بلوغ البغية في تحديد يوم عرفة عند اختلاف الرؤية
عبد الرافع بن محمود العمري
المطلب الرابع: أدلة الأقوال مع المناقشة
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
الدليل الأول: أن المراد بيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الحجاج بعرفة، وقد دل على ذلك عدة أحاديث:
الحديث الأول: عن عبدالعزيز بن عبدالله بن خالد بن أَسِيْد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم عرفة اليوم الذي يعرف فيه الناس»(26).
الاعتراض: يعترض عليه بأنه حديث ضعيف(27).
الحديث الثاني: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرفة يوم يعرف الإمام، والأضحى يوم يضحي الإمام، والفطر يوم يفطر الإمام»(28).
الاعتراض: يعترض عليه بأنه حديث ضعيف(29).
الحديث الثالث: عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: رجل حج أول ما حج، فأخطأ الناس بيوم النحر أيجزئ عنه؟ قال: نعم إي لعمري إنها لتجزئ عنه، قال: وأحسبه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون»، وأراه قال: «وعرفة يوم تعرفون»(30).
الحديث الرابع: عن مسروق أنه دخل على عائشة رضي الله عنه يوم عرفة فقال: اسقوني، فقالت عائشة: يا غلام، اسقه عسلًا، ثم قالت: وما أنت يا مسروق بصائم؟ قال: لا، إني أتخوف أن يكون يوم الأضحى، فقالت عائشة: ليس ذلك، إنما يوم عرفة يوم يعرف الإمام، ويوم النحر يوم ينحر الإمام(31).
وجه الاستدلال: أن الأحاديث المذكورة تدل دلالة صريحة على أن المراد بيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الناس بعرفة(32).
الاعتراض: ليس مدلوها أن الناس في كل بلد يعتبرون رؤية مكة دون غيرها في تحديد يوم عرفة، وإنما معناه أن يوم الفطر والأضحى مع الجماعة في كل بلد، وأن الحجيج إذا غلطوا في الوقوف لم يلزمهم القضاء(33).
قال الإمام الترمذي -رحمه الله-: «وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعُظْم الناس»(34).
وقال أبو الحسن السندي -رحمه الله-: «والظاهر أن معناه أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرد فيها، بل الأمر فيها إلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإمام والجماعة، وعلى هذا فإذا رأى أحد الهلال، وردَّ الإمام شهادته ينبغي أن لا يثبت في حقه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتبع الجماعة في ذلك»(35).
قال الألباني -رحمه الله- بعد إيراد كلام السندي: «قلت: وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام يوم عرفة خشية أن يكون يوم النحر، فبينت له أنه لا عبرة برأيه، وأن عليه اتباع الجماعة»(36).
الدليل الثاني: عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»(37).
وجه الاستدلال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضاف الصيام إلى يوم عرفة، ولم يضفه إلى اليوم التاسع، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه أضافه إلى اليوم التاسع، فدل على أن هذه الإضافة معتبرة(38).
الاعتراض: أقول: إن استقراء نصوص الشريعة يدل على أن الشارع يضيف الأحكام الشرعية إلى الأسباب الظاهرة، لا إلى الأسباب الخفية(39)، وإضافة الصيام إلى اليوم الذي يقف فيه الحجاج بعرفة يعد سببًا ظاهرًا لأهل مكة ومن يسكن حولها، ويُعَدُّ سببًا خفيًّا لأهل البلدان النائية؛ إذ الاطلاع لهم على ذاك اليوم قبل وجود وسائل الاتصالات الحديثة كان غير ممكن، وكذلك يكون بعد زوالها، فدل ذلك على أن هذه الإضافة غير معتبرة.
الدليل الثالث: أن الصيام ورد مضافًا إلى يوم عرفة في النصوص الشرعية، والقاعدة المقررة عند الأصوليين أنه يتعين البقاء على الظاهر من دلالة الاسم حتى يدل دليل على العدول عنه(40).
الاعتراض: أن المعنى المتبادر من لفظ «يوم عرفة» هو اليوم التاسع من ذي الحجة، قال شمس الدين الكرماني -رحمه الله-: «فإن قلت: عرفة اسم الزمان، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، فما المراد منها، قلت المراد إما الزمان أي رجع من وقوف عرفة بعرفات أو من مكان عرفة، وإما المكان لما قيل أن عرفة وعرفات مفردًا وجمعًا جاء كلاهما اسمًا للمكان المخصوص، والأول أولى ليوافق الاصطلاح المشهور للفقهاء»(41).
وقال بدرالدين العيني -رحمه الله-: «قوله من عرفة على وزن فعلة اسم للزمان، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا هو الصحيح، وقيل عرفة وعرفات كلاهما اسمان للمكان المخصوص»(42).
الدليل الرابع: «أن المسلمين في جميع أقطار العالم الإسلامي قد أجمعوا إجماعًا عمليًّا منذ عشرات السنين على متابعة الحجاج في عيد الأضحى، ولا يجوز لأي جهة، أو مجموعة من الناس مخالفة هذا الإجماع»(43).
الاعتراض: أن هذا الإجماع غير مسلم، وذلك لأن الإجماع مع وجود الخلاف غير معتبر عند الأصوليين(44)، وهذه المسألة قد اختلف فيها المسلمون قديمًا وحديثًا.
أما اختلافهم فيها قبل توافر وسائل الاتصالات الحديثة، فهذا أمر معلوم من العقل بالضرورة، لا يخفى على أي عاقل؛ إذ لم يكن الاطلاع على يوم الوقوف بعرفة لأهل البلاد النائية ممكنًا، ومن يتتبع كتب التاريخ يتجلّى له أن اختلاف المسلمين فيها منذ عهد قديم.
ومما يدل على ذلك ما ذكره المقريزي ضمن أحداث سنة (748هـ) فقال: «ووقع اختلاف في أمر الوقوف بعرفة، فإن الوقفة كانت عند أهل مكة يوم الجمعة على ما ثبت بمكة على قاضيها بحضور قاضي القضاء عزالدين عبدالعزيز بن جماعة وغيره من حجاج مصر والشام والعراق، وكان يوم عرفة بمصر والإسكندرية يوم الخميس، فقام الشيخ علاء الدين علي بن عثمان التركماني الحنفي في الإنكار على ابن جماعة، وأفتى أن حج الناس فاسد، ويلزم من وقف بالناس يوم الجمعة بعرفة جميع ما أنفقه الحجاج من الأموال، وأنه يجب على الحجاج كلهم أن يقيموا محرمين لا يطئوا نسائهم، ولا يمسوا طيبًا حتى يقفوا بعرفة مرة أخرى، وشنع بذلك عند الأمراء، وأظهر الحزن على الناس والأسف على ما أنفقوه من أموالهم، فشق ذلك على الأمير طغيتمر الدوادار من أجل أن زوجته حجت فيمن حج، وأخذ خط ابن التركماني بما تقدم ذكره، فغضب الشافعية، وأنكروا مقالته، وردوها، وقصد ابن جماعة أن يعقد مجلسًا في ذلك، ويطلب ابن التركماني، ويدعى عليه بما أفتى به مما لا يوجد في كتب الحنفية، فراجعه الناس عن ذلك مخافة الشناعة»(45).
وذكر مثله الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- أيضًا ضمن أحداث سنة (824هـ)، فقال: «وفي هذه السنة حججت بعد أن توجه الحاج بعشرة أيام على رواحل، فوصلت بالقرب من الحوراء، ورافقتهم إلى مكة، ثم عدت صحبتهم، وكانت الوقفة يوم الجمعة بعد تنازع بمكة مع أن العيد كان بالقاهرة يوم الجمعة»(46).
وذكر مثله أيضًا ضمن أحداث سنة (828هـ)، حيث قال: «وفي الثالث والعشرين من ذي الحجة وصل المبشر من الحاج، وأخبروا بالرخاء الكثير في الحجاز، وأنه نودي بمكة أن لا يباع البهار إلا على تجار مصر، وأن لا يكون البهار إلا بهار واحد، وأخبر بأن الوقفة كانت يوم الاثنين وكانت بالقاهرة يوم الأحد، فتغيّظ السلطان ظنًّا منه أن ذلك من تقصير في ترائي الهلال، فعرفه بعض الناس أن ذلك يقع كثيرًا بسبب اختلاف المطالع، وبلغني أن العيني شنع على القضاة بذلك السبب، فلما اجتمعنا عرفت السلطان أن الذي وقع يقدح في عمل المكيين عند من لا يرى باختلاف المطالع، حتى لو كان ذلك في رمضان للزم المكيين قضاء يوم، فلما لم يفهم المراد سكن جأشه»(47).
وأما ادِّعاء الإجماع فيها بعد توافر وسائل الاتصالات الحديثة فينقضه الواقع المشاهد في السنوات الماضية(48).
ومما يدل على ذلك ما ذكره العلامة أحمد شاكر في رسالته «أوائل الشهور العربية» ما نصه: «ثبت في مصر لدى المحكمة العليا الشرعية أن أول شهر ذي الحجة من هذا العام (سنة 1357هـ) يوم السبت، فكان عيد الأضحى يوم الاثنين (30 يناير سنة 1939م) بعد بضعة أيام، نشر في المقطم أن الحكومة العربية السعودية لم يثبت عندها أن السبت أول ذي الحجة، فصار أوله الأحد، فكان وقوف الحجيج بعرفة يوم الاثنين، والعيد يوم الثلاثاء (31 يناير سنة 1939م)، وفي يوم الجمعة 21 ذي الحجة (10 فبراير سنة 1939م) نشرت جريدة البلاغ عن مراسلها في بومباي بالهند في أول فبراير سنة 1939م: أن المسلمين في بومباي احتفلوا بعيد الأضحى بهذا العام يوم الأربعاء خلافًا لما أعلن في الممالك الإسلامية الأخرى، ومعنى هذا أنه لم يثبت لدى مسلمي الهند أن أول الشهر السبت ولا الأحد، فاعتبروا أوله يوم الاثنين، وهكذا في أكثر أشهر المواسم، يتراءى الناس الهلال في البلاد الإسلامية، فيُرى في بلدٍ، ولا يُرى في بلد آخر، ثم تختلف مواسم العبادات في بلاد المسلمين، فبلد صائم، وبلد مفطر، وبلد مضحٍّ، وبلد يصوم أهله يوم عرفة»(49).
الدليل الخامس: أن ما ورد في الأحاديث الصحيحة من فضائل عرفة من مباهاة الله بأهل الموقف ودنوه سبحانه وتعالى بما يليق بجلاله وعظمته وتغيظ الشيطان، فهو بكون وقوف الناس بعرفة، وعلى هذا يحمل فضل صيام عرفة على اليوم الذي يقف فيه الحجيج، لا على غيره(50).
الاعتراض: أن ما ورد في فضائل عرفة من مباهاة الله بأهل الموقف، ودنوه سبحانه وتعالى بما يليق بجلاله وعظمته، وتغيُّظ الشيطان، وأنه يختص بيوم الوقفة فهذا مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وجميع ما وصف به الرب عز وجل نفسه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية، فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص، وأما قربه مما يقرب منه، فهو خاص لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج، وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وتكون ليلًا في بعض البلاد، فإن تلك البلاد لم يَدْنُ إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحُجاج، وكذلك نزوله بالليل»(51).
وأما حمل فضل صيام عرفة على ذاك اليوم فهذا غير مسلَّم.
قال الإمام ابن العربي -رحمه الله- بعد ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنة قبله، وسنة بعده»(52): «ومع حث النبي صلى الله عليه وسلم على صومه، وإخباره عن فضله، فإنه أفطره يوم حجه، وذلك لوجهين:
أحدهما: لئلا يشق على أمته.
الثاني: لِيَسُنَّ فطره لمن كان حاجًّا، فإنه أقوى له على الدعاء والعبادة، فيكون ذلك تخصيصًا للحاج من عموم الحديث ويبقى الفضل لغير الحاج»(53)، ولم يوجد فيها قيد يدل على كونه مختصًّا بيوم الوقفة(54)، وبذلك نرى أن شراح السنن، وعلماء الفقه يعنون به اليوم التاسع من ذي الحجة(55).
الدليل السادس: أن يوم عرفة علم على المكان، ويدل على ذلك أن الفقهاء قد قرروا أن عرفة هو اليوم الذي يقف الناس فيه بعرفة بغض النظر عن كونه اليوم التاسع أو اليوم العاشر، فلو وقفوا بعرفة خطئًا يوم العاشر من ذي الحجة، فحجهم صحيح باتفاق الفقهاء(56)، وإليكم أقوالهم:
قال الكاساني الحنفي -رحمه الله-: «ولو اشتبه على الناس هلال ذي الحجة فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين يومًا ثم شهد الشهود أنهم رأوا الهلال يوم كذا، وتبين أن ذلك اليوم كان يوم النحر فوقوفهم صحيح، وحجتهم تامة استحسانًا»(57).
وقال الخرشي المالكي -رحمه الله-: «وكذلك يجزئ إذا أخطأ في رؤية الهلال الجم أي: جماعة أهل الموسم بأن غم عليهم ليلة ثلاثين من القعدة فأكملوا العدة ووقفوا فوقع وقوفهم بعاشر من ذي الحجة»(58).
وقال الماوردي -رحمه الله-: «ألا ترى أن الحجاج لو أخطأوا جميعهم الوقوف بعرفة فوقفوا في اليوم العاشر أجزأهم ولم يجب عليهم القضاء لما فيه من عظم المشقة، ولو أخطأ واحد فوقف في اليوم العاشر لم يجزه»(59).
وقال الإمام النووي -رحمه الله-: «وإن غلطوا بيوم واحد فوقفوا في اليوم العاشر من ذي الحجة أجزأهم، وتم حجهم، ولا قضاء»(60).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-: «وإذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة، أجزأهم ذلك»(61).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ونظير هذا قول بعضهم إذا وقف الناس يوم العاشر خطأ أجزأهم فالصواب أن ذلك هو يوم عرفة باطنًا وظاهرًا، ولا خطأ في ذلك، بل يوم عرفة هو اليوم الذي يعرف فيه الناس»(62).
وقال المرداوي -رحمه الله-: «قوله: «وإن أخطأ الناس، فوقفوا في غير يوم عرفة: أجزأهم»، سواء كان وقوفهم يوم الثامن أو العاشر نص عليهما»(63).
وقال ابن حزم -رحمه الله-: «ومن أخطأ في رؤية الهلال لذي الحجة فوقف بعرفة اليوم العاشر، وهو يظنه التاسع، ووقف بمزدلفة الليلة الحادية عشرة، وهو يظنها العاشرة، فحجه تام، ولا شيء عليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: إن الوقوف بعرفة لا يكون إلا في اليوم التاسع من ذي الحجة أو الليلة العاشرة منها، وإنما أوجب -عليه السلام- الوقوف بها ليلًا أو نهارًا، فصح أن كل من وقف بها أجزأه ما لم يقف في وقت لا يختلف اثنان في أنه لا يجزيه فيه»(64).
الاعتراض: هذا الدليل ليس للمستدل بل عليه، وذلك بأنه يدل على كونه علمًا على الزمان، إذ مقتضى قول المستدل إقراره بأن الناس قد يخطئون في الوقوف بعرفة في يومه الصحيح، وهو التاسع من ذي الحجة(65).
وأما كون وقوفهم مجزئًا فهو ليس لكون الوقوف هو الأصل، بل لما في وجوب القضاء عليهم من المشقة العامة، ومن قواعد الفقه الإسلام «أن المشقة تجلب التيسير»(66).
قال العلائي -رحمه الله- ذاكرًا لما يندرج من الفروع ضمن القاعدة: «وكذلك إذا اجتهد جميع الحجيج في يوم عرفة، فوقفوا في اليوم العاشر أجزأهم، لما في وجوب القضاء عليهم من المشقة العامة، ولم يجئ ذلك في الشرذمة اليسيرة لعدم المشقة العامة، ولتقصيرهم بانفرادهم بالوقوف عن الجمع الكثير»(67)، ولأنهم لو كُلِّفوا بالقضاء ما أمنوا وقوع مثل هذا الخطأ مرة ثانية.
قال الإمام الخطابي -رحمه الله-: «إن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماضٍ، فلا شيء عليهم من وزر أو عتب، وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته، ويجزيهم أضحاهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده، ولو كُلِّفوا إذ أخطؤوا العدد أن يعيدوا لم يأمنوا أن يخطؤوا ثانيًا، وأن لا يسلموا من الخطأ ثالثًا ورابعًا، فإن ما كان سبيله الاجتهاد كان الخطأ غير مأمون فيه»(68).
وقال إمام الحرمين الجويني -رحمه الله-: «إذا وقع غلط في الهلال، فوقف الناس يوم العاشر، ثم تبينوا الغلط، وقع وقوفهم الموقع وفاقًا، والسبب فيه أنهم لو كلفوا القضاء لم يأمنوا وقوع مثله في القضاء، ثم إن أقاموا لاقوا عسرًا، وإن انقلبوا وآبوا، تضاعفت المشقات، وليس في الشرع تكليف مثل هذا»(69).
الدليل السابع: ما أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن إبراهيم النخعي -رحمه الله- أنه قال في صوم عرفة في الحضر: «إذا كان فيه اختلاف فلا تصومن»(70)، وقد حسن إسناده الدكتور عبدالله بن الجبرين(71).
وأخرجه عنه أيضًا أنه قال: «كانوا لا يرون بصوم عرفة بأسًا، إلا أن يتخوفوا أن يكون يوم الذبح»(72)، وقد صحح إسناده الدكتور عبدالله بن الجبرين(73).
وجه الاستدلال: هذان الأثران يدلان على أن صوم عرفة لابُد أن يكون في اليوم الذي يقف فيه الحجيج بعرفة(74).
الاعتراض: ما ورد عن النخعي -رحمه الله- لا يدل صراحة على أن النهي عن صيام يوم عرفة هو بسبب الاختلاف مع الناس في عرفة، بل الظاهر أن كلامه وارد فيما إذا غُمّ هلال ذي الحجة على الناس، أو شهد برؤيته من لم تقبل شهادته، فأكملوا شهر ذي القعدة، ففي تلك الحالة يكون اليوم التاسع مشكوكًا في كونه يوم عرفة أو يوم النحر، ولهذا كرهه من كرهه ممن كان يقصدهم النخعي -رحمه الله-(75).
هكذا ذكر معنى كلام النخعي -رحمه الله- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال: «فلو غم هلال ذي الحجة، أو شهد برؤيته من لا تقبل شهادته، إما لانفراده بالرؤية أو لكونه ممن لا يجوز قبوله، ونحو ذلك، واستمر الحال على إكمال ذي القعدة، فصوم يوم التاسع الذي هو يوم عرفة من هذا الشهر المشكوك فيه جائز بلا نزاع، قلت: ولكن روى ابن أبي شيبة في كتابه عن النخعي في صوم يوم عرفة في الحضر إذا كان فيه اختلاف فلا تصومن(76)، وعنه قال: كانوا لا يرون بصوم يوم عرفة بأسًا إلا أن يتخوفوا أن يكون يوم الذبح(77)، وروي عن مسروق وغيره من التابعين مثل ذلك، وكلام هؤلاء قد يقال: إنه محمول على كراهة التنزيه دون التحريم، والله أعلم»(78).
ويمكن أن تكون هذه الكراهة في كلامهم من باب الاحتياط غير أن الذي يظهر أنه لا مسوغ لها إذا لم تتحقق الرؤية الشرعية لهلال ذي الحجة(79).
وعلى فرض تسليم ما قاله المستدل لا يثبت بقول النخعي -رحمه الله-: «إذا كان فيه اختلاف فلا تصومن»، حكم شرعي، قال الشعبي -رحمه الله-: «ما حدثوك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به، وما قالوا برأيهم فبُل عليه»(80).
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: «إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم»(81).
وقال أبو داود -رحمه الله-: «سمعت أحمد يقول: «الاتباع: أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير»(82).
وأما قول النخعي -رحمه الله-: «كانوا لا يرون بصوم عرفة بأسًا، إلا أن يتخوفوا أن يكون يوم الذبح»، فهو يحتمل أن يكون المراد به الصحابة -رضي الله عنهم-، ويحتمل أن يكون المراد به التابعون، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
وعلى فرض كونه حكاية عن الصحابة لا يكون صالحًا للاحتجاج به؛ إذ يعارضه ما رواه مسروق أنه دخل على عائشة -رضي الله عنها-، يوم عرفة، فقال: اسقوني، فقالت عائشة: يا غلام، اسقه عسلًا، ثم قالت: وما أنت يا مسروق بصائم؟ قال: لا، إني أتخوف أن يكون يوم الأضحى، فقالت عائشة: ليس ذلك، إنما يوم عرفة يوم يعرف الإمام، ويوم النحر يوم ينحر الإمام»(83).
قال ابن رجب -رحمه الله-: «فهذا الأثر صحيح عن عائشة -رضي الله عنها-، إسناده في غاية الصحة، ولا يعرف لعائشة في ذلك مخالف من الصحابة، ووجه قولها أن الأصل في هذا اليوم أن يكون يوم عرفة؛ لأن اليوم المشكوك فيه، هل هو من ذي الحجة أو من ذي القعدة: الأصل فيه أنه من ذي القعدة، فيعمل بذلك استصحابًا للأصل»(84).
يتبع