَ، فأسعدني، فقلت: والله لقد شبعتُ، فقال الحسن: يا سبحان الله! ما كنتُ إخال أن مؤمنًا يأكل حتى يشبَع، فلا يقدر أن يُساعِد أخاه![1]

وقيل: حضر الحسن وليمةً، وحضرها رجل من المتقشِّفين، فلما قُدِّمت الحلواء، رفع يده رياءً وتصنُّعًا، فأكل الحسن، وقال: كلْ يا لُكع، فلَنعمةُ الله عليك في الماء البارد أعظمُ من نعمته عليك في الحلواء.[2]

وقيل: إن الرجل كان اختزل من الطعام دجاجةً، فقال الحسن: ردَّ ما هو عليك حرام، وكلْ إن شئتَ ما هو لك حلال، واحذر الرياء والتصنُّع؛ فإن الله تعالى يمقُت فاعلهما.[3]

وقيل: رأى الحسن شيخًا في جنازة، فلما فرغ من الدفن قال له الحسن: يا شيخ، أسألك بربك: أتظن أن هذا الميت يودُّ أن يردَّ إلى الدنيا، فيزيد من عمله الصالح، ويستغفر الله من ذنوبه السالفة؟ فقال الشيخ: اللهم نعم! فقال الحسن: فما بالُنا لا نكون كلنا كهذا الميت؟! ثم انصرف وهو يقول: أي موعظة؟ ما أبلغها لو كان بالقلوب حياة! ولكن لا حياة لمن تنادي.[4]

ولقيه رجل - وهو يريد المسجد في ليلة مظلمة ذات ردغ - فقال: أفي مثل هذه الليلة تَخرُج يا أبا سعيد؟! فقال: يا بن أخي، هو التسديد أو الهلكة[5] [6].

وكان - رحمه الله - صاحبَ ليل.

وكان يقول: ما رأيت شيئًا من العبادة أشد من الصلاة في جوف الليل، وإنها لمِن أفعال المتقين.[7]

وكان يقول: صلاة الليل فرض على المسلمين، ولو قَدْرَ حلبِ شاة أو فُواق ناقة.[8]

وكان يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل، ولا صيام النهار، فاعلم أنك محروم؛ قد كبَّلتْك الخطايا والذنوب.

وكان يقول: منعَ البرُّ النومَ، ومن خاف الفوات أدلج.[9] [10]

وقال له رجل: يا أبا سعيد، أعياني قيام الليل فما أطيقه! فقال: يا بن أخي، استغفر الله، وتب إليه، فإنها علامة سوء.

وكان يقول: إن الرجل ليذنب الذنب فيُحرَم به قيام الليل.

وقيل: حاول الحسن الصلاة ليلةً، فلم تُطاوعه نفسه، فجلس سائر الليلة لم ينَم فيها حتى أصبح، فقيل له في ذلك، فقال: غلبتني نفسي على ترك الصلاة، فغلبتُها على ترك النوم، وايم الله، لا أزال بها كذلك حتى تذلَّ وتُطاوع.

وكان يقول: إن النفس أمَّارة بالسوء، فإن عصتْك في الطاعة، فاعصِها أنت في المعصية.

وقيل لعبدالواحد صاحب الحسن: أي شيء بلغ الحسن فيكم إلى ما بلَغ، وكان فيكم علماء وفقهاء؟ فقال: إن شئتَ عرفتك بواحدة، أو اثنتين، فقلت: عرفني بالاثنتين، فقال: كان إذا أمر بشيء أعمل الناس به، وإذا نهى عن شيء أترك الناس له، قلت: فما الواحدة؟ قال: لم أر أحدًا قط سريرته أشبه بعلانيتِه منه.[11]

وقيل للحسن في شيء قاله: ما سمعنا أحدًا من الفقهاء يقول هذا، فقال: وهل رأيتم فقيهًا قطُّ؟! إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، الدائب على العبادة، الذي لا يُداري ولا يماري، ينشر حكمةَ الله، إن قُبلت منه حمد الله، وإن رُدَّت عليه حمد الله.[12]

وقيل: خطب إليه رجل ابنته، وبذل لها مائة ألف درهم، فقالت أمها: زوِّجه؛ فقد أرغبها في الصداق، وبذل لها ما ترى، فقال الحسن: إن رجلاً بذل في صداق امرأة مائة ألف لجاهلٌ مغرور يجب ألا يُرغَب في مُناكحتِه، ولا يُحرص على مصاهرته، وترك تزويجه، وزوَّجَها من رجل صالح.

وقيل: شاوَرَه رجل فقال: يا أبا سعيد، لي ابنة أحبها، وقد خطبها رجال من أهل الدنيا، فمن ترى لي أن أزوجها؟ فقال: زوجها مِن تقيٍّ؛ إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغَضَها لم يَظلِمها.

وقيل ليوسف بن عبيد: هل تعرف رجلاً يعمل بعمل الحسن؟ فقال: رحم الله الحسن، والله ما أعلم أحدًا يقول بقوله، فكيف يعمل بعمله؟! كان - والله - إذا ذُكرت النار عنده كأنه لم يُخلق إلا لها، وما رئي قط إلا وكأن النار والجنة بين عينيه خشيةً ورجاءً، لا يَغلب أحدهما صاحبه[13].

وقال حميد خادم الحسن: دخلنا على الحسن في بعض عِلَله نعوده، فقال: مرحبًا وأهلاً بكم، حياكم الله بالسلام، وأحلنا وإياكم دار المقام.

فقلنا: عِظنا يرحمك الله؛ فإنا نرجو الانتفاع بما نسمع منك.

فقال: هذه علانية حسنة إن صدقتم وصبرتم واتقيتم، معاشر إخواني، لا يكن حظكم من الخير سماعه بأذن، وخروجه من أذن، فإنه مَن رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم رآه غاديًا ورائحًا، لم يضع لبنةً على لبنة، ولا قصبةً على قصبة، بل رفع له صلى الله عليه وسلم علَم الهداية، فشمر إليه، فهنيئًا لمن اتبع سببه، واقتفى أثره، الوحا الوحا، ثم النجاء النجاء، علام تفرحون ولا تحزنون؟ أتيتم - ورب الكعبة - كأنكم والله والأمر قد جاء معًا، والسعيد من اعتدَّ له[14] [15].

قال أبو عبدالرحمن: دخلنا على الحسن وهو عليل، فأحضر كاتبًا ليَكتُب وصيةً، ثم قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ فإن الحسن عبدالله وابن أَمَته، يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، من لقي الله بها صادقًا لسانه، مخلصًا قلبه، أدخله الله الجنة.

ثم قال: سمعت معاذًا يقول ذلك، ويُوصي به أهله، ثم قال معاذ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، ويوصي به أهله.[16]

وقيل: لما احتضر الحسن، جزع جزعًا شديدًا، فقال له ولده: لقد أفزعتنا بجزعك هذا يا أبت، فقال: يا بُني، قد جاء الحق وزهق الباطل، وهأنا أصاب بنفسي التي لم أُصَب بمثلها.

وقال مالك بن دينار: رأيت الحسن - رحمة الله عليه - في منامي - بعد أن مات - مسرورًا، شديد البياض، تبرق مجاري دموعه، فقلت: ألست من الموتى؟ فقال: بلى! قلت: فماذا صرت إليه بعد الموت، فلعمري لقد طال حزنك في الدنيا؟ فقال: رفع - والله - لنا ذلك الحزن علم الهداية إلى منازل الأبرار، فحللنا بثوابه مساكن المتقين، وايم الله، إنْ ذلك إلا مِن فضل الله علينا، قلت: فما تأمرنا به يا أبا سعيد؟ قال: وما عسى؟ إنَّ أطوَلَ الناس حزنًا في الدنيا أطولهم فرحًا في الآخرة.

وقال صالح المري: دخلتُ على الحسن يومًا، فسمعتُه يُنشِد:[17]
ليس من مات فاستراح بمَيْت
إنما الميْت ميِّتُ الأحياءِ

إنما الميْت من تراه كئيبًا
كاسفًا بالُه قليل الرجاء[18]



وكان إذا أصبح وفرغ من تسبيحه، أنشد:
وما الدنيا بباقية لحيٍّ
ولا حي على الدنيا بباقي[19]



وإذا أمسى، بكى وتمثَّل:
يسُر الفتى ما كان قدَّم مِن تقًى
إذا عرف الداء الذي هو قاتله[20]



قال حميد: دخلنا على الحسن يومًا، فوجدناه يبكي وينشد:
دعُوه لا تلوموه دعوهُ
فقد علم الذي لم تعلموهُ

رأى علَمَ الهُدى فسما إليه
وطالب مطلبًا لم تَطلُبوهُ

أجاب دعاءه لما دعاه
وقام بأمرِهِ وأضعتُموهُ

بنفسي ذاك مِن فَطِن لبيب
تذوَّق مطعمًا لم تطعَموهُ[21]



قال: وسمعته يومًا آخر يبكي ويقول: أي ربِّ، متى أؤدي شكر نعمتك التي لا تؤدى إلا بنعمة محدَثة، ومعونة مجددة؟! ما أخسر صفقة من صُرف عن بابك، وضُرب دونه حجابك! ثم أنشد:
إذا أنا لم أشكرْكَ جهدي وطاقتي
ولم أصف من قلبي لك الودَّ أجمَعَا

فلا سلمَتْ نفسي من السقم ساعةً
ولا أبصرَتْ عَيني من الشمس مطلَعَا



ثم استغفر وبكى، وقال: القلب الذي يحبُّ اللهَ يحب التعب، ويؤْثِر النصَب، هيهات! لا يَنال الجنة من يؤثر الراحة، من أحب سَخا، من أحب سخا بنفسه إن صدق، وترك الأماني؛ فإنها سلاح النوكى.[22]

وقال له رجل يومًا: يا أبا سعيد، ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟! قال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسَهم مِن نوره، فهو يبدو على وجوههم.[23]
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.25 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.52%)]