
11-02-2020, 02:44 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة :
|
|
رد: تجويد المنشاوي (دراسة وتحليل)
تجويد المنشاوي (دراسة وتحليل)
مرشد الحيالي
مثال آخر من قوله تعالى في سورة الإسراء، من قول الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ï´¾ [الإسراء: 7]، ونَختار كلِمة ليسوءوا؛ فقد قرأ المنشاوي الآية بِمختلف الوجوه التي تَجمع معانيها وتَحصر وجوهَ ما قاله المفسِّرون في الآية، فقد قرأ الكسائي بالنّون ونصْب الهمزة، والشَّامي وشُعبة عن عاصم وحمزة وخلف بالياءِ ونصْب الهمزة، والباقون بالياءِ وضمّ الهمزة بعدها واو الجمع، ولورْشٍ بعد ذلك ثلاثةُ البدل، ولحمزة كذلك في الوقْف عليْه، وكذا هشام النَّقل والإدْغام لأصالة الواو[91]، وقدِ استوعب الشَّيخ محمَّد جميع تلك الرّوايات في تلاوتِه للآية - رحمه الله - وبِمقام بيتا وبقفلة حِجازية في غاية الرَّوعة.
أمَّا معاني ما قرأ من كلِمة ï´؟ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ ï´¾ فهي: تُقرأ بفتْح الهمزة علامةً للنَّصب وبضمِّها وواو بعدها وبالياء والنون.
فالحُجَّة لِمَن قرأ بفتْح الهمزة أنَّه جعلَه فِعلاً للوعْد وللعذاب، والحجَّة لِمن قرأَه بالضَّمِّ أنَّه جعله فعلاً للعباد في قوله ï´؟ عِبَادًا لَنَا ï´¾، ï´؟ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ï´¾ ودليله قولُه: ï´؟ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ ï´¾، ï´؟ وَلِيُتَبِّرُوا ï´¾، والقِراءة بالياء في هذَين الوجهين، فأمَّا النّون فإخبار عنِ الله - عزَّ وجلَّ - أخبر به عن نفسِه وخصَّ الوجوه وهو يُريد الوجوه والأبدان، ودليلُه قولُه تعالى: ï´؟ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ï´¾ [القصص: 88]، يُريد إلاَّ هو، والفعل في الإفراد والجمع منصوبٌ بلام كيْ[92].
ومن الملاحظ:
أنَّ التّلاوة كانت في بيت المقدس، والمنشاوي صاحب دعْوة بصوتِه لم يشأ أن يفوّت تلك الفرصة، ليوجّه نداءَه إلى اليهود، والذين ظهَر فسادُهُم وكُفْرُهم، وأعاد تلك الآيةَ بالذَّات سبْع مرَّات وبِمختلف وجوه القراءات، ليبيِّن لهم ما ذكره المفسّرون: إنَّكم يا معشر اليهود قد أفسدتُم في الأرض، وإن وقَع الإفساد الثَّاني ولَم تتَّعظوا، وجاء أعداؤكم ï´؟ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ï´¾؛ أي: يُهينوكم ويقْهَروكم، ï´؟ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ ï´¾؛ أي: بيت المقدس، ï´؟ كَمَا دَخَلُوهُ أوَّل مرَّة ï´¾؛ أي: في الَّتي جاسوا فيها خِلال الدّيار، ï´؟ وَلِيُتَبِّرُوا ï´¾؛ أي: يُدمروا ويخربوا ï´؟مَا عَلَوْا ï´¾؛ أي: ما ظهروا عليه،ï´؟ تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ï´¾؛ أي: فيصْرِفهم عنكم، ï´؟ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ï´¾؛ أي: متى عدتم إلى الإفسادِ ï´؟عُدْنَاï´¾ إلى الإدالة عليْكم في الدُّنيا مع ما ندَّخره لكم في الآخرة من العذاب والنَّكال؛ ولهذا قال: ï´؟ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ... ï´¾[93].
الفصل التاسع
(رحلات الشيخ في العالم الإسلامي)
ما أن بلغ المنشاوي - رحِمه الله - مرْحلة النُّضج الفكري، وذاع صيته في أنْحاء مصر، حتَّى انهالت عليْه الدَّعوات من مختلف أرْجاء مصر، ثمَّ من مختلف أقْطار الإسلام للتِّلاوة وإحْياء ليالي رمضان والمناسبات الأُخْرى، وتعتبَر فترة الخمسينيَّات لحظة الانطِلاق إلى العالم الإسلامي، وقد طاف في دُول عدَّة يصْدح بصوت الحقّ، ويوجّه الأمَّة، ومن خلال تلاوته لآيات القُرآن إلى العوْدة إلى النَّبع الصَّافي، والعرْوة الوثقى ألا وهو كتاب الله والتمسّك به، ويبثّ الأمل تارةً في نفوس أبنائِها، وتارة يُعزِّيها بِمصابها في مقدَّساتِها، ويحثُّها على الأخذ بأسباب التَّمكين والعزّ والرّفعة، لقد كانت رحلات المنشاوي - رحِمه الله - تتميَّز بكونِها دعويَّة مثمِرة أكَّدت على ضرورة التمسّك بالإسلام، وأنَّ الحل للخروج من الأزمات والنَّكبات هو القرآن العظيم، وأنَّه هو وحده الموحِّد للشّعوب قاطبة على اختلاف لغاتِها ومذاهبِها، ومن تلك الرّحلات والبلدان التي زارَها الشَّيخ المنشاوي - رحِمه الله -:
رحلته إلى إندونيسيا:
وهي في نظَر المنشاوي من أوْفق الرِّحلات وأكثرها بركة؛ لسببٍ يعبّر عنه الشَّيخ المنشاوي - رحِمه الله - بتعبيرٍ صادِق نابعٍ من أعماق القلْب، وفي خطابٍ يُرْسِله إلى أكبر أوْلادِه؛ حيث يقول فيه: "لَم أر استِقْبالاً لأهل القُرآن أعْظم من استِقْبال الشَّعب الإندونيسي الَّذي يعشَق القرآن، بل ويستمِع إليْه في إنصات شديد ويظلُّ هذا الشَّعب واقفًا يبْكي طوال قراءة القرآن، ممَّا أبْكاني من هذا الإجلال الحقيقيّ من الشَّعب الإندونيسي المسلِم وتبجيله لكتاب الله"[94].
إِنَّ جَمال الصَّوت الَّذي يَملكه المنشاوي - رحِمه الله - وتفرُّد التّلاوة بطريقتِه الخاصَّة، والإتْقان في التّلاوة، وفوق ذلك كلّه العيش في ظِلال القُرْآن والتَّفاعُل معه، وتَجسيده العَميق لمعاني كتاب الله، وترْجَمته إلى حياة وواقعٍ - هِي الَّتي تَجعل كلَّ مَن يَستمع إلى تلاوة الشَّيخ يتأثَّر به، ولقد نقِل عنه - رحِمه الله - أنَّه ربَّما أعاد التِّلاوة في الأستوديو مرَّات ومرَّات، ويتوقَّف التَّسجيل لأجل البُكاء[95].
فإلى حَمَلة كتاب الله: هكذا يَجب أن تكون أخلاق حَمَلة كتابِه حتَّى يحيوا بتلاواتِهم القُلوب والأرْواح، تلك القُلوب التي غشيتْها الذُّنوب والآثام، وغطَّتْها الظُّلمات والمعاصي، والأمر كما قال عثمان بن عفَّان - رضِي الله عنْه -: "لو طهرت قلوبُنا لما شبعت من كلام الله"[96].
إلى بيت المقدس:
زار الشَّيخ المنشاوي - رحِمه الله - المسجِد الأقصى[97] المبارك وقرأ فيه، وكأنِّي بالشَّيخ - رحِمه الله - وهو يدخُل المسجِد وينظر إلى أرْوِقته وزواياه، ويتأمَّل في مسرى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فتفيض عيناه بالدّموع، ويتألَّم على مصاب الأمَّة في أعزّ ما تَملكه أُولى القبلتين وثالث الحرمَين - إنْ صحَّ القوْل، أسأل الله أن يفكَّ أسْرَه من أيدي اليهود - فينطلق بعدها بصوتِه الذي سخَّره لخدمة دينه، فيقرأ من سورة الحديد والإسراء، ومن أجْمل التِّلاوات تلك السّورة التي جَمعت في مضمونِها أسبابَ تأخُّر المسلمين وذلّهم، والأسباب المؤدّية إلى العزّ والتَّمكين، ومن أعظم أسباب الذُّلّ الَّذي أصاب أمَّتنا الإسلامية بعد أن كانت ترفُل بأثواب العزّ والسؤْدد: الانخِداع بزخرفة الدُّنيا؛ كما قال ذلك سيِّد ولَد آدم - عليْه الصَّلاة والسَّلام -: ((فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنّي أخشى أن تُبْسَط عليْكم الدّنيا، كما بسطت على مَن كان من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهْلككم كما أهلكتْهم))[98]،وتأمَّل معي كيف يقرأ الشَّيخ المنشاوي قولَه تعالى: ï´؟ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ï´¾ [الحديد: 21]، وهو يرفَع صوْتَه ويستنهِض الهِمم، ويقوِّي العزائم لِبلوغ هذا الهدَف الأسْمى الَّذي تسابقَ من أجْلِه المتسابِقون، وتنافس فيه أهل الصَّلاح والتَّقوى، ثمَّ تلاوته واختِياره لسورة الإسراء وتِلاوته لقوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ï´¾ [الإسراء: 7] بِمختلف القراءات حتَّى إنَّه أعادها أكثرَ من ستِّ مرَّات كما أشرنا من قبل، وكأنَّه يشير إلى نِهاية طغيان اليهود، وأنَّه لم تنجُ أمَّة من تبعات فسادِهم، وأنَّه في هذه المرَّة سيتمّ بإذن الله دخول المسجِد الأقْصى تَماما كما حصل في المرَّة، ولكن بعد أن تنهض الأمَّة من كبوتِها وتستعْلي على شهواتِها، وتَحْمِل في نفسِها عزَّ الجهاد في سبيل الله، وتكون أهلاً لحمْل المسؤوليَّة الَّتي أناطها اللهُ بها.
إلى بلاد الحجاز:
قرأ المنشاوي - رحِمه الله - في موسِم الحج[99]، وله فيها ذكرياتٌ من أجْمل الذِّكْريات، لقد قرأ الشَّيخ ومن حولِه حجَّاج بيت الله، ومن سورة الحج[100] وهم يستمِعون إلى تلاوتِه وسط تجاوُب وتفاعل الحضور، وكأنَّه يفسِّر السُّورة ويشرح مقاصدَها، ويُجلي معانيَها ويوضح ألفاظَها للسَّامعين، بعدها أدَّى مناسك الحجّ بشوْقٍ وإيمان وحلاوة وراحة ويقين، وقبل مغادرتِه يَحدوه الشوق والحنين لزيارة مهبط الوحي، ومكان نزول كتاب الله الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمرُ الدّين والدّنيا، إنَّه غار حِراء، فيجْلس في داخلِه أو بِجَنبِه ويقرأ آيات -قيلَ: من سورة العلق - عطِرة ممَّا نزل على قلْب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومعه نفرٌ من النَّاس ويقرأ سورة العلق فيبْكي ويُبكي مَن حوله[101]، إنَّها لحظات من أجْمل لحظات العمر بل الدّنيا بأسرِها، إنَّها لحظات عبَّر عنها شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحِمه الله - بقولِه: "ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنَّتي وبستاني في صدْري أيْنما رحت لا تُفارقني، أنا حبسي خلْوة، وقتْلي شهادة، وإخْراجي مِن بلدي سياحة"[102].
ما أحْوجَنَا اليوم ونحنُ نعيش في خضمَّ هذه المادّيات التي أثقلتِ النفوس وأوهنت القلوب، وأتْعبت الأرْواح حتَّى بدأت تُحسُّ بالقلق والإرْهاق، بل أبعدتْها عن الله وجعلتْها قاسية كالحِجارة! ما أحوجَنا إلى أن نُعيد للقلوب حياتَها ونورَها وإشراقَها، ومن خلال كِتاب الله الَّذي هو حياة النّفوس وإشراقُها، ونور الأبصار وضياؤها، وشفاء الأمراض ودواؤها!
إلى بلاد الرافدين:
في عام 66 وجَّه إليه الأخ الأستاذ حلوق في رسالة خطيَّة دعوةً للقراءةِ في مساجِد بغداد، في رسالة تَحمل مشاعر الودّ والاحتِرام، وتتضمَّن أسلوبًا رائعًا في التَّعبير والإنشاء بها، أسلوب أهل القُرآن، وتواضُع الكِبار، وفي نِهاية البحث - أخي القارئ - نصّ الرّسالتين من موقع مزامير آل داود.
حقًّا إنَّ الشَّيخ - رحِمه الله - خادمٌ للقُرآن بكلِّ ما تَحمله الكلمة من معنى، وقدِ اعتذر الشَّيخ عن الحضور في تِلْك السَّنة لموعدٍ في دوْلة الكويْت والتِّلاوة في المسجد الكبير، وقد سجّلت للشَّيخ تلاوات في الكويْت منذ عام تُعتبر القمَّة في النقاوة والصَّفاء والمهابة؛ لتطوُّر الأجهزة في البلد، مثل سور الانفِطار والفجر، وسورة ق والقصص والروم وغيرها، وفي عام 67 استقلَّ الشَّيخ - رحِمه الله - طائرة إلى بغْداد - مدينة السَّلام - مع عددٍ من القرَّاء، وصل إلى بغداد وقد لفَّ الربطة حول عنقه من شدَّة البرد، وذهب إلى جامع أبي حنيفة - من أكْبر مساجد بغداد يومئذٍ - وقرأ سورة الأنفال - لم تسجَّل، على ما نُقِل لي - ثمَّ الشُّعراء، وقصار السور - وقد سجّلت[103].
والتقى بعدها بكِبار المقْرئين العراقيِّين، أمثال المقرئ عبدالرحمن توفيق، والتقى بالحافظ خليل إسماعيل[104] رائِد القراءة في العِراق، ودار بينهما حديث ودِّي طويل، وعقدت للمنشاوي بعدها عدَّة جلسات في بيوتات الأعظميَّة قرأ فيها تلاواتٍ قصيرة جَميلة لا تتجاوز 10 دقائق، من سور الرَّحمن والشُّعراء[105] وقد سُجّلت - رُفِعَتْ إلى موقع مزامير آل داود - ومن المساجد الَّتي زارها المنشاوي: الأورفلي[106] حدَّثني الأخ خلوق أنَّ المنشاوي - رحِمه الله - بيْنما كان يقرأ في المسجد يقول: خيّل إليَّ أنَّ حنجرته سقطت بين يديْه، وبدأ الدَّم ينزل من حلقه، وكانت بداية الإصابة بالدَّوالي - البداية كانت عام 66 - وبقِي في بغداد 10 أيَّام من رمضان، وبعدها استأْذن للعودة إلى أرض الوطَن.
حصيلة هذه الجوْلة المباركة - والتي شملت بلدان عدة - وهي أكثر من 150 تسجيلا[107] من مختلف الأقطار الإسلامية، هي تراث الشَّيخ إلى جيل الأمَّة من التلاوات الرَّائعة لا يزال صداها وتأثيرُها حاضرًا في النفوس ماثلاً للعيان، رغْم مرور أكثر من 35 عامًا، هذا والمنشاوي - رحِمه الله - توفّي وقد بلغ القوَّة في الأداء والجمال الصَّوتي، كيف الحال لو عاش بعدَها لكنَّا قد سمِعْنا تلاواتٍ من لون آخر، يَختلِف عمَّا سمعناه من التّلاوات المعروفة، ولعلَّ الوقْت يُسْعِفنا لنسجّل ما تلاه الشَّيخ من تلاوات خارجيَّة وإذاعيَّة، وملابساتها وتاريخها وما يتْبع ذلك.
الفصل العاشر
(إجلال كتاب الله وتعظيمه)
لم يكُن الشَّيخ المنشاوي - رحِمه الله - قارئًا للقُرآن فحسب بل كان مربِّيًا، وبتعبيرٍ آخَر: ربَّانيًّا ومعلِّما يترْجِم ما يتلوه إلى واقع ملموس، انطِلاقًا من قوله تعالى: ï´؟ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ï´¾ [ص: 29]، وهذا يفسَّر لنا أنَّ النَّاس ومن مختلف الشَّرائح يتأثَّرون بتلاواتِه، وأنَّ تسجيلاتِه قد لاقت صدًى واسعًا في سماء القراءة المصريَّة وغيرها، وقد شهِد له بذلك عُلماء ربَّانيُّون وفُقهاء من مختلف البلاد الإسلاميَّة، ويفسِّر لنا أيضًا الإقبال على الاستِماع إلى تجويده.
إنَّ قارئ القرآن[108]، وحاملَ لوائِه لا ينبغي له أبدًا أن يتَّخذ كتاب الله مطيَّة لنيْل مآرب دنيويَّة دنيئة وإلاَّ فقد حلاوة القُرآن ولذَّته، والَّتي هي أثْمن من مُلْك الدُّنْيا بأسرِها، ولن تؤثِّر تلاوته في قلوب السَّامعين وإن كان جَميل الصَّوت؛ لأنَّه وباختِصار ما خرج من القلْب وصل إليْه، وما خرج من اللِّسان لم يُجاوز الآذان، إنَّها حقيقة بديهيَّة إلاَّ أنَّ بعض القرَّاء يغفلون أو يتغافلون عنها، إنَّ حامل القُرآن يَجب أن يترفَّع عن كلّ ما يَشين؛ فالقِراءة ليستْ حِرْفةً أو صنعة بل هي مسؤوليَّة كبيرة تتطلَّب من حامل القُرآن جملةً من الآداب والأخلاق، وأن يَجعل كتابَ الله المثل الأعلى في كلِّ شأن من شؤون حياتِه، لقد جعل المنشاوي ذلك نُصْبَ عينيْه وهدفه الأسمى وغايته العظمى من تلاوة كتاب الله.
ونذْكُر هنا من المواقِف موقِفَين:
الأوَّل: عندما وجّه إليْه أحد الوزراء من قِبَل الرَّئيس جمال عبدالنَّاصر قائلاً له: سيكون لك الشَّرف الكبير بِحضورك حفلاً يَحضره الرَّئيس عبدالناصر، ففاجأه الشَّيخ محمد صدّيق بقوله: ولماذا لا يكونُ هذا الشَّرف لعبدالناصر نفسِه أن يستمِع إلى القرآن بصوت محمد صديق المنشاوي؟! ورفض أن يلبِّي الدَّعوة قائلاً: لقد أخطأ عبدالناصر حين أرسل إليَّ أسوأ رسُله[109]، إنَّ هذا الرَّدَّ والموقف يَحمل الكثير من الدلالات ومنها:
1- الإجلال الحقيقي لكتاب الله من أن يكون مطيَّة لرغبات الحكَّام - لم تكن علاقة المنشاوي بالرَّئيس جمال طيِّبة، ربَّما بسبب موقِف جمال من بعض العلماء - مع أنَّ العالم لو ذهَبَ إلى الحاكم بنيَّة الإرشاد والتَّوجيه والتعليم لم يكُن بذلك بأس، وهو مذهب أهل السنَّة في طاعة[110] أُولي الأمر فيما لا معصيةَ فيه، وان كان الموقف هنا يَختلف، ومن هذا الباب امتنع بعض العلماء من غشيان أبواب السَّلاطين مع طاعتهم لهم بالمعروف.
2- إنَّ هذا الموقف يذكِّرنا بمواقف العلماء الربَّانين أمثال الأوْزاعي، والإمام مالك وغيرهم، وأنَّهم لم يكونوا ليقِفوا على أبواب السلاطين؛ لأنَّك ما أخذت شيئًا من دنياهم إلاَّ أخذوا شيئًا من دينك، ولا أعلم أحدًا من المقرئين وقف مثل هذا الموقِف الجريء الصَّارم، وردَّ مثلَ هذا الرَّدِّ القاسي، ليدلّك على الإيمان العميق، والاتّصال الوثيق بالله، وعدم الخشية إلاَّ من الله، ولو ذهب الشَّيخ لكان من الممكن أن يغدق عليه الأوْسمة والثَّناء - لَم يكُن المنشاوي يشترط أجرًا على القراءة، ولم ينَلْ حسب علمي وسامًا من مصر، وإن كان قد نال وسامًا رفيعًا من الرئيس الإندونيسي - ولكنَّه نال وسامًا من الدَّرجة الكبيرة، إنَّه وسام رضا الله ومرضاته، ونال تقدير النَّاس وحبَّهم له، ورزَقَه الله محبَّة الخلق أجْمعين.
الموقف الثَّاني: لم يلتحِق الشَّيخ محمَّد صديق المنشاوي بأي معهد لتعلم الموسيقا، ولم يدرسها على يد أحد الموسيقيِّين، وقد طلب أحد الموسيقيين الكبار في فترة الستينيات منه، وعرض عليه أن يلحن له القُرآن قائلاً له: يا شيخ، أنت الصَّوت الوحيد الذي يقبل الموسيقا في القُرآن، فقال له الشَّيخ محمد: يا سيدي لقد أخذت الموسيقا من القُرآن، فكيف تلحِّن أنت القرآن بالموسيقا؟![111] فخجل الرَّجُل من نفسه، وهذه عادة قبيحة من بعض القرَّاء - سامحهم الله - وانتشرت في الأوْساط القرائيَّة وهي أن يذهب المقرئ إلى موسيقار أو فنَّان[112]، أو ملحِّن ليتعلم منه المقام أو النَّغم الذي يلائم صوتَه ليكون مشهورًا، وأنت ترى كل هذه المقامات باطلة، وليس لها من الشَّرع دليل، ولا من الدّين سند، أيَجوز للمقرئ أن يحرق نفسه من أجل أن ينفع غيرَه، والغالب على هؤلاء أن الله لا يَجعل لهم قبولاً، ثمَّ إنَّ الذَّهاب إلى هؤلاء الفسَّاق نوعٌ من أنواع الإقرار على ما هُم عليه، والله هو الحسيب وبه الاستعانة، على أنَّ الرَّعيل الأوَّل مثل الشَّيخ عبدالباسط والحصري ومصطفى إسماعيل كلّهم رفضوا (النوتة الموسيقيَّة) والدّخول في المعاهد الموسيقيَّة من أجْل تحسين الصَّوت، إنَّ هذا الرَّفض من المنشاوي يدلّ فعلاً على إجْلاله لكتاب الله، وأنَّ القرآن يعلو ولا يعلى عليه، وبالله التوفيق.
مقرئ الصحوة:
لقد مرَّت أحداث مؤلمة هزَّت العلم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه في عصر المنشاوي - رحمه الله - ولم تكن مثل هذه الأحداث لتمرّ على الشَّيخ المربِّي الدَّاعية مرور الكِرام دون أخذ العِبر واستغلالها بما يَخدم الإسلام والمسلمين، ومن تِلْكم الأحداث حدث النكبة عام 67[113] وما تبِعها من مصائب، وما أعقبَها من نتائج لازِلْنا نعاني من ويلاتها إلى اليوم، والتي من أهمّ أسبابِها تفرُّق المسلمين وانكبابُهم على حبّ الدنيا وملذَّاتها، والفرقة التي مزَّقت دولة الإسلام، وجعلتْهم أحزابًا وشيعًا كلّ منهُم يدَّعي وصلاً لليْلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاك، والكلّ يدَّعي أنَّه حامل لواء الكتاب والسنَّة وينقد غيرَه من الجماعات، علمًا أنَّ الادِّعاء وحده لا يكفي بل لا بدَّ من التَّطبيق.
وقد توالتْ ردود الفِعل من عُلماء الأمَّة وفقهائها والمخلصين من أبنائها من أجل الاستِنْهاض بالأمَّة والأخذ بأسباب القوَّة، والعوْدة بالمسلمين من جديدٍ إلى أسباب العزِّ والرِّفْعة والسؤدد، وإلى النَّبع الصَّافي من القُرآن والسنَّة الَّذي يوحّد ولا يفرّق، ويَجمع ولا يشتِّت، وبرز عددٌ من الدّعاة وأعلام الأمَّة كرَّسوا أقلامهم وكلامَهم من أجل هذا المبدأ العظيم، والَّذي به صلاح الأمَّة، وهنا برز دوْر المقرئ المنشاوي - رحمه الله - وبما يملكه من الطَّاقة الصوتيَّة، والموهبة الَّتي رزقه الله إيَّاها، فإنَّه - وبلا شكٍّ - تألَّم ممَّا يتألَّم منه كلُّ غيورٍ على الأمَّة، ومن هذا المنطلَق استغلَّ المناسبات العديدة، والدَّعوات التي وجِّهَت إليه ومن مختلف الأقطار والأمصار، ومن خِلال مساجدِها؛ مثل المسجد الأقْصى، والمسجد الأموي بسوريا، ومسجد أبي حنيفة بالعِراق، والمسجِد الكبير بالكويت والأردن وليبيا وغيرها، من أجْل تذْكير الأمَّة الإسلاميَّة بِمجدِها التَّليد، وتاريخها العريق المتألِّق في أفُق السَّماء، ومن خلال الصَّدح بالقُرآن الكريم وسُوره العظيمة، والتي تبثُّ في النُّفوس روح الأمل والاستِبْشار بوعْد الله، وأنَّ النَّصر آت إنْ شاء الله قريبًا لا مَحالة، وأنَّ الله لا يُخلِف وعدَه، وأنَّ وعْده يأتي حينما تأخُذ الأمَّة الإسلاميَّة بأسباب التَّمكين، والتي منها: الإيمان بالله والعمل للآخِرة، وترْك التَّنافُس على حُطام الدُّنيا ومتاعِها الزَّائل، فكان - رحمه الله - يرفع صوته مدوّيًا بالقرآن، وخاصَّة من السور التي تدعو إلى الصَّبر واليقين والتوكُّل على الله، والصَّبر على البلاء ووحْدة الصف، ومن ذلك سورة التوبة وآل عمران[114]؛ فإنَّ الشَّيخ كان يكرّر قراءَتَها في مثل تلك الظّروف، وقد قرأ الشَّيخ هذه السورة - التوبة - وخاصَّة الآيات من قوله:ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ï´¾ [التوبة: 38] مرَّات عديد وفي أكثر من ستّة مَحافل في بلاد مختلفة.
إنَّ الآيات واضحة المعاني والدّلالات تبيِّن أنَّ "الجهاد فريضة على المسلمين حتَّى لو كان عدد أعدائِهم أضعاف عددِهم، وأنَّهم منصورون بعون الله على أعدائِهم، وأنَّ الواحد منهم كفءٌ لعشَرة من الأعداء، وكفءٌ لاثنَين في أضعف الحالات، وفريضة الجهاد إذًا لا تنتظر تكافُؤَ القوى الظَّاهرة بين المؤمنين وعدوِّهم، فحسبُ المؤمنين أن يعدّوا ما استطاعوا من القوى.. وأن يثقوا بالله.. وأن يثبُتوا في المعركة ويصبِروا عليْها.. والبقيَّة على الله؛ ذلك أنَّهم يَملكون قوَّة أخرى غير القوى المادّيَّة الظَّاهرة"[115].
لقد قرأ الشَّيخ تلك الآيات في أكثر من سبعةِ محافل تقريبًا، وفي كلّ مرَّة يتْلوها وهو حاضر القلب متأثّر بما يَحصل حوله، متألّم على مصاب الأمَّة، مناديًا ليُسمِع الأمة الإسلاميَّة، لعلَّها تستيقظ من سُباتِها ونومِها، ويحثُّها من خلال التِّلاوة، ويذكِّرها أنَّ النصر قريب بإذن الله.
"إنَّ العذاب الذي يتهدَّد الأمَّة ليس عذاب الآخرة وحْده - حين تترك الجهاد في سبيل الله - فهو كذلك عذاب الدّنيا، عذاب الذّلَّة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح والغلبة عليْهم للأعداء، والحرمان من الخيرات، وهُم مع ذلك كلّه يَخسرون من النّفوس والأموال أضْعَافَ ما يَخسرون في الكفاح والجهاد، ويقدّمون على مذبح الذّلّ أضعاف ما تتطلَّبه منهم الكرامة لو قدَّموا لها الفداء، وما من أمَّة تركت الجهاد إلاَّ ضرب الله عليْها الذّلَّ فدَفَعت مُرْغمةً صاغِرةً لأعدائِها أضْعاف ما كان يتطلَّبه منها كفاح الأعْداء"[116].
الأيام الأخيرة:
في عام (1966م) أُصيب[117] - رحِمه الله - بدوالي المريء، وقد استطاع الأطبَّاء أن يُوقِفوا هذا المرض بعض الشَّيء بالمسكّنات، ونصحوه بعدم الإجْهاد وخاصَّة إجهاد الحنجرة، إلاَّ أنَّه كان يصرُّ على الاستِمْرار في التّلاوة وبصوت مرتفِع، حتَّى إنَّه في عامِه الَّذي توفّي فيه كان يقرأ القرآن بصوت جهوري؛ الأمر الذي جعل النَّاس يَجلسون بالمسجِد الَّذي كان أسفل البيْت ليستمِعوا إلى القرآن بصوْتِه دون علمه، ولمَّا اشتدَّ عليه المرض نُقِل إلى مستشفى المعادي، ولمَّا علمت الدَّولة بشدَّة مرضه، أَمَرت بسفرِه إلى لندن للعلاج على نفقتِها إلاَّ أنَّ المنيَّة وافتْه قبل السفر، وكان ذلك سنة (1388هـ - 1969م)، ولم يتمَّ الشَّيخ الخمسين سنة، وكان آخِر تلاوة للشَّيخ - رحمه الله - هي تلاوته لسورة لقمان[118].
إنَّ وصف شهيد القُرآن - إن صحَّ - وصفٌ ينطبق بالفعل على المنشاوي، فقد نذَر هذا الرَّجُل صوتَه لله على الرَّغْم من علمِه بأنَّ رفْع الصَّوت في القراءة يؤدِّي إلى إتْعابه، بل ربَّما يؤدِّي إلى انقطاع الصَّوت وإلى الأبد - رحمه الله - فإنَّه أحد أولئك الذين وهبوا حياتَهم للخدمة في دولة التِّلاوة، فإذا به درَّة متفرِّدة لا تكاد تَجد لها نظيرًا أو شبيهًا بين هذه الكوْكبة العظيمة من قرَّاء القرآن الكريم.
رحِم الله الشَّيخ محمد صدّيق المنشاوي رحْمة واسعة، فلم يورِّث درهمًا ولا دينارًا، ولكنَّه ورَّث تلاوة مجوَّدة وترتيلاً خاشعًا عذبًا لكِتاب الله، يأسر القلوب ويخرج بِها كوامن الهموم، ويستجلِب بها العبرات من العيون، لقد أيْقظ المنشاوي بتلاوتِه القلوب الغافلة، وأحْيَت تلاوته النّفوس المريضة، إنَّه القارئ الَّذي لا يَملُّ من القراءة، وهو القارئ الذي استمع إليه المسلِمون في إندونيسيا فأجهشَهم البكاء على الرَّغم من عدم نُطْقِهم بالعربيَّة، إنَّه القارئ الَّذي حينما يقرأ تحس أنَّه صوت الحور العين - كما وصفه البعض[119] - وهو القارئ صاحب التَّواضُع الرَّفيع، والذي كان يقابل الإساءة بالعفْو والإحسان، وباختِصار: القارئ المثالي وحامل كتاب الله الَّذي تخلَّق بأخلاقِه وتأدَّب بآدابه، ومن المحزن أن يكون نبأ وفاة هذا العلَم وغيره من أعلام القِراءة في مصر - أمثال الحصري وعبدالباسط وغيره - غائبًا عن وسائل الإعلام، وهو القارئُ الَّذي ملأتْ شهرته الأمصار والأسماع، بيْنما تتبارى الوسائل المرئيَّة والسمعيَّة للإعلان عن وفاة مطربة الشَّرق[120]، وكوكبة الزهر - كما يزعُمون - ويعْلن الحداد وتنشغل الأمَّة الإسلاميَّة بطولها وعرضها، وتسخر الأقلام - رياء وسمعة - في مدْحِها وتأبينها، ترى ماذا قدَّمت أم كلثوم لأمَّة الإسلام؟! اللَّهم سوى العبث واللَّهو وأن يبْقوا في سُكْر لا يفيقون منه أبدًا.
قَالَتْ[121]سَكِرْتَ بِمَنْ تَهْوَى فَقُلْتُ لها 
العِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا فِي المَجَانِينِ 
العِشْقُ لا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ 
وَإِنَّمَا يُصْرَعُ المَجْنُونُ فِي الحِينِ 
وللحقيقة فإنَّ دار الإذاعة بلندن[122] الوحيدة التي أعلن فيها عن نبأ الوفاة، إلاَّ أنَّ المذيع أخطأ في تاريخ الولادة فقال: وُلِد المنشاوي عام1921، ويكْفي المنشاوي فخرًا وعزًّا أنَّ الله رزَقَه محبَّة الخلق، وأنه يترحَّم عليه في كلّ يوم الكثير من محبِّيه وسامعيه مادام صوتُه يصدح بالقرآن، رحِم الله المنشاوي فقد وهب حياتَه لتلاوة القُرآن الكريم حقَّ تلاوته، وتَجويده أحسن ما يكون التَّجويد، فعاش بالقُرآن، وعاش مع القرآن، ثمَّ إنَّه مع هذا وذاك أحسن ترْبية أولادِه عندما حفَّظهم كتاب الله، وغرَس في نفوسِهِم حبَّه.
الفصل الحادي عشر
شهادة العلماء[123] بالثناء عليه
الذين مدحوه من العلماء الأعلام وأثنَوا على تلاوته وتَجويده كثيرون، فضلاً عن العوامّ الَّذين لا يعدُّون ولا يُحْصَون، أمَّا العلماء فقد قال سماحة الشَّيخ ابن باز - رحمه الله - عنه: "إنْ أردت أن تسمع إلى القرآن كما نزل فاستمع إلى المنشاوي"، إنه صوت لا تملّ منه أبدًا كينبوع ماء طاهر متدفِّق مروٍ للعطشى، وكان الشَّيخ الألباني يبكي وهو يسمع الشَّيخ محمَّد صديق المنشاوي.
يقول الأستاذ/ محمَّد بن أحمد (أبو ليلى الأثري) وكان عنده الحرْص على تسْجيل دروس ومحاضرات وفتاوى الإمام الألباني - رحِمه الله - رغْم قلَّة ذات اليد وصعوبة الحال في ظروفِه التي عايَشها مع الإمام الألباني - رحِمه الله - فكان أن قال عن الإمام الألباني - رحِمه الله -: كان سريعَ الدَّمعة رقيق القلب يحبُّ استِماع القرآن بصوْت الشَّيخ محمد صدّيق المنشاوي - رحِمه الله - وعند سماعِه لا ينشغِل بشيء آخَر؛ بل ينصت ويخشع.
يقول فضيلة الأستاذ:
ذهبتُ ذات مرَّة لبيته - رحِمه الله - فاستأذنتُ عليْه ودخلتُ غرفتَه، فوجدته جالسًا يَستمِع لقراءة التَّرتيل للشَّيخ المنشاوي - رحمه الله - والتفتُّ إليه وإذا به يبْكي - رحِمه الله.
وأعرف من الشَّباب المسلم مَن حفِظ القرآن من خلال الاستِماع إلى تلاوته، يقول صفي الدين الأعظمي[124] - نقلاً -: كنتُ في الثَّامنة عشرة من عمري، وكنت أقرأ في أحد المحافل القرآنيَّة في العراق التي كانت منظَّمة بواسطة رئيس ديوان العراق، ويقول: وأثناء التّلاوة دخل رئيس ديوان العراق - وكان معه أحد الشّيوخ - وهمس لي بأن أخْتِم التلاوة، فاستفسرتُ فقال لي: إنَّ الشَّيخ المنشاوي قد حضر، فنظرت إلى الشَّيخ فوجدتُه شابًّا وكنتُ لَم أر المنشاوي قط، فقلت في نفسي: إنَّ هذا ليس المنشاوي فقد كنت أعتقد أنَّ المنشاوي فوق الستّين بسبب صوتِه الرَّخيم، فالمهمّ تنحَّيتُ جانبًا إلى جانب الشَّيخ وصعِد الشَّيخ، واستعاذ، فقلتُ بصوْتٍ مسموعٍ يسمعه الشَّيخ: إنَّ هذا ليس المنشاوي، فنظر إليَّ الشَّيخ ولم يقُل شيئًا ثُمَّ بسملَ فقلتُ: مستحيل أنه يكون المنشاوي! ثمَّ قرأ: ï´؟ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ ï´¾ [الأنفال: 1]، فقلتُ: والله، إنَّه المنشاوي فنظر إليَّ مبتسمًا وقال: نعم أنا المنشاوي.
رؤيا المنام التي رُئِيَت بالشَّيخ المنشاوي - رحمه الله.
ومن عاجل بُشْرى المؤمِن ثناء النَّاس عليْه بعد موته، ومِن العلماء الذين أثْنَوا على الشَّيخ - رحمه الله - فضيلة العالم الربَّاني الشَّيخ محيي الدين الطعمي[125] - حفِظه الله - بما نصّه: رأى له سيّدي محمَّد أبو بطانية - رحِمه الله - رؤًى صالِحة تدل على ولايتِه وصلاحه، وكان إذا قرأ القُرآن أحسَّ المستمِع أنَّ صوته كصوْت الحور العين، يؤثِّر تأثيرًا ربَّانيًّا في ذات الجالسين، وينقلهم إلى عالمٍ لا شيءَ مثيله في المادّيَّات.
أسألُ الله أن يُحْيي قلوبَنا بالقرآن، وأن يَحشرنا مع أهل القرآن، ويَجعلنا ممَّن يتْلو القرآن حقَّ تلاوته آناء الليل وأطراف النَّهار، وأن يفكَّ أسرى المأسورين العراقيِّين وأن يرْفع الظُّلم عن المظلومين بمنِّه وكرمه، إنَّه سميع مجيب.
خاتمة
توصيات:
بعد هذه الجولة المباركة مع المقْرئ الشَّيخ محمَّد صدّيق المنشاوي، أحببتُ أن أسجِّل بعض ما خطر لي من ملاحظات حوْل القرَّاء وما ينبغي لهم وعليْهم، فأقول مستعينًا بالله:
• ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أصوات قرَّاء القرآن الكريم لها الأثَر الطيِّب على عموم أهل الإسلام؛ لما تميَّزت به تلاواتُهم من جمال الصَّوت والأداء المتقَن، وقد صافحت أصواتُهم النديَّة آذان المسلمين في شتَّى البلاد، وخاصَّة في الجاليات الإسلاميَّة في بلاد أوربا وأمريكا وغيرها، وأعطتْهم حظًّا من النور والاطمئنان والانشراح، مثل المقرئ محمد عبدالباسط عبدالصَّمد والحصري والمنشاوي ومحمود البنا وغيرهم، والكثير من المسلمين إنَّما عرفوا طريق الإسلام والنور من خلال حناجرهم الشجيَّة، وتلاواتهم النديَّة، ومن أجل الحفاظ على هذه الكنوز والتراث القُرآني أقترح ما يلي:
أوَّلاً: تشكيل لجنة خاصَّة من علماء القِراءة - وهم اليوم كُثْرٌ ولله الحمد بسبب النهْضة الإقرائيَّة، وانتِشار علم القِراءات - تهتمّ بتلاوات القرَّاء من خلال المتابعة الجادَّة والبحث عن المدفون منها في الإذاعات - خاصَّة أنَّ بعض هذه الإذاعات لا تهتمّ بهذا التراث، بل كانت سببًا في ضياع وإتْلاف الكثير منه - وفي البيوتات التي يهتمّ أصحابُها بتلاوات القرَّاء وإخراجها إلى النور من جديد؛ من أجل أن يتمتَّع بسماعها الجمهور.
ثانيًا: ضرورة النَّظر - وخاصَّة بالنسبة للإعلام العربي الإسلامي المرئي والمسْموع - إلى إعطاء مساحة أوْسع لعرض تلاوات القرَّاء الذين يتميَّزون بالأداء المتقَن، والصَّوت الجميل، على أنَّ بعض القنوات الإعلاميَّة بدأت في الآونة الأخيرة تتطلَّع إلى تطبيق ذلك، فبدأت تعْرِض تلاوات القُرَّاء القدماء[126]، وهي بذلك تؤدِّي دوْرًا محوريًّا في خدمة كتاب الله، مع ما تقوم به من برامج متنوّعة تخصُّ كتاب الله تلاوةً وتفسيرًا ودعوة.
ثالثًا: تُعتبر تلاوات القرَّاء مادَّة علميَّة يُمكن الاستفادة منها في علم القِراءات، حيث تقدّم تلك التلاوات نماذج تطبيقيَّة في علم القراءات، يُمكن أن تدرس في معاهد إقرائيَّة مخصَّصة لذلك، إضافةً إلى كوْنِها مادَّة علميَّة في تصحيح التّلاوات، والنطق بالقرآن، ولا ننسَى تلاوات الحصري وما كان لها من أثَر عظيم على عموم الأمَّة في التَّعلم والتَّربية الإيمانيَّة، وفيما يخصّ علم المقامات يُمكن للمبتدئين تعلُّمها عن طريق الاستِماع المكرَّر لآيات الذِّكْر الحكيم بالمقامات المختلفة، وعن طريق أساتِذة متخصِّصين بدلاً من تعلُّمها من وسائل غير شرعيَّة بل ومحرَّمة.
رابعًا: محاولة الاتِّصال بالقرَّاء أو بِمَن له صِلة بِهم، وتقديم مادَّة علميَّة مدْعومة بالوثائق الصَّحيحة تتناول سيرتَهم الذَّاتيَّة باعتبارهم نجومًا يُستضاء بها في علم التلاوة، وعرْضها على النَّاس من خلال القنوات الهادفة التي تنشر تراث عُلمائنا ومفكِّرينا، ولا ننسى ما تقوم به بعض القنوات الإسلامية من عرض أفلامٍ وثائقيَّة عن حياة القرَّاء الأحْياء منهم والَّذين قضَوْا نَحبهم، وما لتلك الأفلام الوثائقيَّة من أثر طيّب على النَّاس في تصْحيح الكثير من الأخْطاء في حياة النَّاس العمليَّة.
هذا فيما يتعلَّق بِما ينبغي عليْنا تِجاه قرَّائِنا الأجلاء، أمَّا فيما يتعلَّق بالقرَّاء وما ينبغي عليْهم من واجبات وآداب:
أوَّلاً: على القرَّاء أن يتذكَّروا أنَّهم حمَلة كتاب الله وحفَظة القُرْآن الذي أشرقت به الظُّلُمات، وأنَّ الإسلام إنَّما وصل إلى أرْجاء المعمورة إنَّما كان من أهل القُرآن بعِلْمِهم وعملِهم، وتلاواتِهم وورعِهم وخوفِهم من الله، فلا ينبغي عليهم أن يُفَرِّطوا في هذا الشَّرف العظيم، ويكونوا من طلاب الدُّنيا، وليتذكَّروا أنَّ النَّاس ينظرون إليْهم نظرة إكْبار وإجلال واقتداء، فعليهم:
ثانيًا: أن يتخلَّقوا بآداب القرآن ويتأدَّبوا بآدابه، وأن يُعْطُوا القُرآن حظَّه من التَّطبيق والتَّفعيل في حياتِهم العمليَّة، فليس الأمر مقصورًا على الصَّوت الجَميل والأداء المتْقَن فحسْب، بل الأمر أوْسع من ذلك بكثير، فالقُرآن هو دستور الأمَّة، ومنهج حياتِها، فعليْهم أن يبعِدوا تلك الصُّورة التي ارتسمتْ على بعض القرَّاء من المنافسة على الدِّرْهم والدينار من خلال إحْياء الحفلات بالأجور الباهِظة المثقِلة لكاهل من يتحمَّلُها.
ثالثًا: كتاب الله لم ينزل ليُقْرَأ في المآتِم فحسب، بل ليقرأ آناء اللَّيل وأطراف النَّهار، وهو الفرج العظيم الذي به تَحيا القلوب وتسعد النفوس، لم ينزل على الأموات بل نزل ليذكّر به الأحياء؛ لأجل أن يقوموا بعمارة الأرْض بطاعة الله.
رابعًا: أفضل ما يذكر أهل الإيمان ويوقظهم من غفلتهم هو العِلْم الشرعي، فعلى القارئ أن يتسلَّح به ليحميَه من غوائل الفِتَن ومضلاَّت البدَع والأهواء، وما أكثر البدَع التي تَملأ أجْواء القرَّاء! وخاصَّة الأماكن القبوريَّة التي يُسْتغاث فيها بغير الله، ولا تجد مَن ينكر من القرَّاء إلاَّ على استحياء؛ ولهذا عليهم أن يكونوا دعاة إلى الله بتلاوتِهم بل وبأفعالهم وأقوالِهم؛ فإنَّ النَّاس يستجيبون لهم ويُحبُّون أصواتَهم، ثمَّ ما المانع أن يعقب التّلاوة درس في الفقه والدين؟! وهذا من شأنه أن يرفع من قدرِهم ويعلي من شأنهم.
هذا ما تيسَّر لي التَّذكير به، وأسأل الله أن يحسن عاقبتنا في الأمور كلّها، ويُجيرَنا من خِزْي الدُّنيا وعذاب الآخِرة، وأن يرحَم قرَّاءنا العِظام وأنينوّر قبورَهم ويرفع من درجاتِهم، وأن يُلْحِقنا بالصَّالحين مع الَّذين أنعم الله عليْهم من النَّبيِّين والصدّيقين والشُّهداء والصَّالحين، وحسُن أولئك رفيقًا، وآخر دعْوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آلِه وصحْبِه أجمعين.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|