عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 11-02-2020, 04:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي حقيقة العقد في الفقه الإسلامي والقانون

حقيقة العقد في الفقه الإسلامي والقانون


د. عباس حسني محمد





المبحث الأول

حقيقة العقد في الفقه الإسلامي



1- العقد لغة:

هو الجمع بين أطراف الشيء وتقويتها، يقال: عقد طرفي الحبل إذا وصل أحدهما بالآخر بعقدة تمسكها فأحكم وصلها. ويطلق على الضمان والعهد يقال: عاقدته على كذا إذا عاهدته عليه. ويطل على الوجوب يقال: عقد البيع إذا أوجبه، وجميع هذه المعاني تدور حول معنى الربط والشد [1].


وقد اتفق أئمة اللغة على أن إطلاق العقد على الأجسام (أي الإطلاق الحسي) يعد إطلاقاً حقيقاً، وإطلاقه على المعاني (أي المعنوي) فللعلماء فيه قولان: الأول: أنه إطلاق حقيقي والثاني أنه إطلاق مجازي [2].


2- العقد في الاصطلاح الفقهي:

ذكر أبو بكر الجصاص أن له معنيين: [العقد هو ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو أو ما يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه فسمى البيع والنكاح وسائر عقود المعاوضات عقوداً لأن كل واحد من طرفي العقد ألزم نفسه الوفاء به، وسمي اليمين على المستقبل عقداً لأن الحالف ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من الفعل أو الترك، وكذلك العهد والأمانة لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها وكذا كل ما شرط الإنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد وكذلك النذور وما جرى مجرى ذلك [3]].


ويلاحظ أن كثيراً من الفقهاء عندما يعرفون العقد يقتصرون على المعنى الذي يقترن في الإيجاب بالقبول ولا يذكرون العقد بإرادة الموجب وحده، ولكن يلاحظ أيضاً أن هذه التعريفات جاءت تخص عقوداً بإرادتين كالبيع والإجارة.. إلخ ولذلك فإنهم - في الوقت نفسه - عندما ما يذكرون التصرفات التي بإرادة منفردة كالطلاق والعتاق واليمين فإنهم لا يترددون في إضافة كلمة عقد إليها مما يؤكد أن الاقتصار على المعنى الأول لا يقصد منه إنكار المعنى الثاني، والأهم من هذا كله أن المعنى الثاني (العقد بالإرادة المنفردة) ثابت في كتاب الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: 89]، أي عقد اليمين الملزم.


فالعقد في الفقه الإسلامي - إذن - يشتمل على نوعين:
أحدهما: عقد بإرادتين على الأقل وهذا مثل عقود البيع والإجارة والشركة وسائر العقود التي يشترط فيها تلاقي الإيجاب بالقبول.


وثانيها: عقد بإرادة واحدة وهو ما يسمى العقد بالإرادة المنفردة - في الاصطلاح الحديث - فهو ينعقد بمجرد الإيجاب من العاقد فيلزم نفسه بالعقد وهذا مثل عقود اليمين والنذر والحوالة، عند الحنابلة فهي تنعقد بإرادة المحيل وحده إذا كان المحال عليه مليئاً [4]، والضمان عند الحنابلة فهو ينعقد بإرادة الضامن وحده [5]، والوقف على غير معين (كالمساكن والمساجد) هو من عقود الإرادة المنفردة باتفاق الفقهاء والوقف على معين يعتبر من عقود الإرادة المنفردة عند بعض الفقهاء وهو بإرادتين عند بعضهم الآخر [6].


والوصية على غير معين تعتبر من عقود الإرادة المنفردة - كالوقف على غير معين - باتفاق الفقهاء وأما الوصية لمعين فهي تفتقر إلى القبول عند جمهور الفقهاء، وفي قول ضمني لمالك [7] أن الوصية تنعقد بالموت (أي موت الموصي) ويحكم بذلك قبل قبول الموصى له. وتعتبر الهبة من عقود الإرادة المنفردة عند بعض فقهاء الحنفية وهم شيخ الإسلام خواهر زادة والكاساني والبابرتي [8]. والجعالة هي من عقود الإرادة المنفردة في الحقيقة، وهي تؤول إلى اللزوم عند الحنابلة [9] لأنها لا تكون إلا معلقة على شرط وهو قيام المجعول له بالعمل المطلوب، فإذا تحقق هذا الشرط التزم الجاعل بموجب إرادته المنفردة بأداء الجعل للعامل وقد يقال هنا إن الجعالة قد تمت بالقبول الضمني للعامل بقيامه بالعمل المطلوب [10] ولكن يلاحظ على هذا القول أن الشرط اللغوي "أي الذي يأتي على لسان المتعاقد" إنما هو في الحقيقة سبب أي يلزم من وجوده الوجود كما يلزم من عدمه العدم وذلك على عكس الشرط الشرعي فهو لا يلزم من وجوده الوجود، ولعل القرافي هو أول من تفطن لهذه الحقيقة [11]وقد مثل القرافي للشرط اللغوي بقول الزوج: إن دخلت الدار فأنت طالق فيلزم من دخول الدار الطلاق ويلزم من عدم الدخول عدم الطلاق، ومنه أيضاً قول السيد لرقيقه: إن جاء ابني من السفر فأنت حر فيلزم من مجيء ابنه عتق عبده ومن عدم مجيئه عدم عتق عبده. وما دام الشرط اللغوي سبباً في الحقيقة فإن مجرد اشتراط الجاعل - حتى قبل معرفة المجعول له - على نفسه يعتبر سبباً لعقد الجعالة، ولما كان التعليق صادراً بإرادة الجاعل المنفردة فإن الجعالة تنعقد بإرادته المنفردة ويلزم الجعل بمجرد تحقق الشرط الذي علق عليه الجاعل دفع الجعل لأن الشرط اللغوي سبب كما قدمنا. ويلاحظ أيضاً أنه من الصعب اعتبار العامل قابلاً ضمناً لإيجاب الجاعل لأن الفقهاء[12] يشترطون بصفة عامة أن يصدر القبول متصلاً بالإيجاب في مجلس العقد إن كان المتعاقدان حاضرين دون أن يفصل بينهما فاصل وإذا كان أحدهما غائباً فيجب عليه بمجرد وصول الإيجاب إلى علمه أن يظهر رأيه ليتصل قبوله بالإيجاب دون فاصل وذلك على الخلاف المعروف بين الفقهاء بخصوص مجلس العقد[13] فإذا علمنا أن العامل - في الجعالة - لا يصدر منه أي قبول وإنما يشرع في العمل وهو قد يشرع فيه سراً دون أن يخطر به الجاعل والأصل هنا أنه لا بد من علم الموجب بالقبول في التعاقد بين غائبين لأنه يجب سماع كل من المتعاقدين عبارة الآخر حقيقة أو حكما[14] والسماع الحكمي هو الكتاب إلى الغائب أو الإعلان الجاعل عن الجعالة فإذا شرع العامل في العمل دون أن يعلم الجاعل بذلك وهو الموجب فإن هذا الشروع لا أثر له - إذا اعتبرناه قبولاً ضمنياً - إلا إذا وصل إلى علم الموجب ولذلك فإن الجعالة - في الحقيقة - تنعقد بدون قبول، أي هي من عقود الإرادة المنفردة وقد صرح الغزالي من الشافعية بذلك إذ يقول: [ولا يشترط في الجعالة تعيين العامل لمصلحة العقد وكذلك لا يشترط القبول قطعا[15]].


والواقع أن عدم اشتراط القبول هو النتيجة الحتمية لقول الفقهاء إن الجعالة تجوز لعامل غير معين.


وعقد أمان المسلم للحربي:

ينعقد بالإرادة المنفردة عند الغالبية فقد روي عن علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل" [16] وقد فهم الفقهاء [17]من هذا الحديث الصحيح أن الأمان إذا أعطي من المسلم للحربي حرم قتله والتعرض له وهذا الأمان ملزم لجميع أفراد الأمة وللدولة نفسها (مع مراعاة شروط عدم الافتئات على الإمام) ومن حاول نقض هذا الأمان فهو ملعون بنص الحديث وعقد الأمان يقع بإرادة المسلم المنفردة عند المالكية والحنفية والحنابلة [18] وأما عند الشافعية فلا بد فيه من قبول الحربي فهو ليس من عقود الإرادة المنفردة عندهم فقد صرحوا بأن عقد الأمان كعقد الهبة - عندهم - لا بد فيه من قبول الكافر [19].


3- اصطلاحات أخرى قد تلتبس بالعقد: التصرف - الالتزام والحق - العهد - الوعد:
لعله من المفيد أن نوضح هذه الاصطلاحات التي لها صلة كبيرة بالعقد وقد تلتبس به.
أ‌- التصرف:

لغة هو التقلب في الأمور والسعي في طلب الكسب [20] وأما في الاصطلاح.


فإن الفقهاء [21] يطلقون التصرف على كل تعبير عن الإرادة - سواء بالقول أو بالفعل - يرتب عليه حكما ً فالتصرف أعم من العقد (بمعنييه سالفي الذكر) لأن التصرف قد يكون فعلياً كالاستيلاء على بعض الأموال المباحة، والغصب وقبض الدين، والرجعة الفعلية بأن يباشر الزوج زوجته - التي طلقها رجعية - قبل أن تنتهي عدتها دون أن يصدر منه قول يفيد الرجعة - وقد يكون التصرف قولياً ولكن ليس بعقد (بنوعيه) ومن أمثلته الإقرار بالحق والدعوى أمام القضاء.


ب- وأما الالتزام والحق:
فالالتزام لغة معناه الثبوت والوجوب، والحق في اللغة له عدة معان ترجع كلها إلى الثبوت والوجوب ومن هذا قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [يس: 7] أي ثبت ووجب عليهم.


ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ [الأنفال: 8]، أي يثبت الحق ويظهره ومن هذا المعنى أطلقت كلمة الحق على معان كثيرة ترجع كلها إلى الثبوت والوجوب فهي تطلق على الله عز وجل اسماً وصفة وتطلق على اليقين وعلى الصدق وعلى العدل وعلى الإسلام وكل هذه المعاني واردة في كتاب الله تعالى [22].


فالالتزام والاستحقاق (لغة) متقابلان بالنسبة إلى بعض معاني الحق أي الحق بمعنى الحظ والنصيب والشيء الواجب للشخص أو عليه فيقال: هذا حق عمرو قبل زيد فهو بعينه التزام زيد قبل عمرو والالتزام في الاصطلاح قليل الاستعمال في الفقه الإسلامي فهم يفضلون - كما هو واضح في كتبهم - استعمال كلمة الحق سواء في جانب المدين أو جانب الدائن فيقولون: هذا حق له وهذا حق عليه. وقد عرف بعض الفقهاء الالتزام بأنه التزام الشخص نفسه ما لم يكن لازماً له أي لم يكن واجباً عليه من قبل [23] وعرفه بعض العلماء الشريعة المعاصرين بأنه إيجاب الإنسان أمراً على نفسه إما باختياره وإرادته وإما بإلزام الشارع له [24].


وعرف عالم معاصر آخر الالتزام بأنه التصرف المتضمن إرادة إنشاء حق من الحقوق أو إنهاء حق أو إسقاطه دون أن يتوقف تمامه على التزام أو تصرف من جانب آخر بمعنى أنه يستوي فيه التصرف الذي ينتج التزاماً من جانب في مقابلة التزام من جانب آخر كالبيع والإجارة أو الذي يكون متوقفاً تمامه على قبول من الطرف الآخر كالوكالة و الوصية على معين أو الذي ينتج من جانب واحد دون أن توقف على أي شيء كالطلاق والنذر [25] والحق أن الالتزام في الاصطلاح الحديث هو الحق الذي على المدين وهو كما قلنا قليل بل نادر الاستعمال في الفقه، واللفظ الذي يندر استعماله اصطلاحاً يرجع فيه إلى معناه اللغوي لأن ندرة استعماله في الفقه تنفي عنه المعنى الاصطلاحي ولذلك فإن الالتزام في الحقيقة هو أثر من آثار العقد - (الذي يتركز في صيغته) - أو التصرف بصفة عامة كما أن الحق أثر من آثار العقد أو التصرف بصفة عامة، والفقهاء يقولون حكم العقد وحقوقه ويريدون بالحقوق مجموع الالتزامات المرتبة على العقد، ونلاحظ هنا أن الفقهاء يفرقون بين الإلزام والالتزام، فالإلزام هو أن يلزم الشخص غيره والالتزام هو أن يلتزم الشخص بنفسه أي يلزم نفسه كما في العقد ولكن في الاصطلاح الحديث يكفي الالتزام في الحالين [26].
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.98 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.27%)]