عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-02-2020, 02:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تجويد المنشاوي (دراسة وتحليل)

تجويد المنشاوي (دراسة وتحليل)


مرشد الحيالي



ويعرف أيضًا:


أنَّه تتابع الدَّرجات الموسيقيَّة بنسب معيَّنة.

والمقامات[43]: مَجموعةٌ في قول العرب "صنع بسحرك"- يُضيفون مقام الكرد إليْه -وكلّ مقام يتجزَّأ إلى ثلاث طبقات: القرار والجواب وجواب الجواب كما يقولون.... إلخ.

وأهمّيَّة هذه المقامات وفائدتها[44] تكمن في أنَّها تعلّم كيفيَّة الانتِقال من نغمةٍ إلى أُخرى، وكيفيَّة أداء هذه النَّغمات حتَّى لا يصْدر ما يسمَّى بالنَّشاز، والموضوع يجرُّنا حتمًا إلى رأْي الشَّرع الكريم وأقوال العُلماء في حكم تعلُّم المقامات[45]، وكلامُنا هنا منصبٌّ على قرَّاء القُرْآنأ ومقرئي الإذاعة لا علماء القراءات[46]، فهؤلاء لم يتعلَّموا هذه المقامات، وهم لا يقرؤون بمقتضاها، وهؤلاء في العادة لا يقرؤون في الإذاعات، وإنَّما يعلّمون القراءات في المساجد والمعاهد وفي بيوتِهم.

ونُحاول أن نَختصِر الموضوع فنقول: لا شكَّ أن تَحسين الصَّوت بالقرآن لا نِزاع فيه بين العلماء، لكنَّ الاختلاف بينهم على القدر الزَّائد وهو الاستِعانة بالألْحان في تَحسين الصَّوت، وفي كتاب "سنن القرَّاء ومناهج المجوّدين" فصلٌ كامل عن القراءة بالألحان، قال فيه[47]: "الَّذي نَختاره بعد دراسة النّصوص وأقوال السَّلف أنَّ الاستِعانة بالألْحان وقانونِها لتحسين الصَّوت بالقرآن لا بأس به بشروط أربعة:
1-ألاَّ يطْغى ذلك على صحَّة الأداء، ولا على سلامة أحْكام التَّجْويد.
2-ألاَّ يتعارض التلْحين والتَّنغيم مع وقارِ القرآن وجلالِه، ومع الخشوع والأدَب معه.
3- أن يَميل عند القراءة إلى التَّحزين، فإنَّه اللَّحن المناسب لمقام القُرْآن.
4- أن يأخذ من الألحان ويستعين بها على قدْر حاجته إلى تَحسين صوته[48].

الفصل السابع
(الأمر بتحسين الصَّوت بالقرآن لا يَعْني الاستعانة بالألحان)
ذكر العلاَّمة ابن القيّم فصلاً نافعًا جدًّا في هذا الباب، وأوْرد جَميع النُّصوص الشرعيَّة والعقليَّة المتعلّقة بتحسين الصَّوت بالقُرآن، وأوْرَد حُجَج المانعين من القراءة بالألْحان - لا تعلّم المقام والسلم الموسيقي على الملحنين والمطربين وتطبيقه على القرآن وبيْنهما فرق - وحُجَج مَن أَجاز ذلك، ونُحن نُورِد هنا من الكلام ما يوضِّح المقصود ويُجلي المبهم ويُزيل اللَّبس، يَقول ابنُ القيِّم - رحِمه الله -:في هدْيِه - صلى الله عليه وسلم - في قراءة القُرآن، واستِماعه، وخشوعه، وبكائه عند قراءته، واستماعه وتحسين صوته به وتوابع ذلك، ثم قال: وكان يُحبُّ - صلى الله عليه وسلم -أن يسمع القرآنَ مِن غيرِه، وأمر عبداللَّه بن مسعود، فقرأ عليْه وهو يسمع، وخَشَع - صلى الله عليه وسلم - لسماع القُرآن مِنه، حتَّى ذرفت عيْناه.

وكان يقرأ القرآن قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعا ومتوضِّئا، ومُحْدِثا، ولم يكُن يَمنعه من قِراءته إلاَّ الجنابة.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتغنَّى به، ويُرجِّع صوتَه به أحيانا كما رجَّع يومَ الفتح في قراءته: ï´؟ إنَّا فتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ï´¾ [الفتح: 1]،وحكى عبدالله بن مغفَّل ترجِيعَه، آ ا آ ثلاث مرات، ذكره البخاري.

وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله: ((زَيِّنُوا القُرآن بأصْواتِكُم))، وقوله: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآن))، وقوله: ((ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ ما أَذِنَ لِنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرآن))، علِمت أنَّ هذا التَّرجيعَ منه - صلى الله عليه وسلم - كان اختيارًا لا اضطِرارًا لهزِّ النَّاقة له، فإنَّ هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة، لما كان داخلاً تحت الاختيار، فلم يكن عبدالله بن مغفَّل يَحكيه ويفعلُه اختيارًا لِيُؤتسى به، وهو يرى هزَّ الرَّاحلة له حتَّى ينقطع صوتُه، ثم يقول: كان يُرجِّعُ في قراءته، فنسب التَّرجيع إلى فعله، ولو كان مِن هزِّ الراحلة، لم يكن منه فعل يسمَّى ترجيعا.

وقد استمع ليلةً لقراءة أبي مُوسى الأشعري، فلمَّا أخبره بذلك، قال: لوْ كنتُ أعْلم أنَّك تسْمعه، لحبَّرْته لَكَ تَحْبِيرًا؛ أي: حسَّنته وزيَّنته بصوتي تزيينًا، وروى أبو داود في سننه عن عبدالجبار بن الورد، قال: سمعتُ ابنَ أبي مُليْكة يقول: قال عبداللّه بن أبي يزيد: مرَّ بنا أبو لُبابة، فاتَّبعْناه حتَّى دخل بيتَه، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة، فسمعتُه يقول: سمعتُ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرآنِ))، قال: فقلتُ لابن أبي مُليكة: يا أبا محمَّد، أرأيتَ إذا لم يكُن حسنَ الصَّوت؟ قال: يُحسِّنُه ما استطاع.

ثمَّ أورد ابن القيم النّصوص عن الإمام أحمد والشَّافعي وتوجيهها بِما يوافِقُ الكِتاب والسنَّة، في كراهية القِراءة بالألْحان، ثم أتْبعه بأدلَّة مَن أجاز ذلك وأوْرد بعض النُّصوص، منها: وكان عقبة بن عامر من أحْسن النَّاس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر: اعْرِضْ عليَّ سورة كذا، فعَرض عليه، فبكى عمر، وقال: ما كنتُ أظنُّ أنَّها نزلت، قال: وأجازَه ابنُ عبَّاس، وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح، قال: وكان عبدالرَّحمن بن الأسود بن يزيد، يتتبَّع الصوتَ الحسن في المساجد في شهر رمضان، وذكر الطَّحاوي عن أبي حَنيفة وأصحابِه أنَّهم كانوا يستمِعون القرآن بالألحان، وقال محمد بن عبدالحكم: رأيت أبي والشَّافعي ويوسف بن عمر يستمِعون القُرآن بالألحان، وهذا اختيارُ ابن جريرٍ الطَّبري.

ثم ذكر الخلاف في معنى يتغنَّى بالقُرآن وأنَّ المقْصود منه تَحسين الصَّوت، وفنَّد باقي الأقوال فقال: وروي في هذا الحديث: ((ما أذِنَ اللَّه لشيءٍ ما أذن لنبيٍّ حسنِ الصَّوت يتغنَّى بالقُرآن يَجهرُ به))، قال الطَّبري: وهذا الحديث من أبيَن البيان أنَّ ذلك كما قلْنا، قال: ولو كان كما قال ابنُ عيينة؛ يعني: يستغني به عن غيره، لم يكن لذكر حُسن الصوت والجهر به معنى، والمعروف في كلام العرب أنَّ التغنِّي إنَّما هو الغناء الَّذي هو حسنُ الصَّوت بالتَّرجيع، قال الشَّاعر[49]:
تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا كُنْتَ قَائِلَهُ ♦♦♦ إِنَّ الغِنَاءَ لِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ

وكعادة ابن القيم في إيراد الأدلَّة النقليَّة ثم العقليَّة والمواجهة بينَهُما، أتى ما يسند قوْل مَن أجاز القراءة بالألحان وفْق الشُّروط التي سيذكُرها بأدلَّة عقلية، فقال: ولأن تزيينَه وتَحسين الصَّوت به، والتَّطريب بقراءتِه أوقعُ في النّفوس، وأدْعى إلى الاستِماع والإِصغاء إليْه، ففيه تنفيذٌ للفظه إلى الأسماع، ومعانيه إلى القلوب، وذلك عونٌ على المقْصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعل في الدَّواء لتنفذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعل في الطَّعام، لتكون الطَّبيعة أدعى له قبولاً، وبمنزلة الطِّيب والتحكِّي، وتجمُّل المرأة لبعلِها، ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح، قالوا: ولا بدَّ للنَّفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعُوِّضت عن طرب الغِناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كل محرَّم ومكروه بما هو خيرٌ لها منه، وكما عوِّضت عن الاستِقْسام بالأزلام بالاستِخارة التي هي محضُ التَّوحيد والتوكّل، وعن السِّفاح بالنّكاح، وعن القِمار بالمُراهنة بالنِّصال وسباق الخيل، وعن السَّماع الشَّيطاني بالسَّماع الرَّحماني القُرآني، ونظائره كثيرة جدًّا. ثمَّ أوْرد حديث حُذَيْفة بن اليمان والذي فيه عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((اقرؤُوا القُرْآن بِلحُونِ العَرَبِ وأصْوَاتِها، وإيَّاكُم ولُحُونَ أهْلِ الكِتابِ والفِسْق، فإنَّهُ سيَجيء في منْ بَعْدي أقوامٌ يُرَجِّعُونَ بِالقُرْآنِ تَرْجيعَ الغِناءِ والنَّوْحِ، لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم، مَفتونَةً قُلوبُهم، وقُلوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهم شَأْنُهم))، فقال حول معنى التَّرجيع: والتَّرجيع والتَّطريب يتضمَّن همزَ ما ليس بِمهموز، ومدَّ ما ليس بِممدود، وترجيعَ الألف الواحد ألفات، والواوَ واوات، والياء ياءاتٍ، فيؤدِّي ذلك إلى زيادة في القُرآن، وذلك غير جائز.

وهو كما يفعله القرَّاء اليوم من إيقاع كلام الله على وفْق النغمات والألحان، ثمَّ خلص ابن القيّم[50] في نهاية بحثه القيّم والذي تضمَّن مسائل شرعيَّة ولغويَّة وبلاغيَّة نافعة إلى ما يلي:
1- أنَّ التغنِّي والتَّطريب إذا اقتضتْه الطَّبيعة وسمحت به من غيرِ تكلُّف ولا تَمرين ولا تعْليم، فهو جائز.

2- إذا كان صناعة من الصَّنائع، وليس في الطَّبع السَّماحة به بل لا يَحصل إلاَّ بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلّم أصوات الغناء بأنواع الألْحان البسيطة والمركَّبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تَحصل إلاَّ بالتعلّم والتكلُّف[51]، فهذه هي التي كرِهَها السَّلف وعابوها وذمُّوها وكرِهوا القراءة بِها، ثمَّ قال - رحِمه الله -: "وبِهذا التَّفصيل يزول الاشتِباه" اهـ. باختصار.

لقد كان المنشاوي - رحِمه الله - من النَّوع الَّذي لم يتكلَّف في استِعْمال المقامات في تلاوتِه، ولم يعهد أنَّه درس في معهد موسيقي أو جلس بين يدَي ملحِّن أو مغنٍّ كما يفعل بعض القرَّاء[52]؛ لأنَّ قارئ القرآن وحامله أجلُّ وأعظم من أن ينزل نفسه إلى هذا المستوى، كيف وحامل كتاب الله قدوة للنَّاس يتأثَّرون بعملِه وعلْمِه وسلوكه وتصرُّفه، بل إنَّ حامل كتاب الله صاحب هدَف وهداية للخلق أجْمعين، لا يليق به أبدًا أن يتعلَّم السلَّم الموسيقي، ويَجلس بين يدي ملحِّن بحجَّة صقل الموهبة الصوْتيَّة فيضرّ نفسه، ويكون معرَّضًا لسخط الجبَّار سبحانَه.

لقد كان الشَّيخ يتْلو كلام الله، وبِما يُوافق ما ذكرْنا دون أن يتعلَّم من أحد السُّلَّم الموسيقي، بل كان ينساب منه انسِياب الماء الجاري في الأوْدِية السَّهلة، لقد وهبه الله صوتًا حزينًا لا مثيل له، وقد فسَّر أهل العلم حديثَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذي فيه: ((اقرؤوا القُرآن بلحون العرب[53] وأصواتِها، وإيَّاكم ولحون أهل الكِتابين وأهل الفِسق، فإنَّه سيجيء بعدي قومٌ يُرَجِّعون بالقرآن ترْجيع الغناء والرهبانيَّة والنَّوح، لا يُجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبُهم وقلوب مَن يُعجبهم شأنُهم))[54] ‌بأنَّ المراد بلُحون العرب: القراءة التي تأْتي على سجيَّة الإنسان وطبيعتِه من غير تصنُّع ولا تعمُّل، ولا قصْد إلى الأنغام المستَحْدثة والألْحان التي تذْهَب بِرَوْعة القرآن وجلالِه[55] وسنذكر أمثِلة تطبيقيَّة على ذلك في نهاية الفصْل، وبالله التَّوفيق.

ثانيًا: التلاوة التفسيريَّة[56] - إن صحَّ القوْل - فالمنشاوي - رحمه الله - يقرأ قِراءة تفسيريَّة بالمعنى، ويقرِّب المعاني الجليلة لكتاب الله إلى أذْهان السَّامعين، بما يملكُه من إبْداع في الوقْف والابتِداء، وجمالٍ في الأداء والصَّوت، وتوظيف حسنٍ للمقام بما يخدم المعنى الذي سيقت الآيةُ لبيانه، مما يجعل المستمِع يحلق بروحِه وقلبه إلى أجواء رحبة من سعة عفْو الله ورحمته تارة، وفي جوٍّ من الخشوع والرَّهبة والإجلال والخوف من عقاب الله تارة أخرى، وله إبداعات تأمُّليَّة يقف فيها عند الآية طويلاً من خلال تكْراره لها يتفاعَل فيها مع معاني كلام الله، فيشدُّ المستمع إلى المعنى شدًّا، يتذوَّق من خلالها حقيقة حلاوة القُرْآن العظيم، فتُنْسيه مرارة وحزْن الدُّنيا بأسرها، لقد كان مِنْ هدْي رسولِنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في التِّلاوة أن يقطِّع قراءتَه ويقف عند كلِّ آية فيقول: الحمد لله ربّ العالمين، ويقِف: الرحمن الرحيم، ويقف: مالك يوم الدين[57]، وكان - صلى الله عليه وسلم - يرتِّل السُّورة حتَّى تكون أطْول من أطْول منها، وقام بآيةٍ يردِّدُها حتَّى الصَّباح[58].

ثالثًا: يعتمد المنشاوي - رحِمه الله - في الغالب على أسلوب التكْرار[59] وهو أسلوب ثبتَ ورودُه في السنَّة؛ فقد قام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بآيةٍ حتَّى أصبحَ يُردِّدها ويُكرِّرها، والآية: ï´؟ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ï´¾[60]، وكان من هدْي الصَّحابة - رضِي الله عنهم - التَّأسِّي برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ترْديد آيات الله، وقد ثبت أنَّ عائشة - رضِي الله عنْها - كانت تُردِّد قولَه تعالى: ï´؟ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ï´¾ [الطور: 27].
إنَّ الغرض من ترْديد الآيات إنَّما هو لأجْل التدبُّر والتفكُّر في المعنى، والحصول على الخشوع، ليتمكَّن من وراء ذلك القارئ إلى إيصال المعنى المطْلوب من الآيات، واستحضار المعاني[61]، وكلَّما كثر التكْرار كلَّما زادت المعاني التي تفهم من النَّصّ، والتكْرار أيضًا قد يحصل لا إراديًّا تعظيمًا أو إعجابًا بما قرأ.

لقد تميَّزت تلاوات المنشاوي - رحمه الله - وخاصَّة التي في المحافل بِهذا الأسلوب في تلاوة الآيات، مثل تلاوته لسورة الإسراء والتَّوبة وغافر وغيرها كثير، وبعد أن يتيقَّن أنَّ تلاوته تمكَّنت في النفوس واستقرَّ تأثيرها في القلوب، وأخذت حظَّها من التدبُّر والخشوع وربَّما البكاء، ينتقِل الشَّيخ المقرئ لتلاوة بقيَّة الآيات الكريمات.

رابعًا: التَّنويع في القِراءات القرآنيَّة: فأنت تَسمعُه يتلو آيةً بقراءة أحد الأئمَّة السَّبعة أو العشرة مثلاً يقرأ برواية الدّوري ثم يُتْبِعها برواية السّوسي - وكلاهُما راويا الإمام أبي عمرو البصري - أو ورش وقالون عن نافع، أو يتلو آيةً واحدة بكل القِراءات قراءة بعد قِراءة؛ حتَّى تتمكَّن أنت أخي المستمع من استيعاب المعنى، وتارةً يَجمع في آية واحدة كلّ القِراءات الواردة في الآية وخصوصًا أصول الأئمَّة المختلفة، مثل تلاوة سورة الإسراء المشْهورة في المسجِد الأقصى، وسورة التوبة في بلاد الشام في المسجِد الأموي، كل ذلك مع البعد إن أمكن عن القِراءات الشَّاذَّة لم يقرأ بها المنشاوي - رحمه الله - حسب علمي القاصر[62] خدمة للمعنى لا لأجل التَّطريب، أو إظْهار المقدرة والبراعة، بل لأجْل توضيح المعنى، واكتمال الصّورة، ووضوح المشهد، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، أكتفي بمثال واحدٍ جَميل، وهو عند قراءتِه لسورة غافر في قوله: ï´؟ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ï´¾[63] فقد كرَّر تلاوة تلك الآية وما بعدها أكْثر من خمسة مرَّات، وفي كلّ مرة يأْتي بمعنى جديدٍ من خلال التَّنويع في القِراءات والنغمات، مصحوبة بتأثُّر بالغ وخشوع عظيم، وسيأتي توضيح ذلك أكثر في كلامِنا على تلاوات المنشاوي الدراسة والتطبيق.

خامسًا: يرتِّل المنشاوي القُرآن على أنَّه هو المخاطَب المعنيّ من الآيات المتلوَّة[64]، بل هو المقصود منها لا غيْره، فعند تلاوته للآيات التي تحذّر من العذاب أو الَّتي تدعو إلى التَّوبة والرجوع إلى الله، أو التي تدْعو إلى محبَّة الله والشَّوق إلى لقائه وبذْل النَّفس رخيصة في جنْب الله، يوقن بأنَّه هو المخاطب بها، فيتْلوها على أنَّه هو المعنيّ من الآيات فيورِثه ذلك ندمًا وخشوعًا وذلاًّ وانكسارًا وتواضعًا وحبًّا لله، وإجلالاً وخوفًا ورجاءً، ممَّا يكون لتلاوتِه أثرُها الفعَّال العميق في النفوس، قال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: "إذا سمعت الله - عزَّ وجلَّ - يقول كذا وكذا، فأصغ لها سمعك، فإنَّما هو خير تؤمَر به أو شر تنهى عنه"[65]، إنَّ السَّبب في بُعْد النَّاس عن تعاليم الإسلام هو اعتِقادهم أنَّ الآيات المندِّدة بالمشْرِكين، وأنَّ آيات العذاب في القُرآن هي خاصَّة بِمن نزلت بِهم، ممَّا يؤدِّي إلى فصْل المسلمين عن قرائِنهم، ويصير كلّ وعيد باليهود والنَّصارى والمشركين منصرِفًا إلى مَن نزلت عليهِم لا تتناول غيرهم[66]، فيفقِد المسلمون الاتِّعاظ بكتاب الله والاعتِبار بآياته؛ ولهذا نرى بعض المسلمين لا يتَّعظون بالقرآن وأحكامه ووعيدِه، ويحسبون أنَّ كلَّ من تلفَّظ بلا إلَه إلاَّ الله من غير قيامٍ بِحقوقِها، فهي كافية لنجاتِه من عذاب الله ولو مارس الشرك الواضح، مثل عبادة القبور أو التوسُّل بالأموات، والله المستعان.


يتبع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.21%)]