الفصل الثَّامن
(ميزات تلاوة المنشاوي دراسة وتطبيق)
في هذا الفصْل دراسة وتَحليل لبعض الميزات والمؤثِّرات في تَجويد المنشاوي وتَرتيله، والَّتي جعلتْها في القمَّة والرَّوعة والمهابة في الأداء والتَّأثير، مع أمثِلة تطبيقيَّة من تلاواتِه في المحافل والمساجد.
أوَّلاً: الوقْف والابتِداء:
الوقف[67] معناه: قطْع الصَّوت على الكلِمة القُرآنيَّة زمنًا يتنفَّس فيه عادة مع قصد الرجوع إلى القراءة، إمَّا بما يلي الحرف الموقوف عليْه إن صلح الابتداء به، أو بالحرف الموقوف عليْه، أو بِما قبله مما يصلح الابتِداء به، ولا بدَّ في الوقف من التنفُّس معه، وينقسم الوقف إلى الوقف الاضطِراري، والوقف الاختِباري، والوقف الانتِظاري، والوقف الاختِياري، وهذا الأخير ينقسم إلى خمسة أنْواع: اللاَّزم والتَّام والكافي والحسن والقبيح.
يقول الحصري[68] - رحِمه الله - في بيان صفات القارئ المجيد: "وهو أن يكون له معرفة بالقواعِد والضَّوابط التي وضعها عُلماء التَّجويد، ودوَّنَها أئمَّة القرَّاء، من مَخارج الحروف وصفاتها، وبيان المثلين والمُتقاربين والمتجانسَين، وأحكام النُّون السَّاكنة والتَّنوين، وأحْكام الميم السَّاكنة، والمدّ وأقْسامه وأحكامه، وأقسام الوقْف والابتداء....".
لقد كان المنشاوي - رحِمه الله - أُستاذًا بارعًا في هذه الأقْسام كلِّها، يُحسن استخدامها في غاية الإتقان مع ما أُوتي من جمال الصَّوت وعذوبته، وبراعة في توْظيف المقام مع خشوع وتأثُّر بِما يتلوه، وقد ورِث هذا الإحساس والتذوُّق للقرآن على يد الشَّيخ محمَّد النمكي[69] قبل أن يدرس أحكام التِّلاوة على يد الشَّيخ محمد أبو العلا والشَّيخ محمد سعودي بالقاهرة.
وقد اخترت من التِّلاوات المحْفلية تلاوته لسورة القصص[70] والتي تلاها في خَمسة محافل منها في الكويت، ونتوقَّف عند قوله - سبحانه -:
ï´؟ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ï´¾ [القصص: 79]، وما تلاها من آيات، وما فيها من إبْداع في التَّلاوة للشَّيخ - رحِمه الله -.
ونُحاول أن نسْتجلي ما في تِلاوة الشَّيخ من دروس على شكْل نقاط:
• وقف الشَّيخ عند قوله "في زينته"، وهو ما يسمَّى بالوقْف الاختياري وهو: وقف جائز، يَجوزُ استِئْناف ما بعده والوصْل فيه أوْلى، والشَّيخ هنا ينبِّه إلى توخِّي الحذَر في الوقف والابتِداء[71]، فالآية تصوّر حالة من إعْجاب قوم موسى بما أوتي قارون من سُلطة ومتاع في الدُّنيا، بل وصل إعجابُهم إلى حدِّ التحسُّر وتَمنَّوا أن يكونوا مكانَه، وممَّا يدلّ على براعة الشَّيخ في الوقف أنَّه تلا الآية من قوله: ï´؟ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ï´¾ [القصص: 79]، ثمَّ عاد الشَّيخ واستأنفَ الكلام من قولِه: ï´؟ مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ï´¾؛ لأنَّه لو قرأ واستأنَفَ من قوله: "يا ليت لنا مثل ما.." إلى آخِر الآية لوقَع في المعنى المغايِر للآية تمامًا، وهو تَمنِّي حال قارون والَّذي سِيق الآية لذمِّه والتَّحذير ممَّا وقع فيه.
• تلا الشَّيخ الآية السَّابقة ومرَّ عليْها سريعًا وتلاها بالقرار، وبدون تكْرار، وكأنَّه يلمّح إلى أنَّ المقام مقام غضب وسخط من الله على قومٍ غرَّتْهم الحياة الدنيا، وتنكَّروا لنعمة الله وفضله، وأنَّه لا ينبغي لِمَن أوتي عقْلاً أن يغترَّ بزينة الدّنيا.
• عندما يصِل الشَّيخ إلى قولِه تعالى: ï´؟ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ ï´¾ [القصص: 80]، هنا يرْفَع الشَّيخ من وتيرة صوتِه وبِمقام رست قويّ، وجواب للقرار، وانفِعال مؤثِّر ليدلَّ على المقصود ممَّا سيقت له الآيات السَّابقة، وأنَّ الناس على مفترق طُرُق بين مَن يُريد الحياةَ الزَّائلة، وبين مَن يُريد ثوابَ الله والدَّار الآخرة ويبغي النعيم السرمدي الَّذي لا ينقطع، وأنه يجب الاستِعْداد بالعلم النَّافع والعمل الصَّالح، وهُنا يُكرِّر الشَّيخ الآية - كعادته في الآيات التي تتضمَّن التَّذكير والوعْد - ثلاث مرَّات، كما كرَّر قولَه تعالى: ï´؟ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ ï´¾ [القصص: 80]، وبأداءٍ يدلُّ على شيءٍ فات ومضى، وأنَّ الَّذين تمنَّوا مكان قارون وغناه والَّذي خسف الله به الأرض، اليوم هُم يعلنون التَّوبة والرّجوع إلى الله وبقفلة رائعة عند قوله: ï´؟ لِمَن يَّشَاءُ وَيَقْدِرُ ï´¾؛ لِلدَّلالة على أنَّ كلَّ شيء عند الله مقدَّر، وأنَّ الرّزق بيد الله، وعند قولِه تعالى: ï´؟ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً ï´¾ [القصص: 83]، يُعْلِنها الشَّيخ مدوِّية ليرفع صوتَه في أُفُق السَّماء ليبيِّن سنَّة الله في خلقه وقدره في كونِه الشَّرعي، وأنَّ الدَّار الآخِرة خالصة للَّذين لا يبغون علوًّا في الأرض ولا فسادًا.
• قرار الشَّيخ المنخفِض في كلّ من قولِه تعالى: ï´؟ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ï´¾ وقوله تعالى: ï´؟ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ ï´¾ وبنبْرة حزينة مؤثِّرة للدّلالة على الشَّفقة على حال مَن غرَّه علمه أو ثروته أو سلطانه، وما آل إليْه من مصير رهيب، والشَّيخ تخنقه العَبرة عند قوله: ï´؟ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ï´¾ [القصص: 82]، والخوف من أن يكون حال المسلم مثلَ مصيرِ ما جرى لقارون وأمثالِه، فهو لهذا يسألُ الله التَّثبيت والهداية على الصِّراط المستقيم.
وفي موضوع الوقْف أيضًا: الوقف على الهمز؛ فللمنشاوي - رحمه الله - هنا إبداعات هي الرَّوعة والحلاوة، فإنَّه كما هو معلوم كلّ القرَّاء يقِفون على لفظ "اقرأ" على الهمز إلاَّ حمزة براوِيَيه، وهشام عن ابن عامِر من أحد طرقيْه، وحمزة وهشام بِخلف عنه يقِفان على لفظ "اقرأ" بإسقاط الهمز وفي حالة الوصل التَّحقيق لكل القرَّاء[72].
وكذلك لام التَّعريف الَّذي بعده الهمز مثل الأكرم والإنسان، هناك ثلاثة أقْسام:
• قرَّاء يسكتون سكتةً لطيفة على السَّاكن قبل الهمزة لبيانِها وهُم حمزة براوِيَيه.
• قراء ينقلون حركة الهمزة إلى السَّاكن قبلها وهُم ورش من طرُقه وصلاً ووقفًا، وحمزة عند الوقف فقط.
• وقراء ليس لهم السَّكت على السَّاكن قبل الهمزة وهم باقي القرَّاء.
• وهنا الشَّيخ - رحمه الله - يبدأ تلاوته من سورة العلَق بدرْس في مجال علم القِراءات، ودرس في المقامات، ودرسٍ آخر في تفسير الكلِمات، بل بدرسٍ يهزّ المشاعر يدلُّك على طريق الآخِرة وينكشف للقارئ معانٍ جليلة في فهْم القرآن وتدبُّره.
• الشَّيخ يرتّل الآيات من سورة العلق على مقام السيكاه[73] - وهو مقام يَمتاز بالبطْء والتَّرسُّل ويدخل في عمق القلب ليفتح آفاقَه للنَّظر في أحكام الآيات القُرْآنيَّة - ويُحلِّق بنا في أجواء رحْبة من فضْل الله على الإنسان الَّذي خلقه من علقةٍ ميتة لم يكن شيئًا قبل ذلك، ثم تدرَّج به في النّعم حتَّى أرسل إليه الرُّسل وعرَّفه بأعظم النعم على الإطلاق، ألا وهي نعمة العِلم والقلم والكتابة، ثم علَّمه علم القرآن والبيان، فكيف يَجوز للمخلوق الضَّعيف أن يَجحد ذلك كلَّه ويتنكَّر للنعمة ويقابِلها بالإساءة والجحود، والشَّيخ يجوّد الآيات على وفق التَّذكير لأنَّ المقام مقام فرَح واستِبْشار، وبقفلة قلَّ مَن يُجيدها عند قوله: ï´؟ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ï´¾ [العلق: 5]، ويقسم القِراءات إلى أُصول يرجع كلُّ أصْلٍ إلى قارئ، ويبدأ بالقرَّاء: ورش ثمَّ حَمزة، وفي المقطع الأخير يَجمع كلَّ أصول القرَّاء كنموذج لبيان خلاصة ما تقدَّم.
وهذه عادة الشَّيخ في تلاواتِه كلّها تقريبًا[74]، فعندما تلا قولَه -تعالى- من سورة الرّوم: ï´؟ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ï´¾ [الروم: 20][75]،أحبَّ أن يتدبَّر معناها وأن يذكِّر النَّاس بِما حوتْه الآية من معانٍ، فوقف عندها طويلاً، فشرع تلاوتَها خَمس مرَّات تقريبًا وبِمختلف القراءات: برواية ورْش عن نافع، وبرواية حفْصٍ بقصْر المد، وبرواية الدُّوري، وشعبة عن عاصم - حفص بالتوسّط -والكسائي، وبرواية السّوسي عن أبي عمرو البصري، وبرواية المكّي ابن كثير، وختَم الآية برواية حمْزة الزيات، وبذلك فسَّر الآية وبصوته العذْب من جميع وجوهِها، والَّتي تدلّ على نعمة الله على الإنسان، وأنه تكون من نسله جَميع الأمم والحضارات مختلِفة الطّباع والتَّقاليد والعادات، وإنَّه لآيةٌ من آيات الله التي تدلُّ على أنَّه المستحقُّ للعبادة والطَّاعة، والخضوع الكامِل من جَميع الوجوه، وأنَّه ربّ العالمين.
عندما ينتهي الشَّيخ ويبدأ بقولِه: ï´؟ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ï´¾ [العلق: 6] تتغيَّر نبرته، وتتبدَّل مشاعِره، وكأنَّه ليس المنشاوي الَّذي كان يحدِّثنا عن الفرح والاستِبْشار، إنَّه الآن ينتقِل إلى أجْواء أخرى من معاني كلام الله، وبنبْرة حزينة يتخلَّلها ما يسمَّى بـ (البنتاية)[76] للدلالة على حال الإنسان الَّذي إذا تجرَّد عن الإيمان ورأى نفسَه أنَّه استغنى فإنَّه يطغى، ويغلِبُه هواه ويقوده طمعه، ويشْعُر أنَّه غير مُحتاج إلى رازِقِه وخالقِه لاستِغْنائه بالمال أوِ السُّلطان، ونتيجةً للتَّصوُّر الخاطئ يَجحد ويفخر وينسُب النِّعمة إلى نفسِه، لكن مهْما طالت الحياة فإنَّ مصيرَه إلى الله، ï´؟ كَلاَّ ï´¾.... ï´؟ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ï´¾ [العلق: 8].
ثانيًا: تصوير المعنى:
من خصائِص أسلوب القُرآن الكريم التي عُرِف بها: تصْوير المعاني، ويراد بها إظهار المعاني بكلماتٍ تَكاد أن تَجعلَها بصورة المحْسوس، حتَّى كأنَّك تلْمَسها بيديْك، فتجدها مترابطة متكامِلة لا تحس بأي مشقَّة في تركيب معانيها التي تشكّل الصورة المتكاملة، بل هي حاضرة الصّورة والمشهد في ذِهْنِك، وإذا كان تفسير سيد قطب[77] - رحِمه الله تعالى - له عناية خاصة بهذا المعنى من ناحية توضيحه وبيانه واستجلائه، والَّذي تميَّز فيه من بين سائر المفسرين، فإنَّ تَجويد المنشاوي - رحِمه الله - من ناحية تطبيقيَّة تَجعلك تعيش في أجواء الآيات كأنَّك تراها رأْي عين، وتجعلك تتذوَّق معانيَها وتنقلك إلى عوالم غير علم المادّيَّات، وتجعل مَن يستمِع إلى التّلاوة يتفاعَل معها بقلبِه وعقلِه ووِجْدانه.
وعلى ذلك أمثِلة لا حصر لها منْها:
أوَّلاً: تلاوته لقولِه -تعالى- من سورة الفجر[78] - وهي من أكثر السور التي تلاها في المحافل والمناسبات -: ï´؟ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ï´¾ [الفجر: 23]، وهو من روائع الآيات التي يتْلوها[79]، ويستعمِل المقرئُ ما يناسب أجْواء الآية من المقام وهو الحجاز - هذا المقام من أحْزن وأخْشع المقامات، وأصلُه يرجع إلى بلاد الحجاز - وهو الثَّاني في الرَّوعة بعد الصَّبا.
والمنشاوي - رحِمه الله - في تلاوته يقطع القلب، وتخنقه العَبرة، وهو يذكر الإنسان الغافِل بما فات من عمره في غير طاعةِ الله بعد رؤيته لجهنَّم بنارِها وحَميمِها وزقُّومها، وهي تُقاد بالسَّلاسل، ليُقْذَف فيها العصاة من خلْق الله، ويصوِّر لك الحالة تمامًا وكأنَّ جهنَّم مرْبوطة بالحِبال، وتجرُّ إلى ساحة الحساب فيَراها جَميع خلْق الله، هناك في ساحات العرْض والحِساب، هناك تبلغ القلوب الحناجر، ويَشيب الوِلْدان من هوْل الموقِف والمطلع، حينئذٍ يصرُخ الإنسان بأعلى صوتِه نادمًا: ï´؟ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ï´¾ [الفجر: 24]، والمقرئ في المقطع يرفَع صوتَه مناديًا على الخلق أن هلمّوا إلى طاعة الله قبل فواتِ الأوان، واستجيبوا نداء ربِّكم قبل حلول الموْت، إنَّها لحظاتٌ حاسِمة في عمر الإنسان، بل في عمْر البشريَّة جَمعاء، إنَّ الآية تختصِر عمر الدُّنيا لتوضح صورة عن قصر عُمر الدُّنيا مقارنة بِحال الآخرة، وإنَّ الإنسان على مفترق طرق إمَّا إلى نعيم سرمدي، أو عذاب أليم دائم.
إنَّ الَّذين يفهمون بالمقامات والدَّرجات والأصْوات يقولون: إنَّ المنشاوي - رحمه الله - لا نظيرَ له في التَّصوير المعنوي، فهو من أوائل مَن قرأ القُرآن بالتَّصوير للمعاني - وقبله الشَّيخ محمَّد رفعت[80] - وهو يتفاعل مع القُرآن بطريقةٍ عجيبة رائِعة، تأخُذ بالألباب، حتَّى في تلاوته بأسلوب الحدْر[81] يبدع فيه، فمثلاً المنشاوي في سورة آل عِمْران يَجْعلُك تعيشُ غزْوة أُحُد تَمامًا بِمشاعرها وأحاسيسها، والحالة التي كان عليْها المسلمون خاصَّة عندما يقرأُ: ï´؟ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ï´¾ [آل عمران: 140] إلى ما بعدها من الآيات الكريمات، ومن هُنا يتبيَّن لنا السَّبب والسِّرَّ في النَّاس، تتأثَّر وتعيش مع تلاوته ذلك التَّأثير العميق الذي تنقاد إليه القلوب قبل الأسْماع.
والمثال الثاني: تِلاوته من سورة ق[82] من قولِه تعالى: ï´؟ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ï´¾ [ق: 28]، ويستعمل الشَّيخ في تلاوتِه للآية هنا مقام النَّهاوند - وهو من أجْمل المقامات وأكثرِها عاطفة وفرحًا وحزنًا معًا، وإن كان الحزنُ يغْلِب كثيرًا - وهو بارِع فيه حتَّى إنَّه عرف به، والمقرئ في تلاوته يوضِّح ويجسِّد حال الإنسان مع قرينِه الَّذي أغْواه وأضلَّه، ثمَّ تخلَّى عنه في أحرج موقِف بل يتبرَّأ منه هناك، يوم لا ينفَعُ مال ولا بنونَ إلاَّ من أتى الله بقلب سليم، وأصبح الإنسان مرهونًا بعمله لا غير، وأصبح ماثلاً أمام عدْل الله وقضائه ولا يظلم ربُّك أحدًا، وعند قراءتِه لقولِه تعالى: ï´؟ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ ï´¾ [ق: 29] يمدُّ المنفصل للدّلالة على تعْميق المشْهد وإيضاحه بقوَّة، إنَّ الوقت انتهى وإنه ليس هناك سبب للتَّخاصم بين الإنسان وقرينِه وبين الأتْباع والمتبوعين، فقد قُضِي الأمر وانقضى الوقْت، يقول الله قد أعذرت إليْكم على ألسنة الرسُل، وأنزلت الكتُب، وقامت عليْكم الحجج والبينات والبراهين[83]، إنَّ الاستماع إلى الآيات تدْفَع الإنسان إلى التأثُّر والاستِعداد التَّامّ والتزوُّد للآخِرة.
ثمَّ تأمَّل الانفِتاح في قوله: ï´؟ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ* ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ï´¾ [ق: 31 - 35]، على مقام الرست - يَمتاز بالفخامة والأبهة - الَّذي يدلُّ على الاستِبْشار والفرَح بفضْل الله ورحمتِه، ولنا هنا إشارات:
الأولى: المقرئ يُعيد تلاوة الآية أكثر من مرَّة من أجل إيصال المعنى المطْلوب؛ لأنَّ ترْديد الآية له فائدة؛ فهو يؤدِّي إلى التدبّر، وأيضًا فالقلوب أنواع فإذا لم يؤثِّر هذا النوع من النَّغم أثَّر غيرُه، والقُلوب المطمئنَّة يَكْفيها أدنى إشارة.
الثانية: التَّنويع في القراءات كي تتعدَّد المعاني وتتنوع الدلالات، وتصبّ في مقصد واحد وهو الدّلالة على عظيم وعْد الله للمتَّقين، ثمَّ التَّنويع في المقامات، فقد بدأ الشَّيخ السورة بمقام البيات، ثم انتقل إلى البيات شوري، ثمَّ إلى الصَّبا، ثمَّ إلى الحِجاز، بعدها إلى النهاوند، ثمَّ إلى الرست ثم السيكاه.
والمنشاوي ينقلك إلى أجْواء رحبة من عطاء الله للمتَّقين، ويكشِف في تلاوته عن مشْهد عظيم من مشاهد يوم القيامة الدَّالّ على دقَّة التَّصوير لأهل الجنَّة، وهم يدخلونَها إخوةً متحابّين، كما جاء في الحديث: ((أوَّل زمرة يدخُلون الجنَّة على صورة القمر ليلة البدر، ثمَّ الذين يلونَهم على أشدّ كوكب دُرّي في السَّماء إضاءة: لا يَبولون، ولا يتغوَّطون، ولا يتفلون، ولا يمتخِطون، أمشاطهم الذَّهب، ورشحُهم المسك، ومجامِرُهم الألوَّة - عود الطِّيب - أزواجُهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدمَ ستّون ذراعًا في السَّماء))[84]،هذا التَّصوير العجيب لأهل الجنَّة وهم يدخُلونَها بهذه الصّفة، يدلّك على منهج قرآني عظيم في تربية النَّفس البشريَّة على معاني الإيمان بالغيْب، والَّذي يُثْمِر الأعمال الصَّالحة من الخوف من الجليل والمُحافظة على أوامر الله وإن كنت خاليًا، وسلامة القلب من الأمراض القلبيَّة، فما أعظم سَعة رحمة الله! وما أحلم الله على خلْقِه وهم يبارزونَه بالعظائِم من الذنوب، وهو مع ذلك يدْعوهم إلى التَّوبة ويعرِض عليْهم الجنَّة، التي فيها ما لا عين رأَتْ، ولكن الخلق والحال والعرض من ربّ العباد معرضون ساهون غافلون! ربَّاه رحْماك ما أعظمك! ربَّاه ما أعظمك وأرْحَمك بِخلقك!
كلّ ذلك يصوِّره المقرئ من خلال تلاوتِه للسورة، فيدْعوك إلى الاستِعْداد وشدّ العزْم إلى التَّوبة والعمل الصَّالح وتحقر حينئذٍ الدّنيا وزخرفتها، وتتيقَّن فعلاً بعد سَماعِك للتّلاوة أنَّها - الدّنيا - لا تُساوي في ميزان الله شيئًا، وأنَّ موضعًا في الجنَّة هو أثْمن من الدنيا وما عليها، والتّلاوة فوق ما تتصوَّره الأذهان وفوق ما أسطره بقلمي، وتأمَّل معي - رحمك الله - كيف أن المقرئ يستعمل في تلاوته ما يعرف (بالبنتاية) أو بالمصطلح العِلْمي الترقيص، ولكنَّ المنشاوي ينساب منه بخشوع عجيب، وهو معروف به.
واستمع إلى المقطع الأخير من التّلاوة وهو يقرأ قوله: ï´؟ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ï´¾ في سورة الرحمن، حاول أن تستمِع لها بتدبّر، لتصل إلى المقصود من تلاوة القرآن؛ ألا وهو التدبّر والخشوع، ما أحوَجَنا في هذه الأيَّام حيث الفتنُ - فتن الشَّهوات والشّبهات - ترِد على القلوب فتجعلها مظلمة قاسية، بعيدة عن الله، بعيدة عن معاني الآخرة، ما أحْوجَنا إلى أن نتواصِل على مائِدة القرآن الكريم! إنَّ القرآن الكريم بِمعانيه وآياته يفتح أبوابَه على القلوب والأرواح، فيورِثها الأُنس والشَّوق والحياة المطمئنَّة والسَّعادة الحقَّة، مائدة القرآن مبسوطةٌ للجميع، وفواكِهُه البديعة معروضة للخلْق، لكن مَن يأْتي إلى فضل الله ورحمته؟! اللَّهُمَّ لطفَك بنا يا أرْحَم الرَّاحمين.
ثالثًا: علم القراءات السَّبع والعشر:
هناك قرَّاء مشهورون وهبهم الله حلاوةً في الصَّوت، وطولاً في النَّفَس، ومقدِرة في التفنُّن في التّلاوة بالمقامات المتوارَثة، ومعرفة قويَّة بأحكام التَّجويد والقِراءات السَّبع والعشْر، ومنهم الشيخ الحصري[85] - رحمه الله - وهو من أشهر القرَّاء الذين ستبقى تلاواتُهم خالدةً ومرجعًا للقرَّاء في الأجيال القادِمة.
أمَّا المنشاوي - رحمه الله - صاحب الصوْت الحسن، فله الأسلوب الخاصّ في التّلاوة، والَّذي يجعل - بمهارته ومعرفته - السَّامع يتدبَّر القرآن أكثر فأكثر، وهو أُستاذ في فنّ القِراءات السَّبع والعشْر، وترْتيله بالتَّحقيق منتشِر في العالم الإسلامي، أمَّا تَجويده فهو يُعْطِي فيه لنا دروسًا ومُحاضرات[86] من خِلاله، وهذه أمثلة على ذلك:
ففي تلاوتِه - وبِمقام بيات شوري - لسورة الحديد في أحد المحافل بأسيوط اختار - رحِمه الله - كلِمة قرأَها بمختلف الأوجُه من طرُق الأئمَّة العشرة - رحِمهم الله أجمعين - وهي لفْظ "فيضعفه"، ومعْناها: إن كانت بحذف الألف التي بعد الضَّاد، وتشديد العين على أنَّه مشتقٌّ من ضعَّف مشدَّد العين؛ للدّلالة على التَّكثير، وبإثبات الألف وتَخفيف العين على أنَّه مشتقّ من ضاعف[87].
فأعاد الشَّيخ - رحمه الله - تلاوة الآية الكريمة خمسَ مرَّات تقريبًا متتالية، يبين فيها أوجه الاختلاف بين القرَّاء العشرة، والآية هي قوله تعالى: ï´؟ مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ï´¾ [الحديد: 11].
• قراءة ابن كثيرٍ براوييه: البزي وقنبل.
• وقراءة أبي جعفر عاشِر القرَّاء براويَيْه: ابن وردان وابن جمَّاز، (فيُضَعِّفُهُ) بتشْديد العين وضمّ الفاء.
• قراءة ابن عامر الشَّامي براويَيْه: ابن ذكوان وهشام.
• قراءة يعقوب الحضرمي براوييه: روح ورُويس، (فيُضَعِّفَه) بتشديد العَين وكسرِها وفتْح الفاء، واختار الشَّيخ هنا مدَّ التوسّط المنفصل: ï´؟ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ï´¾ لِلزومِه عند ابن ذكوان.
وجعل كذلك التوسُّط ليعقوب كوجه من أوجُه المدِّ الثَّلاثة على غرار باقي القرَّاء، مع العلم أنَّ يعقوب يفضِّل القصْر كذلك.
• قراءة حمزة براوِيَيه: خلاد وخلف، من طريق السَّكت على المدود (فيُضاعِفُهُ) بالألف قبل العين وكسر العين وضمِّ الفاء.
• قراءة عاصم براوييه: حفص وشعبة، وهنا ملاحظة لماذا اختار الشَّيخ محمَّد المدَّ المتوسط ï´؟ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ï´¾، فرواية حفص لها يَجوز فيها المدّ: إمَّا بالقصر، وإمَّا بالتوسّط، وإمَّا بالمدّ، ولكنَّه اختار التوسُّط لاحترام وجوبه في رواية شُعبة، وهو: أبو بكر؛ وذلك ليجمع بينهما، (فيُضاعِفَهُ) بألف وكسر العين وفتح الفاء.
• قراءة الباقين؛ يعْني: كلاًّ من نافعٍ المدني: قالون وورش، والكسائي الكوفي: الدوري والليث، - الدّوري هو كذلِك راوٍ لِلإمام أبي عمرو -وأبي عمرو البصري: الدوري والسوسي، وأدْرج معهم قراءة خلَفٍ عن نفسِه، وهو تاسِع القرَّاء العشَرة - ونفسه راوي حمزة - لموافقتهم في المد المتوسّط دون سكْت، وهذا من أصوله فيُضاعِفُهُ بالألِف وكسْر العَين وضمِّ الفاء[88].
ملاحظة:
في قراءة بقيَّة القرَّاء – أي: الباقين - الشَّيخ محمَّد صديق المنشاوي احترم حتَّى أصول القرَّاء العشْر في المدود، بِحيث إنَّه رغم أنَّ الإمام حمزة اتَّفق مع الباقين في (فيضاعفُه) بألف ثمَّ ضم الفاء، أعاد الآية ليقرأها بقراءة حمزة خالصةً وبطريق السَّكت على المدود، وفي قراءة الباقين اكتفى - عن اختيارٍ - بالتوسُّط في المدِّ المنفصِل عند كلِمة "فله أجرٌ كريم"؛ لأنَّ هؤلاء القرَّاء يَجوز عندَهم الأوجُه الثَّلاثة في المدود - القصْر والتوسُّط والمد - إذًا اختار التوسّط لأنَّ في قراءة الكسائيّ وأحد رُواة أبي عمرٍو البصْري وهو الدّوري المدُّ المتوسّط إلزامي.
هذا من ناحية اللَّفظ المتعلِّق بالقراءات، أمَّا من ناحية المعنى فأراد الشَّيخ أن يستوعِب جَميع المعاني المطلوبة من الآية ليوصّل السَّامع إلى المقصود من الآية، وهي الحثّ على الإنفاق في سبيل الله ويصوّر المعنى على أنه "عتابٌ من الله - سبحانه - للمؤمنين، الَّذين لم يصِلوا إلى تلك المرتبة التي يُريدها الله لهم، وتلْويحٌ لهم بما كان من أهل الكِتاب قبلَهم من قسْوةٍ في القُلوب وفسقٍ في الأعْمال، وتحذير من هذا المآل، الذي انتهى إليه أهلُ الكتاب بطول الأمد عليهم، معَ إطْماعهم في عون الله الذي يُحيي القلوب كما يُحيي الأرْض بعد موتِها" ثمَّ الدَّعوة إلى "إقْراض الله قرضا حسنا، مع بيان ما أعدَّه الله لمن يُقْرِضونه في الدُّنيا من العِوَض المضاعف والأجر الكريم"[89].
إنَّ "قيم الدنيا كلّها في ميزان الله إلى جانب قيم الآخرة.. حيث تبدو قيم الأرض لُعبًا خفيفة الوزْن، وترجح كفَّة الآخرة ويبدو فيها الجدّ الذي يستحق الاهتمام"[90].
ثم عندما يتلو الشَّيخ قولَه تعالى:ï´؟ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ï´¾ [الحديد: 21].
يهتف بهم الشَّيخ في تلاوته يستنهِض الهمم ويحثّ النّفوس ليُسابِقوا إلى قيم الآخرة، في جنَّة عرضُها كعرض السَّماء والأرض، أُعدَّت للَّذين آمنوا بالله ورسلِه.
يتبع