التصرف في الأعيان المملوكة بغير البيع قبل قبضها
د. فهد بن خلف المطيري
الدليل الثالث: أن من علل النهي عن بيع المبيع قبل قبضه ألا يربح المشتري فيما لم يدخل في ضمانه، وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة على التعليل بهذه العلة(43)، وبناء عليه تجوز المعاوضة عن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه؛ لأن الملك مفروض عندنا في سوى الملك بالبيع فلم يحصل ربح في المعاوضة عنه قبل قبضه، فليس بمنصوص ولا داخل تحت المنصوص(44).
الدليل الرابع: أن الراجح والله أعلم في علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي عدم استيلاء المشتري على المبيع استيلاء تامًّا؛ لأن علق البائع لم تنقطع عنه، فالبيع عرضة للانفساخ؛ لأن البائع ربما سعى في رد المبيع والتحايل في فسخة أو جحده إذا رأى المشتري قد ربح فيه(45)؛ وهذه العلة منتفية في مسألتنا هذه؛ لأن وسيلة ملكها وسببه وغير البيع، فتصح المعاوضة عنها قبل قبضها، قال ابن القيم رحمه الله: «فالمأخذ الصحيح في المسألة أن النهي معلل بعدم الاستيلاء، وعد انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع عن الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحايل على الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا، فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه وينقطع عن البائع، وينفطم فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض، وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع، حتى إن من لا خبرة له من التجارة بالشرع يتحرى ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة، وسد باب المفسدة»(46).
واستدل من قال بالجواز إلا في الطعام وما يحتاج إلى حق توفية بأدلة منها:
الدليل الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»(47).
الدليل الثاني: عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بعت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه»(48).
وجه الاستدلال: أن الحديثين السابقين جاء النهي فيهما عن بيع الطعام قبل قبضه، والطعام الأصل فيه الكيل والوزن؛ بناء عليه فإن كل مكيل وموزون لا يجوز بيعه قبل قبضه(49)، وقد ألحق الحنابلة به المعدود، والمذروع، والمباع برؤية، أو صفة متقدمة؛ لأنها تحتاج لحق توفية(50) فهي مثل الطعام، بناء عليه فكل ما ملك بغير البيع مما ينفسخ فيه العقد بتلفه قبل قبضه يجوز التصرف فيه بالمعاوضة إلا ما سبق فيقاس على ما ملك بالبيع.
نوقش: بأن استثناء الطعام، وما يحتاج إلى حق توفية لابد فيه من دليل خاص؛ لأن قياس ما ملك بغير البيع على ما ملك بالبيع قياس مع الفارق، وذلك لتخلف علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه فيما ملك بغير البيع(51).
الدليل الخامس: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كنت على بكر صعب لعمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «بعنيه»، فقال: لك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبدالله بن عمر فاصنع به ما شئت»(52).
الدليل السادس: عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه قال: فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: «بعنيه بأوقية»، قلت: لا ثم قال: «بعنيه»، فبعته بأوقية، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي فلما بلغت المدينة أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت، فأرسل في أثري فقال: «أتراني ما كستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك»(53).
وجه الاستدلال: من الحديثين السابقين: أن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف في المبيع قبل قبضه بهبته لابن عمر في الحديث الأول ولجابر في الثاني فيقاس عليه جواز التصرف في المبيع إذا كان مملوكًا بغير البيع بجامع التصرف في كل، وهذا دليل على جواز التصرف في المبيع قبل قبضه إن لم يحتج لحق توفية(54).
نوقش: بعدم صحة القياس؛ لأنه قياس على مسألة مختلف فيها، وهي التصرف في المبيع قبل قبضه إن لم يحتج إلى حق توفية، ثم الاستدلال بالحديث لا يستقيم؛ لأنه استدلال في غير محل النزاع؛ لأن النزاع في التصرف بالمعاوضة، وهذا تصرف بالهبة، ثم التفريق بين ما يحتاج إلى حق توفية وغيره يحتاج إلى دليل(55).
القول الثاني: إن كل ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه قبل قبضه وإليه ذهب الحنفية(56)، والمالكية إن كان طعامًا(57)، والشافعية مطلقًا(58)، والحنابلة إن احتاج إلى حق توفية(59)، والظاهرية إن كان قمحًا(60).
أدلتهم:
الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»(61).
وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام المشتري حتى يستوفى، ويقاس عليه ما ملك بعقد معاوضة بجامع انفساخ العقد في كل بالتلف قبل القبض.
الدليل الثاني: أنه لا يجوز بيع ما ملك بعقد معاوضة قبل قبضه؛ لأنه غير مضمون على من هو له، بل هو من ضمان المعاوض بدليل أنه لو تلف قبل قبضه فإن العقد ينفسخ فيه(62)، ويبقى مقابله في ذمة الدافع له.
نوقش:
أولًا: بالتسليم أنه إذا تلف قبل القبض فإنه غير مضمون على من هو له.
ثانيًا: بالمنع أن تكون هذه العلة مؤثرة هنا؛ لأن حق من هو لا يضيع، ثم إن قضية الضمان تكون ذات أثر إذا كانت المعاوضة من أجل الربح، وهي هنا ليست من أجله، فلم تكن مؤثرة.
الدليل الثالث: أن بيع ما ملك بعقد معاوضة قبل قبضه من جنس بيع الغرر؛ لأن الملك لم يتم على المملوك، بل هو قبل قبضه عرضة للآفات شرعًا وكونًا(63).
نوقش: أن الغرر هنا غير مؤثر؛ لأن حق المعاوض لا يمكن أن يضيع فإذا تلفت العين فله بدلها، ثم إن هذه العلة منقوضة بالثمر على رؤوس الشجر فهو مضمون على بائعه، ومع ذلك يجوز له التصرف فيه بالمعاوضة عنه، وإذا تلف الثمر فإن من السنة أن يعيد البائع الثمن للمشتري، فغاية الأمر أن ينقض البيع ويدفع البائع للمشتري ما دفعه(64).
الدليل الرابع: أن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه قبل قبضه، وذلك لتوالي الضمان فيه حيث إن المملوك بعقد معاوضة قبل قبضه من ضمان مالكه الأول حتى يقبضه من انتقل إليه بعقد المعاوضة، فإذا باعه صار مضمونًا لمن اشتراه على البائع له(65)، قال النووي: «المضمون بعوض في عقد معاوضة لا يصح بيعه قبل قبضه، وذلك كالمبيع، والأجرة، والعوض المصالح عليه من المال، وعللوه بعلتين.
والثاني: توالي الضمانين، ومعناه: أن يكون مضمونًا في حالة واحدة لاثنين، وهذا مستحيل»(66).
نوقش: هذا التعليل من وجهين:
الوجه الأول: بالمنع أن يكون كل مبيع قبل قبضه من ضمان البائع، بل قد نص فقهاء المالكية(67)، والحنابلة(68) على أن ما لا يحتاج إلى حق توفية من ضمان المشتري بمجرد العقد، وعمم الظاهرية، فقالوا: إن المبيع من ضمان المشتري مطلقًا احتاج إلى حق توفية أم لم يحتج(69).
الوجه الثاني: أنه على فرض التسليم بصحة ما ذكرتم، وأنه قد توالى ضمانات هنا، فإنه لا محذور شرعًا من تواليها حتى يمنع من بيع ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه، فلو قدر أن المبيع اشتراه جماعة من واحد، وتبين أن المبيع مستحق، فإنه يرجع كل واحد منهم على من اشتراه منه(70).
قال ابن القيم: «وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان:... الثانية: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين، وأما التعليل الثاني: فكذلك أيضًا، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإن كون الشيء مضمونًا على الشخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجر والمنفعة مضمونة له على المؤجر وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني، وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها، وهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقًا، وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة له وعليه»(71).
الدليل الخامس: أن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه قبل قبضه، وذلك لضعف الملك فيه لتعرضه للانفساخ بتلفه قبل القبض(72).
قال النووي: «النوع الثاني: المضمون بعوض في عقد معاوضة لا يصح بيعه قبل قبضه... وعللوه بعلتين، إحداهما: ضعف الملك لتعرضه للانفساخ بتلفه...»(73). قال محمد بن قدامة (ت620هـ): «لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناءً آخرًا عليه، تحرزًا من الغرر، وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع؛ فجاز العقد عليه»(74).
نوقش:
أولًا: بعدم التسليم بأن ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه لا تجوز المعاوضة عنه؛ وذلك لأن الثمر على رؤوس النخل تجوز المعاوضة عنه، وهو غير مقبوض للمشتري إذ أنه من ضمان البائع.
ثانيًا: أن المعروف المطرف في علل الشريعة أن تكون ظاهرة بينة مطردة كثيرة، فلا يعلل بالأمر النادر القليل الوقوع؛ وإنما يعلل بالشيء الكثير، ولو نظرنا إلى هذه العلة لوجدناها قليلة الوقوع نادرة؛ فمتى يهلك المبيع في عمليات الشراء والبيع التي تملأ الأسواق.
ثالثًا: أن هذا الدليل مبني على أن على النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي ضعف الملك لتعرضه للانفساخ بتلفه قبل قبضه، وهذا غير مسلم، بل الراجح في علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، هي عدم استيلاء المشتري على المبيع استيلاءً تامًّا؛ لأن علق البائع لم تنقطع عنه، وهذه العلة منتفية؛ لن وسيلة الملك هنا ليست البيع بل غيرها، وقد تقدم النقل عن ابن القيم رحمه الله(75).
الراجح:
والله أعلم بعد عرض الخلاف في هذه المسألة وذكر أقوال العلماء فيها، هو القول الأول، وأنه تجوز المعاوضة عن كل ما ملك بعقد ينفسخ فيه العقد بتلف المملوك قبل قبضه، وذلك لما تقدم من أدلة تدل على جوازه، كما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة حتى يقوم دليل يدل على المنع من المعاوضة، وليس ثم دليل قائم خال عن المعاوضة، خاصة وأن العلة في النهي عن بيع المبيع قبل قبضه لا يظهر وجودها في هذه المسألة، ومن المعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
المسألة الثالثة: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بغير المعاوضة: وفيه ثلاثة أمور:
الأمر الأول: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالعتق: إذا ملك الإنسان عبدًا بعقد يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه ثم أعتق العبد؛ فهل يصح تصرفه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز عتق العبد في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل القبض ذهب إلى ذلك الحنفية(76)، والشافعية(77) في الأصح، والحنابلة(78)، بل قد نقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز العتق(79).
أدلتهم:
الدليل الأول: قياس عتق العبد على جواز المعاوضة عن ما ملك بعقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه بجامع النقل في كل منهما(80).
يمكن أن يناقش بعدم صحة القياس؛ لأن الأصل المقيس عليه مختلف فيه.
الدليل الثاني: أن الشارع جعل للعتق من السراية والنفوذ ما لم يجعله لغيره فيصح عتق العبد قبل قبضه حتى لو قيل بعدم صحة المعاوضة عنه(81).
الدليل الثالث: أن من أهل العلم من أجاز عتق العبد قبل القبض بالإجماع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ولو أعتق العبد المبيع قبل القبض فقد صح إجماعًا»(82).
الدليل الرابع: أنه يجوز عتق العبد قبل قبضه؛ لأن المانع من صحة التصرفات عدم القبض وهو بهذا التصرف يصير قابضًا(83).
الدليل الخامس: أنه يجوز عتق العبد قبل قبضه؛ لأن جوازه يعتمد على ملك رقبة العبد فقط، وقد وجد، بخلاف البيع فإن صحته تحتاج إلى أمرين: ملك الرقبة واليد جميعًا(84).
الدليل السادس: أن العلة على رأي الجمهور في المنع من بيع المبيع قبل قبضه هي غرر انفساخ العقد بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وهذه العلة غير موجودة هنا؛ لعدم الانفساخ بتلف المعقود عليه(85).
القول الثاني: أنه لا يجوز التصرف بعتق العبد في كل عباد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب الشافعية في وجه(86)، وفي وجه آخر إن كان للبائع حق الحبس لم يصح، وإن لم يكن له حق الحبس صح(87).
أدلتهم:
الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»(88).
وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا، ويقاس عليه العتق بجامع التصرف في كل(89)، وبجامع التصرف الذي يزيل الملك أيضًا.
ويمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن هناك فرقًا بين البيع والعتق، فالبيع يقصد به الربح في الأصل، وهو الذي تتفق عليه علل المعللين بالمنع من التصرف قبل القبض، وأما العتق فالمقصود به طلب الثواب وتحقيق مقصد من مقاصد الشارع، وهو إعتاق النفوس.
الوجه الثاني: أن هناك فرقًا وهو أن الحديث يدل على أن سبب ملك ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو البيع، ومسألتنا مفروضة فيما ملك بغير عقد البيع.
الدليل الثاني: أن التصرف في العبد المملوك بعقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه غرر؛ لأن المملوك قبل قبضه عرضة للآفات شرعًا وقدرًا(90).
يناقش:
أولًا: بأن الغرر هنا غير مؤثر؛ لأن العبد سيعتق ويزول الملك عنه بالكلية، فلا أثر للغر بخلاف البيع لو سلمنا ذلك.
ثانيًا: أن من علل النهي بالغرر علته غير مسلمة هنا؛ لأن المنع من أجل غرر الانفساخ والتصرف بالعتق لا يحتمل الانفساخ(91).
الراجح:
والله تعالى أعلم هو القول الأول، وأنه يجوز التصرف فيما ملك بعقد ينفسخ بتلف المعقود عليه قبل قبضه، ومن أقوى ما استند عليه أصحاب القول الأول حكاية الإجماع التي نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ثم إن للشارع تشوفًا إلى عتق الرقاب، فإذا لم يُعارض هذا المقصد العظيم بدليل قوي ظاهر فإنه يعمل بمقتضاه.
الأمر الثاني: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالرهن، إذا ملك الإنسان عنيًا وقبل قبضها جعلها رهنًا لدين في ذمته لشخص آخر فهل تصرفه هذا صحيح أم لا؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إنه يجوز التصرف برهن العين المملوكة قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب محمد بن الحسن من الحنفية(92)، والمالكية إن لم يكن طعام معاوضة(93)، والشافعية في القول خلاف الأصح(94)، والحنابلة في أحد الوجهين، وقيد بعض الحنابلة الجواز بما إذا قبض الثمن، ويرى آخرون جواز الرهن على غير ثمنه(95)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية(96) رحمه الله.
أدلتهم:
الدليل الأول: إن علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه التي يقاس عليها سائر التصرفات، هي غرر انفساخ العقد بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وهذه العلة منتفية هنا؛ لأن العقد لا ينفسخ بتلف المعقود عليه.
الدليل الثاني: قالوا إن صحة هذا العقد وغيره بالقبض، فإذا رهن العين قبل قبضها فقد أمر المرتهن بالقبض نيابة عنه، وإذا نابه منابه صار بمنزلة الوكيل له، فيعتبر قبضه أولًا بطريق النيابة، ثم ثانيًا لنفسه بطريق الأصالة، وهو بخلاف ما ملك بالبيع، فإنه يملك بالعقد قبل القبض(97).
الدليل الثالث: إن رهن العين المملوكة بغير البيع قبل قبضها جائز؛ لأن العلة في المع من بيع المبيع قبل قبضه هي توالي الضمانين، وهي منتفية في هذه الصورة؛ لأن العين مضمونة على مالكها، ويد المرتهن يد أمانة فلا توالي للضمان(98).
الدليل الرابع: أن قياس الرهن وغيره مما ملك بغير البيع على ما ملك بالبيع قياس مع الفارق؛ لأن ما ملك بالبيع منصوص عليه، وهذه العقود غير منصوص عليها، ولا داخلة تحت المنصوص، فكيف تقاس على غيرها.
الدليل الخامس: أنه يجوز رهن العين المملوكة بغير البيع قبل قبضها؛ لأنه يجوز رهنها على عوضها، فجاز على غيره(99).
القول الثاني: أنه لا يجوز التصرف برهن العين قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه وإليه ذهب الحنفية(100)، والمالكية إن كان طعام معاوضة (101)، والشافعية في القول الأصح(102)، وهو المذهب عند الحنابلة(103).
أدلتهم:
الدليل الأول: قياس عقد الرهن على البيع بجامع تمليك المال في كلٍّ(104)، فإن العين المرهونة تؤول إلى أن تكون مملوكة للمرتهن، أو مملوكًا له ثمنها.
يناقش:
أولًا: بالمنع أن يكون عقد الرهن يقتضي التمليك في الحال، بل عقد الرهن وثيقة يقصد به التوثق والاطمئنان، فإن لم يحصل الوفاء بيعت العين المرهونة واستوفي من ثمنها.
ثانيًا: إن هناك فرقًا بين البيع، والرهن فلا يمكن قياس أحدهما على الآخر، فإن الرهن إن قيل أنه يقتضي التمليك في الحال، فإنه تمليك بدون عوض بخلاف البيع فإنه تمليك بعوض.
الدليل الثاني: إن جواز التصرف في الأعيان منبنٍ على الملك المطلق، وهو ملك الرقبة واليد جميعًا حتى يحصل الأمن من غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، وهذا الشرط منتفِ هنا فلم يجز التصرف(105).
ويمكن أن يناقش:
أولًا: إن هناك فرقًا بين البيع والرهن، وبين العقود بعضها مع بعض، فعقد الرهن لا يقصد به الربح حتى نمنع منه لغرر الانفساخ، بل المقصود به الاستيثاق والتوثق، وهذا حاصل حتى مع الغرر؛ لأن المرتهن قد أقدم على هذا العقد مع علمه، ولا ضرر عليه لو فقد وسيل الاستيثاق.
ثانيًا: إن تعليل النهي عن التصرف في المبيع قبل قبضه بغرر الانفساخ غير مسلم، بل علة النهي عل أخرى غير ذلك، وهي كما تقدم عدم استيلاء المشتري على المبيع استيلاء تامًّا(106).
الدليل الثالث: إن التصرف في العين المملوكة قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، التصرف فيه بالرهن لا يصح، وذلك لضعف الملك فيه(107).
ويمكن أن يناقش: بالوجه الثاني مما نوقش به الدليل الثاني.
الدليل الرابع: إن رهن العين المملوكة قبل قبضها لا يجوز؛ لأنه لا يجوز بيعها وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه(108).
يناقش:
أولًا: بالمنع من عدم صحة المعاوضة، فقد تقدم أنه تصح المعاوضة عن كل عين مملوكة بغير البيع قبل قبضها.
ثانيًا: التسليم بصحة القول أن كل ما صح بيعه صح رهن وما لا فلا، لكن هناك فرق بين البيع والرهن على القول بعدم صحة البيع؛ لأن الرهن على تقدير انفساخ العقد بتلف العين المرهونة لا يفوت معه حق المرتهن بل حقه ثابت في ذمة الراهن.
الراجح:
والله أعلم هو القول الأول وأنه يصح رهن العين المملوكة بغير البيع قبل قبضها في كل عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه؛ وذلك لسلامة أدلة أصحاب القول الأول وخلوها من المناقشة، وضعف أدلة أصحاب القول الثاني، ولأن القول الأول معضود بالأصل في المعاملات وهو الحل والإباحة، ولأن النهي إنما جاء في البيع وإلحاق الرهن به يحتاج إلى دليل يدل على هذا الإلحاق.
الأمر الثالث: التصرف فيما يخشى انفساخ العقد فيه بتلفه قبل قبضه بالتبرع به: إذا ملك الإنسان عينًا وتبرع بها بوقفها، أو هبتها، أو الصدقة بها قبل قبضها، وكان قد ملكها بعقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، فهل يصرح تصرفه أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما:
القول الأول: أنه يجوز التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها في عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب محمد بن الحسن (ت189هـ) من الحنفية(109)، والمالكية(110)، الشافعية في وجه خلاف الأصح(111)، والحنابلة في وجه(112)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية(113).
أدلتهم:
الدليل الأول: قياس التبرع بالعين المملوكة قبل قبضها على التبرع بما ملك بالبيع قبل قبضه كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم عمر ويرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «بعنيه»، قال: «هو لك يا رسول الله»، قال: «بعنيه» فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبدالله بن عمر فاصنع به ما شئت»(114).
نوقش: بالمنع من عدم قبض النبي صلى الله عليه وسلم بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبضه؛ لأن قبض البعير بالتخلية بين البعير وبينه مع التعيين والتمييز، وهذا يحصل به القبض(115).
الدليل الثاني: قياس التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها على جواز بيعها، وقد تقدمت أدلة جواز بيعها(116).
الدليل الثالث: قياس التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها على العتق بجامع عدم العوض في كلٍّ(117).
الدليل الرابع: أنه يجوز التبرع بالطعام قبل قبضه؛ لأنه ليس من عقود المعاوضة، فلا يتصور فيه معنى العينة التي منع من أجلها بيع الطعام قبل قبضه(118).
يمكن أن يناقش: بأن هذا جارٍ على أن العلة من منع بيع المبيع قبل قبضه هي حصول معنى العينة، وهذا غير مسلم، لما تقدم من بيان العلة الراجحة في النهي عن بيع ما لم يقبض(119).
الدليل الخامس: إن صحة عقود التبرعات متوقف على قبضها، فإذا أمر المتبرع له بالقبض؛ فقد أنابه مناب نفسه، فصار بمنزلة الوكيل فيقبض بأمره له أولًا، ويقبض لنفسه ثانيًا(120).
الدليل السادس: إن من علل النهي عن بيع المبيع قبل قبضه ألا يربح البائع فيما لم يدخل في ضمانه، وهذا منتفٍ في عقود التبرعات؛ لأنه ليس المقصود منها الربح بل المقصود نفع المتبرع له(121).
الدليل السابع: إن التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها لا يترتب عليه ضرر؛ لأن التبرع بها وقع على وجه الرفق وعري عن المغابنة والمكايسة فكان جائزًا(122).
ويمكن أن يستدل أيضًا بأدلة جواز بيع العين المملوكة بغير البيع، وكذا أدلة القول بجواز رهنها، وقد تقدم ذكرها.
القول الثاني: إنه لا يجوز التبرع بالعين المملوكة بغير البيع قبل قبضها في عقد يخشى انفساخه بتلف المعقود عليه قبل قبضه، وإليه ذهب الحنفية(123)، والشافعية في الوجه الأصح(124)، وهو المذهب عند الحنابلة(125).
يتبع