حقيقة العقد في الفقه الإسلامي والقانون
د. عباس حسني محمد
ج- العهد:
في اللغة هو الوصية يقال: عهد إليه بعهد إذا أوصاه والعهد هو الأمان والموثق والذمة، والعهد هو كل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد والعهد: الموثق واليمين يحلف بها الرجل والعهد أيضاً: الوفاء وفي التنزيل: ï´؟ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ï´¾ [الأعراف: 102]، أي من وفاء. والعهد والعهدة واحد فيقال: برئت إليك من عهدة هذا العبد أي مما يدركك فيه من عيب كان معهوداً فيه عندي: أي من التزامي بعيب هذا العهد وتطلق العهدة على كتاب الحلف والشراء [27].
هذا ويستعمل الفقهاء لفظ العهدة في ضمان الثمن فيقولون: ضمان العهدة أو ضمان الدرك أي إدراك العيب ويقصد به ضمان الثمن عن المشترى إذا لم يكن البائع قد تسلمه بعد من المشتري ثم ظهر في الثمن عيب أو استحق ولم يستطع البائع الحصول على الثمن من المشتري فيرجع على الضامن [28] فالعهد - إذن - له عدة معان متقاربة أكثرها يرجع إلى العقد بصفة عامة أو الالتزام المتولد عن العقد.
د- وأما الوعد:
فهو إلزام الشخص نفسه حالاً بأمر يفعله في المستقبل وهو في الحقيقة نوع من العقد بالإرادة المنفردة، والأجل وصف فيه، ويجب أن يكون الأصل في الوعد الإلزام لأن الله تعالى جعل خلف الوعد شعبة من شعب النفاق كما جاء في الحديث الصحيح [29]، ولذلك فإن ما ذهب إليه بعض الفقهاء (جمهور الحنيفة) من أن الوعد الصحيح ديانة ولكنه ليس بلازم قضاء محل نظر، فالرأي الصحيح هو أن الوعد ملزم قضاء أيضاً لأن تحريم خلف الوعد إنما هو لذات الفعل وليس لشيء خارجي متعلق به. وقد ذهب جمهور الفقهاء[30] إلى أنه إذا تعلق النهي بذات الفعل أو لجزئه فإن النهي هنا يفضي إلى الفساد المرادف للبطلان أي لا يعتد بالفعل قضاء لأنه محرم ديانة، وتخريجاً على ذلك يتعين القول بأن خلف الوعد باطل قضاء لأنه ديانة. هذا وقد صرح بعض فقهاء الحنفية بأن الوعد ملزم قضاء أيضاً: جاء في جامع الفصولين ما يأتي: [لو ذكروا البيع بلا شرط ثم ذكروا الشرط على وجه الوعد جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد إذ المواعيد قد تكون لازماً فيجعل لازماً لحاجة الناس][31] فالوعد هو عقد بالإرادة المنفردة يتضمن التزاماً إما معلقاً على شرط أو مؤجلاً وأكثره مؤجل والمعلق كأن يقول: إن نجحت في الامتحان أعطيتك جائزة أو إن ولد لي ولد منحتك مبلغاً من المال، ويلاحظ هنا أن جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة ذهبوا إلى أنه لا يجوز تعليق عقود التمليكات - سواء بعوض كالبيع أو بغير عوض كالهبة - ولكن الأصح هو الجواز وهو رأي ابن تيمية وابن القيم [32]، وسيفصل هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
هذا ويثور بالنسبة إلى الوعد المعلق مسألة تاريخ نشوء العقد الذي ترتب عليه الوعد الملزم، فالعقد هنا هو الصيغة الصادرة من الواعد والمتضمنة للوعد المعلق أو المؤجل، وقد ذهب الحنيفة ومعهم المالكية إلى أن تعليق العقد على الشرط يترتب عليه عدم وجود العقد إلا بعد تحقق الشرط [33] وذهب الشافعية ومعهم الحنابلة إلى أن العقد موجود قبل تحقق الشرط ولكن آثاره موقوفة على تحقيق الشرط، فالصيغة وهي السبب موجودة فور صدورها قبل تحقق الشرط وأما الحكم وهو أثر العقد فهو متوقف على حصول الشرط، ويحتج الشافعية على الحنفية - هنا - بأنه إذا صدر عقد معلق ممن هو أهل للتعاقد، ثم قبل تحقق الشرط المعلق عليه خرج العاقد من أهليته، وبعد ذلك وجد المعلق عليه فإن الحكم لا محالة ظاهر والعقد يتم، فإذا قال الرجل لامرأته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق ثم خرج من أهليته وكلمت هي فلاناً بعد ذلك فالطلاق واقع حتى عند الحنيفة والمالكية لأنه وقت إنشاء الصيغة كان أهلاً لإيقاعه، وهذا يدل - بيقين - على أن العقد كان قائماً موجوداً باعتباره سبباً رتب الشارع الحكم عليه من وقت وجود الصيغة وإلا لما وقع الطلاق بعد أن فقد العاقد أهليته، وأما حجة الحنفية فهي تقوم على أساس أن العقد المعلق عليه قد لا يوجد فكيف يقال إن العقد وجد فعلاً وانعقد ثم يقال بعد ذلك إنه لم ينعقد إذا لم يتحقق الشرط، ولكن هذه الحجة واهية لأن العقد المعلق موجود على خطر الزوال إذا لم يتحقق الشرط، وحكمه غير موجود إلا بعد تحقق الشرط، وأنه لمن الواضح أن حجة الشافعية ومن معهم أقوى من حجة الحنفية ومن معهم [34].
[1] لسان العرب - القاموس المحيط - معجم مقاييس اللغة.
[2] المفردات في غريب القرآن للأصبهاني ص 510.
[3] أحكام القرآن للجصاص في تفسير قوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ï´¾ [المائدة: 1]، ج2 ص 294، 295.
[4] المغني لابن قدامة ج 4 ص 468، 473.
[5] المغني لبن قدامة ج 4 ص 480، 481.
[6] المغني لابن قدامة ج 5 ص 491 وما بعدها.
[7] منح الجليل على مختصر خليل للشيخ عليش ج 4 ص 648، ومالك يرى أن القبول شرط في صحة الوصية ومعنى ذلك أنها تنعقد بإرادة الموصي وحدها ولكن لا تتم إلا إذا رضي الموصى له منعاً للمنة.
[8] بدائع الصنائع للكاساني ج 6 ص 155.
[9] المغنى لابن قدامة ج 4 ص 483.
[10] المدخل للفقه الإسلامي للدكتور سلام مدكور ص 576.
[11] الفروق للقرافي ج 1 ص 63.
[12] المغني لابن قدامة ج 3 ص 563 وما بعدها - حاشية ابن عابدين ج4 ص 527 فتح القدير ج 5 ص78.
[13] فالشافعية يشترطون اتصال القبول بالإيجاب فور صدوره من غير وجود فاصل ولو يسيراً ولكنهم في الوقت نفسه أثبتوا للقابل خيار المجلس حتى لا يضار من هذه الفورية (نهاية المحتاج للرملي ج 3 ص 8) ولم يأخذ الحنفية بالفورية خلافاً للقياس ومراعاة للعرف والتيسير على الناس في التعامل (حاشية ابن عابدين ج 4 ص 527 وما بعدها) ويرى الحنابلة عدم الفورية ولكنهم - على عكس الحنيفة - للقابل خيار الرجوع مثل الشافعية (المغني لابن قدامة ج 3 ص 563 وما بعدها ولا يأخذ المالكية بالفورية ولا خيار المجلس وإنما يأخذون بالإيجاب الملزم فلا يملك الموجب الرجوع ما دام المجلس قائماً (مواهب الجليل ص 340) وسيفصل هذا في حينه إن شاء الله تعالى.
[14] وسيفصل هذا الموضوع في حينه - إن شاء الله تعالى - مع بيان الخلاف الفقهي في هذا الشأن.
[15] الوجيز في فقه الإمام الشافعي للغزالي ج1 ص240 فالشافعية يقرون بأن الجعالة تنعقد بإرادة الجاعل المنفردة وهم في هذا يعنون قطعاً حالة علم العامل بالجعل لأنهم أبطلوا الجعالة في حالة عدم علم العامل واعتبروها تبرعاً فيقول الغزالي:
[وإذا رد الآبق ولم يعلم بالجعالة فهو متبرع ولا شيء له] (الوجيز ص240).
[16] رواه البخاري في باب ذمة المسلمين وجوارهم من كتاب الخمس.
[17] يراجع كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني إملاء السرخسى ج 1 ص 253 وبهذا قال أكثر أهل العلم (انظر المنتقى للباجى ج 3 ص 172، نهاية المحتاج للرملي ج 8 ص 80، والمغني لا بن قدامة ج 9 ص 226).
[18] المنتفي للباحي ج 3 ص 172، حاشية ابن عابدين ج 4 ص 135، المغني لا بن قدامة ج 9 ص 228.
[19] يراجع في هذا نهاية المحتاج للرملي ج 8 ص 80 .
[20] القاموس المحيط، واللسان مادة (صرف).
[21] لم يعرف الفقهاء التصرف ولكن معناه يفهم من إطلاقهم التصرف على القول والفعل جميعاً فمثلاً يقول ابن قدامة: [وكل من صح تصرفه في شيء بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل رجلاً أو امرأة .... ويجوز التوكيل في تحصيل المباحات كإحياء الموات وإسقاء الماء والاصطياد والاحتشاش ويجوز التوكيل في إثبات القصاص..] [المغني ج 5 ص 87، 89 ] فالتصرف هنا أطلق على ما هو بالبيع والإجارة وغير ذلك من العقود.
[22] فتطلق كلمة الحق باعتبارها من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته كما في قوله تعالى: ï´؟ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ï´¾ [المؤمنون: 71 ]، وقوله تعالى: ï´؟ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ï´¾ [الكهف: 44]، ï´؟ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ï´¾ [الأنعام: 62 ]، وتستعمل الكلمة بمعنى الصدق كما في قوله تعالى: ï´؟ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ï´¾ [ص: 84 ]، وقوله تعالى: ï´؟ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا ï´¾ [الأنعام: 30 ]، وقوله تعالى: ï´؟ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ï´¾ [الرعد: 14]، وقوله تعالى: ï´؟ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ï´¾ [يونس: 53 ]، وتستعمل بمعنى العدل كما في قوله تعالى: ï´؟ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ï´¾ [غافر: 20 ]، وقوله تعالى: ï´؟ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ï´¾ [الأنعام: 151]، وقوله تعالى: ï´؟ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ï´¾ [البقرة: 61 ]، وتستعمل بمعنى الحكمة كما في قوله تعالى: ï´؟ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ï´¾ [الأنعام: 73]، وتستعمل بمعنى الإسلام كما في قوله تعالى: ï´؟ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ï´¾ [البقرة: 119]، وقوله تعالى: ï´؟ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ï´¾ [النساء: 170]، وقوله تعالى: ï´؟ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ï´¾ [التوبة: 29 ]، وتستعمل الكلمة فيما هو ضد الباطل كما في قوله تعالى: ï´؟ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 42]، وتستعمل الكلمة بمعنى الحظ والنصيب أو الشيء الواجب للشخص قال تعالى: ï´؟ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ï´¾ [هود: 79 ]، وقال تعالى: ï´؟ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ï´¾ [الذاريات: 19 ]، وقال تعالى: ï´؟ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ï´¾ [الأنعام: 141 ]، أي ما وجب فيه من حظ.
[23] تحرير الكلام للخطاب ضمن فتح العلى المالك 1 / 217.
[24] مذكرة مطبوعة في الالتزامات للشيخ أحمد إبراهيم ص 21 مكتبة كليه الحقوق جامعة القاهرة.
[25] نقلاً عن المدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد سلام مدكور ص 705 الطبعة الأول سنة 1380هـ سنة 1960م .
[26] ولذلك نجد أن تعريف الشيخ أحمد إبراهيم (من المعاصرين) للالتزام شمل إيجاب الإنسان أمراً على نفسه إما بإرادته واختياره وإما بإلزام الشارع له.
[27] لسان العرب مادة (عهد) بتصرف قليل.
[28] ويلاحظ هنا أنه على قول من منع ضمان الأعيان فإن ضمان العهدة يكون قاصراً على الثمن سواء أكان الضمان عن المشترى أم عن البائع وضمانه عن البائع للمشتري يكون في حالة ما إذا ضمن الضامن عن البائع الثمن المدفوع إليه من المشتري متى خرج المبيع مستحقاً أو رد بأرش العيب [يراجع المغنى لابن قدامة ج4 ص596, مغنى المحتاج للشربيني ج2 ص202, والوجيز للغزالي ج1 ص184].
[29]"آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان " متفق عليه البخاري في باب علامة المنافق من كتاب الإيمان ومسلم في باب بيان خصال المنافق كتاب الإيمان.
[30] كتاب إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني ص 11 1 وما بعدها.
[31] جامع الفصولين لابن قاض سماوة ج 1 ص 171، حاشية ابن عابدين ج 5 ص 84.
[32] إعلام الموقعين لابن القيم ج 3 ص 288.
[33] كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري ج 2 ص 272 وما بعدها.
[34] يراجع في هذا كله فتح القدير ج 3 ص 99 وما بعدها، حاشية ابن عابدين ج 3 ص 733 وما بعدها. شرح الزرقاني على خليل ج 8 ص 125 وما بعدها شرح المنهاج للجلال المحلي ج 3 ص 335 وما بعدها.