عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 11-02-2020, 02:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التصرف في الأعيان المملوكة بغير البيع قبل قبضها

التصرف في الأعيان المملوكة بغير البيع قبل قبضها




د. فهد بن خلف المطيري


الفرع الثالث: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الوصية:
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: وقت ملك الوصية: إذا أوصى شخص لآخر بعين من الأعيان، فهل للموصى له أن يتصرف فيها قبل قبضها أم ليس له ذلك؟
هذه المسألة مبنية على وقت ملك الموصى له للعين الموصى بها، هل يملكها بالقبول بعد الموت أم أنها تدخل ملكه منحين الموت أم ماذا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الوصية لا تملك إلا بالقبول بعد موت الموصي، وإليه ذهب الحنفية(185)، والمالكية(186)، والشافعية في قول منصوص(187)، وهو المذهب عند الحنابلة(188).
أدلتهم:
الدليل الأول: إن الوصية إثبات ملك جديد بدليل أن الموصى له لا يرد بالعيب، والملك الجديد لا يثبت إلا بالقبول، ولهذا لا يملك أحد إثبات الملك لغيره إلا بقبوله(189).
الدليل الثاني: إن أوان ثبوت حكم الوصية بعد الموت؛ لأن القبول متعلق بالموت فلا يعتبر القبول قبل الموت كما لا يعتبر قبل العقد(190).
الدليل الثالث: ولأن الموصي في حال حياته له الرجوع في الوصية ما دام حيًّا، فلم يجب للموصى له حق فيعتبر قبوله(191).
الدليل الرابع: قياس الوصية على الهبة حال الحياة فإنها لا تملك إلا بالقبول، فلا تملك الوصية إلا بالقبول بعد موت الموصي(192).
يمكن أن يناقش: بأن هذا التعليل متمشٍ على قول المالكية أن الهبة لا تملك إلا بالقبول، وقد تقدم أن الراجح أنها لا تملك إلا بالقبض(193).
الدليل الخامس: إن القبول لا يخلو إما أن يكون شرطًا وإما جزءًا من السبب والحكم لا يتقدم سببه ولا شرطه(194).
الدليل السادس: قالوا: ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل(195).
القول الثاني: إن الوصية تملك بموت الموصي، وإليه ذهب المالكية في قول(196)، والشافعية في قول أيضًا(197)، والحنابلة في احتمال وقيل قول(198).
دليلهم:
قياس الوصية على الميراث؛ لأن الوصية أخت الميراث، فتدخل في ملك الموصى له بغير اختيار، ووجه كونها أخت الميراث لأنها خلافة في المال المنتقل(199).
نوقش: بأن قياس الوصية على الميراث قياس مع الفارق؛ لأن الميراث عطية من الله فلم يشترط فيه القبول، والوصية عطية من المخلوق، فاشترط فيها القبول(100).
القول الثالث: أن الملك في الوصية مراعى، فإذا قبل الموصى له بعد موت الموصي ثبت له من حين الموت وإلا فهو للوارث، وإليه ذهب الشافعية في قول منصوص(201)، صححه علي الماوردي (ت450هـ)(202)، والحنابلة في رواية(203).
دليلهم:
إنه لما كان الوارث لا يملك الإرث في هذه العين، والميت ممتنع أن يبقى له ملك، اقتضى أن يكون الملك موقوفًا على قبول الموصى له ورده، وحق الموصى له في القبول باق ما لم يعلم قبوله أو رده(204).
نوقش: بالمنع أن الملك لا يثبت للوارق، فإن الملك ينتقل إلى الوارث بحكم الأصل إلا أن يمنع منه مانع، ويمنع أيضًا أن يكون الميت لم يبق له ملك فإنه يبقى له ملك فيما يحتاج إليه من مؤونة، وتجهيز، ودفن، وقضاء دين، وغيرها(205).
الراجح:
والله أعلم هو القول الأول، وهو أن الوصية لا تملك إلا بالقبول بعد الموت، وأن حق الموصى له لا يثبت إلا بعد قبوله؛ لأنه قبل القبول ليس له حق في العين لكونها باقية في ملك صاحبها وبعد موته منتقلة إلى ورثته فإن قبل انتقل الملك إليه.
المسألة الثانية: التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الوصية: لا شك أن الموصى له إذا قبض الوصية فإن له التصرف فيها بما شاء بلا خلاف؛ لأنها ملك كسائر أملاكه، وكذلك إذا قبل الوصية بعد موت الموصي فهي ملك له بالقبول يتصرف فيها بما شاء من بيع، وهبة، وصدقة، ووصية وغيرها، لكن هل له أن يتصرف فيها قبل القبول أم لا؟
هذه المسألة ينبني حكمها على المسألة السابقة، وهي وقت ملك الوصية، فإن قلنا: إنها تملك بالقبول كما هو القول الأول والثالث، فإنه لا يصح له التصرف في الوصية قبل قبضها، وإن قلنا: إنها تملك بموت الموصي فإن للموصى له أن يتصرف فيها قبل القبول؛ لأنها تدخل في ملكه بموت الموصي، وقد تقدم من قبل أن الراجح من أقوال أهل العلم هو القول الأول، وأنها لا تملك إلا بالقبول بعد موت الموصي، وبناء عليه فلا يصح تصرف الموصى له قبل القبول بعد موت الموصي.
قال عبدالله بن عبدالرحمن داماد أفندي (ت1078هـ)، في الكلام على الوصية بالمبيع قبل قبضه: «وأما الوصية به قبل القبض فصحيحة اتفاقًا»(206).
وهذا في شيء ملك على سبيل المعاوضة فما ملك على سبيل التبرع فمن باب أولى.
قال ابن رجب: «النوع الثاني: عقود يثبت بها الملك من غير عوض كالوصية، فأما الوصية فيجوز التصرف فيها بعد ثبوت الملك وقبل القبض باتفاق من الأصحاب فيما نعلمه»(207).



المبحث الثاني:
التصرف في الأعيان المملوكة بغير العقود قبل قبضها
وفيه مطلبان:
المطلب الأول:
التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في استحقاق أموال الوقف
وفيه فرعان:
الفرع الأول: ملك الوقف ولزومه:
إذا ملك الإنسان عينًا بغير عقد مثل أن يملكها بميراث، أو استحقاق من أموال الوقف، أو غيرها، فهل يملك التصرف فيها بمعاوضة أو تبرع أو غيرهما؟ لكن قبل ذلك في استحقاق أموال الوقف، هل الموقوف عليه يملك الوقف أم هو ملك للواقف؟
هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول: أن الوقف يخرج من ملك الواقف، ويكون ملكًا للموقوف عليه إن كان على شخص، وإليه ذهب الشافعية في قول(208)، وهو المذهب عند الحنابلة(209).
أدلتهم:
الدليل الأول: قياس الوقف على الهبة والبيع بجامع أن كلًّا منهم سبب موجود يزيل ملك الواقف، والموقوف عليه يصح تمليكه فوجب أن ينقل الملك(210).
الدليل الثاني: ولأن الوقف سبب لا يخرج به المال عن المالية، فوجب أن ينتقل به الملك إلى الموقوف عليه(211).
الدليل الثالث: ولأن الوقف لو كان تمليكًا للمنفعة المجردة لم يلزم، ولزومه دليل على أن تمليك للعين والمنفعة(212).
الدليل الرابع: قياس الوقف على الصدقة، فإن الصدقة مملوكة للمتصدق عليه، وكذلك الوقف(213) إلا أن يحكم بزواله حاكم أو يعقله على موته.
القول الثاني: أن الوقف يبقى في ملك الواقف لا يزول عنه، وإليه ذهب أبو حنيفة(214)، والمالكية(215)، والشافعية في قول(216)، والحنابلة في رواية(217).
أدلتهم:
الدليل الأول: أن الملك للواقف؛ لأنه إنما أزال ملكه عن منافعه، وفوائده لا عن ذاته(218).
يناقش: أن المقصود الأعظم من الذوات إنما هو منافعها، وفوائدها، فإذا ملكت المنافع، والفوائد ملكت الذوات تبعًا لها.
الدليل الثاني: إن الوقف كالعارية غير لازم، فيجوز الرجوع فيه للواقف متى شاء، وما كان هذا حقيقته فهو ملك لواقفه(219).
يناقش: بأن هذا الاستدلال بمسألة مختلف فيها، وهي هل الوقف عقد لازم أم لا؟ فلا يسلم الاستدلال به.
الدليل الثالث: إن حقيقة الوقف هو حبس الأصل، وتسبيل المنفعة، والمراد بتحبيس الأصل: إبقاؤه على ملك الواقف، وإلا كان مسبلًا لها كلها(220).
ويناقش: بأنها وإن انتقلت من ملك الواقف إلى الموقوف عليه فهي محبسة؛ لأنه لا يتصرف فيها بأي تصرف ناقل للملك.
القول الثالث: إن الوقف يخرج من ملك الواقف إلى ملك الله عز وجل، والمراد بها الانتقال أنه ينفك عن اختصاص الآدمي، وإلى هذا القول ذهب بعض الحنفية(221)، والشافعية في القول الأظهر(222)، والحنابلة في رواية(223).
أدلتهم:
الدليل الأول: القياس على العتق بجامع أن كلًّا منهما إزالة الملك عن العين والمنفعة على وجه القربة، وذلك بتمليك المنفعة، فانتقل الملك إلى الله(224).
نوقش: بأنه لو كان الوقف تمليكًا للمنفعة فقط لم يكن لازمًا كالعارية(225).
الدليل الثاني: إنه لو كان الوقف ينتقل إلى الموقوف إليه لافتقر إلى القبول كسائر الأملاك(226).
الراجح:
والله أعلم هو القول الأول، وأن الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه لكن ليس له حق التصرف في عين الوقف إنما له الحق بالتصرف في منفعة الوقف وفوائده؛ لأن المقصود الأكبر من الأعيان هو ما تحمله من منافع وفوائد، لكن هل يلزم الوقف بمجرد اللفظ أم أنه لا يلزم إلا إذا أخرجه الواقف عن يده؟ هذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: إن الوقف يخرج من ملك الواقف بمجرد اللفظ، ولا يلزم إخراجه ع يده، وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية(227)، وبعض المالكية(228)، والشافعية(229)، وهو المذهب عند الحنابلة(230).
أدلتهم:
الدليل الأول: إن قضايا الأوقاف التي وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة الكرام لم يؤمروا فيها بإخراج الأوقاف عن أيديهم إلى غيرهم بل تركت في أيديهم مع الحكم بلزومها(231).
الدليل الثاني: قياس لزوم الوقف باللفظ على العتق بجامع أن كلًا منهما تبرع يمنع البيع، والهبة، والميراث، فلزم بمجرده(232).
الدليل الثالث: إن الحاجة ماسة إلى لزوم الوقف ليحصل ثوابه على الدوام، ويمكن دفع هذه الحاجة بإسقاط الملك فيه باللفظ(233).
القول الثاني: إن الوقف لا يخرج من ملك الواقف إلا إذا أخرجه من يده إلى غيره، وإليه ذهب المالكية(234)، ومحمد بن الحسن من الحنفية(235)، والحنابلة في رواية(236).
أدلتهم:
الدليل الأول: إن الوقف صدقة فكان التسليم من شرطه كالصدقة المنجزة(237).
يمكن أن يناقش: بأن قياس الوقف على الصدقة قياس مع الفارق، فالصدقة التمليك فيها مطلق بخلاف الوقف فإن فيه تحبيسًا للأصل وتسبيلًا للثمرة.
الدليل الثاني: قياس الوقف على الهبة بجامع أن كلًّا منهما تبرع بمال لم يخرجه عن المالية فلم يلزم بمجرد اللفظ(238).
يناقش: بما نوقش به الدليل الأول.
الدليل الثالث: إن التمليك من الله لا يتحقق قصدًا؛ لأنه جل وعلا كل شيء، ولكن تمليك الله يثبت ضمنًا بالتسليم إلى العبد كالزكاة، وغيرها من الصدقات المنجزة(239).
يناقش: من وجهين:
الوجه الأول: ما نوقش به الدليل الأول.
الوجه الثاني: أن هذا الدليل مبني على أن الوقف يكون ملكًا لله عز وجل، وقد تقدم من قبل أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الوقف ملك للموقوف عليه.
الراجح:
والله أعلم أن الوقف يلزم بمجرد اللفظ، وليس من شروط لزومه إخراجه عن ملك الواقف؛ لأن الشارع جعل لفظ الوقف سببًا في انعقاده ولزومه، وأن هذا الأمر هو الذي علهي عمل الرعيل الأول، وجرت عليه سنتهم وطريقتهم.
الفرع الثاني: التصرف في المملوك من أموال الوقف قبل القبض:
تقدم في الفرع الأول خلاف العلماء رحمهم الله في الوقف ملك من هو؟ وكذلك الخلاف في لزوم الوقف هل يلزم باللفظ أم يلزم بإخراجه عن يده؟
وتقدم من قبل أن الراجح أنه الملك للموقوف عليه، وأنه يلزم باللفظ ولا حاجة إلى إخراجه عن يد الواقف، وبناء على هذا الرأي يصح التصرف فيه؛ لأنه ملك للإنسان يتصرف فيه كما شاء، وقد نص فقهاء المالكية، والحنابلة على صحة التصرف في الأعيان المملوكة قبل قبضها في عقد الوقف، قال أحمد الدردير (ت1201هـ) في الكلام عن التصرف بهذه الأعيان: «بخلاف ما لو رتب شيء لإنسان من بيت المال أو غيره، كوقف على وجه الصدقة فيجوز بيعه قبل قبضه لعدم المعاوضة»(240).
قال ابن رجب: «هذا الكلام في العقود فأما الملك بغير عقد، والاستحقاق من أموال الوقف، وأهل الوقف المستحقين له فإذا ثبت لهم الملك وتعين مقداره جاز لهم التصرف فيه قبل القبض بغير خلاف أيضًا؛ لأن حقهم مستقر فيه ولا علاقة لأحد معهم»(241). وهذا هو الراجح والله أعلم لما ذكر ابن رجب وفهمه من تعليل.
أما على مذهب الشافعي كما تقدم فإنهم يرون لزوم الوقف باللفظ بناء
عليه يصح للموقوف عليه التصرف فيه، أما على مذهب أبي حنيفة فإن الوقف يبقى على ملك الواقف، وهو غير لازم إلا بالإخراج، وأنه إذا مات الواقف قبل إخراجه بطل الوقف، بناء عليه فليس للموقوف عليه التصرف فيه.

المطلب الثاني:
التصرف في الأعيان المملوكة بالميراث قبل قبضها
أهل العلم قاطبة يرون أن الميراث ينتقل من المورث إلى الوارث بموت المورث، وتحقق حياة الوارث، ووجود المقتضي للإرث، وأنه يصبح ملكًا للوارث.
قال شمس الدين السرخسي (ت483هـ) في الزكاة: «وهذا يقتضي أن ما لم يمضه من الصدقة يكون مال الوارث بعد موته، وبه علل في الكتاب، قال: «لأنها خرجت من ملكه الذي كان له، يعني أن المال صار ملك الوارث»(242).
قال أحمد بن محمد الصاوي (ت1241هـ) في الكلام على شروط الإرث قال: «فشروطه ثلاثة: تحقق حياة الوارث وتحقق موت المورث والعلم بالجهة»(243).
قال محمد الشربيني (ت977هـ) في عدة شروط الإرث: «أولها: تحقق موت المورث، وثانيها: تحقق حياة الوارث، وثالثها: معرفة إدلائه للميت بقرابة، ورابعها: الجهة المنقضية للإرث تفصيلًا»(244).
قال منصور البهوتي (ت1051هـ): «وشروطه ثلاثة: تحقق حياة الوارث أو إلحاقه بالأحياء، وتحقق موت المورث أو إلحاقه بالأموات، والعلم بالجهة المقتضية للإرث»(245).
بناء على ما تقدم وأن الميراث يصبح ملكًا للوارث، فإنه يجوز للوارث التصرف بالميراث قبل قبضه؛ لأنه أصبح ملكًا له كسائر أملاكه.
قال ابن رجب رحمه الله: «وأما الملك بغير عقد كالميراث، فإذا ثبت لهم الملك وتعين مقداره جاز لهم التصرف فيه قبل القبض بغير خلاف أيضًا؛ لأن حقهم مستقر فيه ولا علاقة لأحد معهم، ويد من هو في يده بمنزلة يد المودع، ونحوه من الأمناء»(246).
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.18%)]